Published On 26/9/202626/9/2026

    |

    آخر تحديث: 21:21 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:21 (توقيت مكة)

    حين طُرح فيلم “سقوط” (Fall) عام 2022، لم يكن من الأفلام التي تحظى بتوقعات كبيرة؛ فميزانيته لم تتجاوز 3 ملايين دولار، وفكرته بدت في ظاهرها شديدة البساطة: امرأتان عالقتان فوق برج اتصالات مهجور يبلغ ارتفاعه 600 متر.

    لكن هذه البساطة تحولت إلى مفاجأة نقدية وتجارية معا، إذ حقق الفيلم إيرادات قاربت 22 مليون دولار، وحظي بإشادة خاصة بأداء بطلتيه اللتين أنجزتا معظم المشاهد المحفوفة بالمخاطرة بأنفسهما دون الاستعانة ببديل، وبقدرته على تحويل رهاب الارتفاع إلى تجربة بصرية مباشرة.

    قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

    والآن، بعد أربع سنوات، يُعرض فيلم “سقوط 2: ديدبوينت” (Fall 2: Deadpoint) بالصيغة نفسها تقريبا، لكن مع شخصيات جديدة ومكان مختلف، إذ تنتقل الأحداث إلى جبل خيالي في تايلاند، في محاولة لتحويل فكرة نجحت مرة إلى امتياز قابل للتكرار. غير أن الجزء الأول كان يملك ميزة يصعب استعادتها: المفاجأة.

    أما الجزء الثاني فيدخل إلى التجربة بعد أن باتت الوصفة معروفة، ليصبح التحدي الأصعب هو إيجاد سبب جديد يجعل الخوف من الارتفاع قادرا على حمل فيلم آخر.

    حكاية فوق الهاوية

    تبدأ الحكاية بجاكس هنتر (هارييت سلاتر)، شقيقة شيلوه التي عرفها الجمهور في الفيلم الأول. بعد وفاة شقيقتها، تتعرف جاكس إلى لوس (أرسيما توماس)، الصديقة المغامرة لشقيقتها، التي تقنعها بخوض تجربة تسلق شديدة الخطورة تكريما لذكراها. تقودهما الرحلة إلى تايلاند، حيث تحاولان عبور ممر خشبي ضيق على جبل كوان، قبل أن يؤدي انهيار صخري إلى تركهما عالقتين على ارتفاع هائل.

    ومع أن الدافع هذه المرة أكثر ارتباطا بالفقد من دافع الفيلم الأول، فإن المشكلة ليست في فكرة تكريم شخص راحل، وإنما في مدى اقتناع المشاهد بأن هذا السبب يكفي لدفع شخصيتين إلى مغامرة بالغة الخطورة.

    فالسيناريو لا يمنح علاقة جاكس ولوس الوقت الكافي حتى يصبح قرار الصعود نتيجة طبيعية تعكس قوة العلاقة بينهما. ولذلك تبدو الرحلة أقرب إلى مدخل للوصول إلى الأزمة منها إلى امتداد منطقي للحكاية. كما أن تغيير الموقع لا يغير جوهر المأزق كثيرا، في حين يبقى السؤال الأساسي واحدا: كيف يمكن للشخصيتين النجاة بعدما يصبح النزول أكثر مجازفة من البقاء؟

    الأفضل يأتي متأخرا جدا

    يمر الفيلم بمرحلة طويلة يبدو خلالها وكأنه يعيد ترتيب أحداث الجزء الأول داخل مساحة جديدة. توجد لحظات توتر حقيقية، خصوصا عندما يصبح التحرك نفسه مرعبا، لكن الكتابة لا تمنح الشخصيتين عمقا يكفي لحمل الفترات الهادئة بين لحظات التهديد.

    يتغير ذلك في الدقائق الأخيرة، حين يكشف الفيلم عن مفاجأة تعيد ترتيب فهم المشاهد لما سبقه، وتغير نظرته إلى العلاقة بين الشخصيات ودوافعها. أهمية هذه المفاجأة لا تتوقف عند محاولة صدمة الجمهور، بل تمنح الجزء الثاني سببا لوجوده كحكاية مختلفة، وإن كانت تأتي متأخرة وتنتهي بسرعة لا تتيح وقتا كافيا للتورط معها عاطفيا، هذا المستوى من الكتابة هو ما كان يحتاج إليه الفيلم في وقت أبكر.

    أداء متواضع وشخصيات محدودة

    تحمل هارييت سلاتر وأرسيما توماس الفيلم في معظم مشاهده، وتظهر بينهما لحظات تمثيلية لا بأس بها، خصوصا عندما يتحول الخوف من تهديد خارجي إلى توتر داخل العلاقة نفسها. غير أن ضيق المساحة المتاحة لهما في السيناريو يُبقي الأداء محصورا في معظم الوقت في ردود الفعل بدلا من إظهار تحول داخلي فعلي.

    تنجح سلاتر في منح جاكس هشاشة مناسبة لشخصية تعاني فقد شقيقتها، بينما تضيف توماس إلى لوس حضورا أكثر اندفاعا وثقة. غير أن بعض الحوارات تشرح المشاعر بدلا من تركها تظهر من خلال التصرفات، مما يجعل أداءهما يبدو أحيانا كأنه يحاول تعويض العمق الذي اختزله السيناريو.

    أما توم بريتني في دور جون، فلا يمنحه الفيلم المجال لإظهار إمكاناته، وهو ما يبدو أوضح عند مقارنته بأدائه في مسلسل “ذا ويستيز” الذي عُرض في العام نفسه، وقدم فيه شخصية أكثر تعقيدا وأداء دراميا لافتا.

    مخاطرة أكبر.. واقعية أقل

    اختار المخرجان بيتر ومايكل سبيريغ التعامل مع مشاهد الارتفاع بطريقة عملية قدر الإمكان، ومع عدم رغبتهما في الاعتماد على الشاشات الزرقاء، بُنيت أجزاء كبيرة من المسارات والمنصات في محجر بتايلاند، مع استخدام الأسلاك ومعدات الأمان أثناء تصوير الممثلين، كما صُممت بعض أجزاء الجسر والممرات بحيث تكون حقيقية وقابلة للاستخدام.

    هذه التفاصيل مهمة لأنها تغير طريقة قراءة الصورة، هناك ممرات حقيقية تحت الأقدام، ومساحات مرتفعة، وتصوير في بيئة طبيعية قاسية. غير أن الارتفاع الهائل الذي يفترضه الفيلم يحتاج أحيانا إلى المؤثرات البصرية والامتدادات الرقمية.

    وهنا تظهر المفارقة، إذ يمنح المكان الجديد الفيلم صورة أوسع، كما تسمح اللقطات الجوية بإظهار حجم الجبل والمسافة الفاصلة بين الشخصيات والأرض. لكن الاتساع نفسه يقلل من الإحساس بالحصار. فالبرج في الفيلم الأول كان جسما واحدا يمكن فهم حدوده، أما هنا فتمتد الصورة لتشمل صخورا وممرات، مما يجعل الخطر يتحول أحيانا إلى منظر ضخم أكثر من كونه فخا يشعر المشاهد بأنه عالق داخله.

    وتتضاعف الأزمة عندما تبدو بعض المؤثرات الرقمية واضحة، خصوصا في مشاهد الانهيارات. ورغم اعتماد صناع الفيلم على العناصر الحقيقية، فإن هذه الواقعية لم تنجح دائما في الوصول إلى المشاهد بالقوة نفسها التي حققها الجزء الأول.

    امتياز يبحث عن سبب للاستمرار

    ينتمي فيلم “سقوط 2: ديدبوينت” إلى نوع من أفلام البقاء محدودة الميزانية، بشرط العثور على فكرة بصرية قوية. لا تحتاج هذه الأفلام إلى عالم متكامل أو شخصيات كثيرة؛ يكفي موقع واحد ومأزق واضح وقواعد بسيطة للبقاء. وقد أثبت الجزء الأول أن هذه المعادلة تستطيع تحقيق عائد يتجاوز حجم الاستثمار فيها.

    لكن تحويل الفكرة إلى امتياز يغيّر شروط اللعبة. لم يعد كافيا نقل الشخصيات إلى مكان أعلى أو أكثر وعورة، لأن الجمهور يعرف مسبقا أن الأبطال سينتهي بهم المطاف عالقين فيه. ولهذا يصبح كل جزء جديد مطالبا بتقديم تحد مختلف يغيّر علاقة الشخصيات بالمأزق نفسه، لا مجرد تغيير مكان الأحداث أو زيادة الارتفاع. وهذا ما يحاول الجزء الحالي تحقيقه من خلال المفاجأة الأخيرة، التي تفتح الباب أمام جزء آخر.

    لكن استمرار السلسلة بهذا المنطق يحتاج إلى التزام حقيقي بهذا المبدأ في كل مرة، وإلا فإن كل مغامرة لاحقة ستصبح نسخة أخرى من السابقة، وكل ارتفاع جديد مجرد رقم أكبر على الشاشة، بينما يظل الخوف في المكان نفسه الذي تركه فيه الفيلم الأول.