منصور الهبر
في لوحة «Je vous en prie»، يوزّع ماتيو مخلوف شخوصه في تكوين ممتد عمودياً. يتصدّر العمل شخصٌ كبير الحجم، يحيط به شخصان من كل جهة، فيما يحافظ التكوين على انضباط ضمن بناء ذي طابع من النظام، والتوازن.
تكمن أهمية هذا العمل في كيفية إنجازه. فبعد أن ينتهي الفنان من توزيع العناصر وفق منطق بنائي واضح، يعود إلى احتدام خط الفحم والأكريليك. انغماسة لا تخلو من المخاطرة في صدام بين اللون والخط، وتداخلهما فوق سطح اللوحة. يتبلور هذا التأليف في تقشّف لوني قد لا يتجاوز ثلاثة ألوان.

لوحة لماتيو مخلوف
هنا، لا يعود مخلوف يرهقنا بالتفاصيل، ولا يقطع أجزاء اللوحة بحدّة؛ بل ينشأ تداخل بين فضاء العمل، بسمائه وقناطره، وبين “الأشخاص” في الواجهة الأمامية. وهذا الإيجاز، مقترنًا بمحو الوجوه، يمنح العمل شفافيةً وطابعًا أثيريًا، ويحرّره من أي ثقل بصري.
ينطبق هذا الكلام على عمل «Je danserai sur ma colère»، حيث نرى امرأةً يغلب البياض على قامتها، فيختفي وجهها. وتتماهى وقفتها مع هيئة المرأة التي رسمها بيكاسو في وسط لوحة “نساء أفينيون”.
إن أهمية هذا العمل تكمن في دحر التفاصيل واستبقاء قيم اللون والخطوط. لسنا أمام سياحة بصرية تنتهي الى ضجة التفاصيل، بل انتباه إلى الحضور والانكشاف، لا إلى الأشياء ووظائفها.
معي أمام هذا الوجه المنجز بالأكريليك على القماش، وجهٌ تحرّر من هَمِّ الحكاية ومن التقنية المغلقة، كما ابتعد عن المعرفة الأكاديمية. إنه وجهٌ شاسع يكاد يخرج من الإطار، فيكسر توازنه ويزعزع استقراره. لا يستند العمل إلى الجمال بوصفه غاية؛ فالجمال هنا ليس ما يمنحه قيمته، بل الاختلال والقلق، والحضور الذي يتجاوز الصورة.
