ونُشر تقرير “رويترز” بشأن استمرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت تتعرض فيه محادثات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، لانتقادات حادة من جانب عدد من المسؤولين ووسائل الإعلام الإيرانية.

وطالب عدد من أعضاء البرلمان الإيراني باستجواب عباس عراقجي تمهيدًا لإقالته، فيما أفادت وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري بأن هذا اللقاء عُقد دون إذن الجهات المسؤولة، ومنها المجلس الأعلى للأمن القومي.

وفي الوقت نفسه، شدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، على أن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه دون تلبية “شروط إيران السبعة”. كما هدد دول الجوار، ردًا على تقليص الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية، قائلاً: “إذا لم يسمحوا للطائرات الإيرانية بالسفر، فلن تتمكن مطاراتهم أيضًا من استقبال الرحلات”.

وقال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إنه لا يقبل استفادة الدول الأخرى من مضيق هرمز في ظل إغلاق طريق الملاحة أمام إيران، مضيفًا أن نشر الأساطيل المعادية وتوسيع نطاق الحرب لا يضمن أمن الملاحة.

تفاصيل الخطة قيد البحث

أكد تقرير “رويترز”، المنشور الخميس 24 سبتمبر، أن مضيق هرمز أصبح محور المفاوضات الرئيسي لإنهاء الحرب. وتريد إيران التخلص من الحصار الأميركي الذي يفرض ضغوطًا شديدة على اقتصادها، بينما تطالب واشنطن بضمان حرية مرور السفن عبر هذا الممر الحيوي لنقل النفط عالميًا، والذي تقول إن طهران تغلقه حاليًا.

لكن أحد أبرز العقبات أمام المفاوضات هو أن أيًا من الطرفين لا يريد أن يكون الطرف الأول الذي يتخلى عن ورقة الضغط التي يمتلكها. فالولايات المتحدة تمتلك ورقة الضغط الاقتصادية، بينما حوّلت إيران السيطرة على الوصول إلى أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى ورقة ضغط في يدها.

وقال مسؤول إيراني كبير لـ “رويترز” على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إن المسار الأكثر احتمالاً للخروج من المأزق هو التوصل إلى اتفاق مرحلي.

وقال: “أحد المسارات المطروحة قد يكون حل الأزمة على مراحل. المرحلة الأولى ستكون إنهاء الحصار وإعادة فتح هرمز”.

وبموجب هذا السيناريو، تسمح إيران باستئناف الملاحة في مضيق هرمز، مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار الاقتصادي، وقد تتيح أيضًا لطهران الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة.

وسيُعني مثل هذا الاتفاق قبول دونالد ترامب بحل مؤقت آخر، بعدما انهار التفاهم السابق بين الجانبين في يوليو (تموز) الماضي.

وأضافت “رويترز”، نقلاً عن مصادرها، أن التحدي الرئيسي هذه المرة لا يتمثل في التوصل إلى اتفاق، بل في وضع ضمانات تجعل التنازلات المتبادلة مستقرة بما يكفي ليتمكن الطرفان من الوثوق بتنفيذها.

وقال ترامب إنه يعتقد أن الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تتوصلا إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. لكن مسؤولاً أوروبيًا كبيرًا قال إن طهران لديها “قائمة طويلة جدًا من المطالب”.

وقدّر المفاوض الأميركي السابق، دينيس روس، احتمال التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية بـ 30 في المائة، لكنه قال إن الطرفين قد تكون لديهما دوافع أكبر للتوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات.

وقال روس إن الحصار هو العامل الذي يفرض أكبر قدر من الضغط على إيران، مضيفًا أنه “يخنقهم”.

وبحسب “رويترز”، فإن التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات قد يعود بفوائد أيضًا على ترامب؛ إذ يمكن لإعادة فتح مضيق هرمز أن تخفف التوتر في المنطقة، وتحد من ارتفاع أسعار النفط، وتساعد في خفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة، وهي قضية حساسة سياسيًا. وفي المقابل، قد تزداد فرص طهران في تحقيق انفراج اقتصادي في وقت تكون فيه لدى ترامب دوافع سياسية أكبر للتوصل إلى اتفاق.

وقال روس لـ “رويترز” إن ترامب قد يواجه قيودًا أقل بعد انتخابات التجديد النصفي، وقد يكون أكثر استعدادًا لتصعيد الضغوط أو دراسة الخيارات العسكرية.

الخلاف حول أوراق الضغط

أضافت “رويترز” أن أوراق الضغط نفسها التي أعادت واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات قد تجعل التوصل إلى تسوية أكثر صعوبة، لأن أيًا من الطرفين لا يريد التخلي عن أداة الضغط الرئيسية التي يمتلكها دون الحصول على مقابل ملموس.

ومِن ثمّ، قد تكون انتخابات التجديد النصفي، بدلاً من أن تشكل موعدًا نهائيًا للدبلوماسية، مهلة للحفاظ على الظروف التي أبقت الدبلوماسية ممكنة. وإذا لم يتمكن الطرفان بحلول ذلك الوقت من تحويل أوراق الضغط إلى اتفاق، فقد تضيق نافذة الدبلوماسية مع تزايد خطر تصعيد المواجهة.

وفي الوقت نفسه، تستعد طهران لاحتمال استئناف الحرب مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع بحثها عن حل دبلوماسي.

وقال المسؤول الإيراني الكبير، متهمًا واشنطن باستخدام الحصار الاقتصادي والتهديد العسكري كأداتين للإكراه، لـ “رويترز”: “أصابعنا على الزناد. الأميركيون يعرفون ما ينبغي عليهم فعله، لكن بسبب مطالبهم المفرطة، فإن احتمال أن تتمكن الدبلوماسية من حل هذه المسألة منخفض جدًا”.

احتمال تخلي طهران عن فرض رسوم على عبور مضيق هرمز

قالت مصادر إقليمية لـ “رويترز” إن طهران مستعدة لإخراج مطلب فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز من نص الاتفاق الأساسي وطرحه في ملحق منفصل، لأن إنهاء الحصار الأميركي أصبح أولوية أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى إيران.

وعارضت الدول الخليجية مقترح فرض رسوم على عبور هرمز. وأكدت مصادر إقليمية أن أي تراجع محتمل من جانب طهران في هذا الشأن سيكون مؤقتًا، ولن يعني التخلي رسميًا عن موقفها.

وقال أحد المصادر لـ “رويترز” إن تركيز النظام الإيراني الأساسي لا ينصب على تحصيل الرسوم، وإنما على الحفاظ على “السيطرة الإدارية” على مضيق هرمز. وقد تكون طهران مستعدة لتأجيل مسألة الرسوم، لكنها ليست مستعدة للتخلي عن مطالبتها بالسيطرة الإدارية على هذا الممر المائي.

وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، فإلى جانب الحصار الذي عرقل صادرات النفط الإيرانية، وهي أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في البلاد، فرضت واشنطن عقوبات جديدة. واستهدفت الولايات المتحدة هذا الشهر أيضًا ما تبقى من شركات الطيران التجارية الإيرانية وشبكات الدعم التابعة لها. وحذر ترامب من أن الاقتصاد الإيراني قد ينهار بالكامل إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

مخاوف الدول الخليجية من حرب بلا نهاية واضحة

في صلب مفاوضات نيويورك لا يزال هناك خلاف جوهري: تريد واشنطن أن تؤدي الضغوط إلى تقديم النظام الإيراني تنازلات، بينما تريد طهران رفع الضغوط قبل تقديم التنازلات؛ في حين تريد الدول الخليجية إنهاء الحرب من دون أن تتحول الممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة إلى أدوات دائمة للمساومة.

وطالب قادة الدول الخليجية، خلال اجتماع منفصل مع ترامب في نيويورك، بتوضيح الهدف النهائي لواشنطن بعد انتخابات التجديد النصفي، بما في ذلك ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستأنف العمليات العسكرية في حال رفضت إيران العودة إلى المفاوضات.

وبحسب مصادر إقليمية، رفضت هذه الدول بشكل جماعي أي سيطرة إيرانية على مضيق هرمز، وأكدت ضرورة استعادة حرية الملاحة، وألا يتحول هذا الممر الاستراتيجي إلى أداة ضغط على دول الخليج.

وفي الوقت نفسه، شددت هذه الدول على خفض التصعيد وبدء مسار سياسي، في موقف يعكس سعي دول المنطقة إلى تجنب جولة جديدة من الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

ويؤثر هذا الغموض أيضًا على حسابات طهران. وقال المحلل الإقليمي والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، إن مفاوضات نيويورك لم تغير المواقف الأساسية للطرفين، وإنه ما دامت إيران تعتقد أن ترامب يريد تجنب تصعيد واسع للحرب قبل انتخابات التجديد النصفي، فمن غير المرجح أن تتراجع.

وقال الدبلوماسي الأميركي السابق، آلان إير، لـ “رويترز” إن الحصار يلحق الضرر بإيران، لكنه قد يدفعها بدلاً من تليين موقفها إلى تصعيد التوتر، لأن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن التراجع قد تكون له عواقب قاتلة عليهم.

وقال مسؤول غربي مطلع على المفاوضات لـ “رويترز” ملخصًا محور المحادثات: “كل شيء يتعلق بفتح مضيق هرمز. نحن جميعًا تحت ضغط داخل بلداننا، والإيرانيون يعرفون ذلك”.