علاء المفرجي
ليس من السهل أن نتحدث عن السينما من دون أن نتحدث عن الحكاية. فمنذ بدايات الفن السينمائي ارتبطت الصورة المتحركة بفكرة سرد الأحداث وتنظيمها وربطها بالشخصيات والزمن والمكان. لكن الفيلم لا يروي حكايته بالطريقة نفسها التي تُروى بها الحكاية في الأدب؛ فالكاميرا والمونتاج والصوت وحركة الشخصيات وزوايا النظر كلها تتحول إلى أدوات للسرد. من هنا تأتي أهمية كتاب الناقد والباحث البريطاني وارن باكلاند «السرد والحكاية: تحليل الحكي السينمائي»، الذي يقدم مدخلاً واضحاً ومكثفاً إلى الكيفية التي تُبنى بها القصة داخل الفيلم، وكيف يتلقى المتفرج هذه القصة ويعيد تركيبها.
ينطلق باكلاند من تمييز أساسي بين الحكاية والسرد أو طريقة الحكي.. فالحكاية تتصل بالأحداث والشخصيات والعلاقات التي يتكون منها العالم القصصي، بينما يتعلق السرد بالطريقة التي تُعرض بها هذه العناصر على المتفرج. وهذا التمييز يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يفتح مجالاً واسعاً لفهم السينما؛ لأن الحدث الواحد يمكن أن يُروى بطرق مختلفة، وأن يؤدي اختلاف طريقة تقديمه إلى تغيير علاقتنا بالشخصيات والزمن والمعلومة والمعنى.
يقسم باكلاند كتابه إلى قسمين أساسيين. يتناول القسم الأول الأسس النظرية للسرد السينمائي، بدءاً من نشأة السرد في السينما المبكرة، ثم ينتقل إلى السرد في هوليوود الكلاسيكية والمعاصرة، وصولاً إلى قضايا مثل التلفظ السينمائي والانعكاسية. ويستعين في ذلك بأفلام متعددة، من (بائع الأحذية المرح) في السينما المبكرة إلى أفلام هيتشكوك وجيمس بوند و(الفتاة المفقودة) و(فندق بودابست) وغيرها.
وما يلفت في منهج باكلاند أنه لا يتعامل مع السرد باعتباره قالباً ثابتاً، بل بوصفه نظاماً من الخيارات الفنية التي يستطيع المخرج من خلالها تنظيم معرفة المتفرج بالأحداث. فالفيلم قد يمنحنا معلومات أكثر مما تعرفه الشخصية، أو يحجب عنا معلومة أساسية، أو يدفعنا إلى إعادة تفسير ما شاهدناه بعد اكتشاف معلومة جديدة. وهنا تصبح عملية المشاهدة نفسها جزءاً من بناء الحكاية.
في القسم الثاني ينتقل الكتاب إلى أنماط مختلفة من الحكي السينمائي، فيتناول السرد النسوي وعلاقة السرد بالتأليف، وسرد سينما الفن، والسرد غير الموثوق والأفلام ذات البنية اللغزية، وصولاً إلى ما يسميه منطق ألعاب الفيديو في بعض الأفلام المعاصرة. ويحلل باكلاند، ضمن هذه الموضوعات، أفلاماً مثل (أورلاندو) و(تأثير الفراشة).
وتكمن قيمة الكتاب بصورة خاصة في اهتمامه بما يمكن تسميته «كيف يحكي الفيلم؟» وليس فقط «ماذا يحكي؟». وهذه النقلة ضرورية في النقد السينمائي؛ إذ إن معرفة موضوع الفيلم أو تلخيص أحداثه لا تكفي لفهم قيمته الجمالية. فالفيلم قد يروي قصة بسيطة، لكنه يستخدم بنية سردية معقدة، أو على العكس قد يحمل قصة شديدة التعقيد لكنه يقدمها من خلال بناء سردي واضح.
ويولي باكلاند اهتماماً خاصاً بما يعرف بـالأفلام اللغزية، وهي الأفلام التي تجعل عملية فهم الحكاية نفسها جزءاً من تجربة المشاهدة. هنا تتداخل الأزمنة، وتصبح وجهة نظر الشخصية موضع شك، وقد يكون الراوي غير موثوق، ويُجبر المتفرج على إعادة ترتيب الأحداث وفهم العلاقات بينها. ويشير أحد قراءات الكتاب إلى أن هذه الأفلام لا تكتفي بتعقيد الحكاية، بل تستخدم التعقيد السردي لإعادة التفكير في مفاهيم مثل الهوية والذاكرة والزمن والفاعلية الإنسانية.
كما يخرج باكلاند بالسرد من النموذج الهوليوودي التقليدي القائم على السببية الواضحة إلى سينما الفن، حيث يمكن أن تضعف العلاقة بين السبب والنتيجة، وتصبح المساحات المفتوحة والالتباس وعدم اليقين عناصر أساسية في التجربة السينمائية. وفي تحليله لـ (أليس في المدن) يوضح أن دراسة تقنيات السرد لا تقدم لنا بالضرورة «معنى» الفيلم جاهزاً، وإنما تساعدنا على فهم الكيفية التي ينتج بها الفيلم معناه.
لهذا يمكن النظر إلى كتاب باكلاند بوصفه كتاباً مهماً ليس للباحث الأكاديمي وحده، وإنما للناقد والمخرج وكاتب السيناريو وكل من يريد الانتقال من المشاهدة الانطباعية إلى القراءة التحليلية. إنه يعلّمنا أن الفيلم ليس مجرد سلسلة من الأحداث، بل طريقة في ترتيب هذه الأحداث، وإخفاء بعضها، وإظهار بعضها الآخر، وتوجيه عين المتفرج وذاكرته وتوقعاته.