“عملية البيجر دليلٌ واضحٌ على تحقيق هدفنا. خطّط لها عملاء الموساد باستخدام الحيلة والتفكير العميق”.
ديفيد برنياع، رئيس الموساد.
فيما يتفاخر الإسرائيليون بإنجازهم لعملية البيجر بالحيلة والخداع، يحظر القانون الدولي استخدام الأشراك (أو الأفخاخ) الخداعية بشكل واضح.
وقد شدّد لبنان، في بيانه أمام مجلس الأمن، على غياب الحرية المطلقة لأطراف النزاع في اختيار وسائل وأساليب القتال، ما يعني أنّ استخدام التفجير الإلكتروني لأجهزة الاتّصال كوسيلة قتال غير تقليدية يخضع لضوابط القانون الدولي، وأشار إلى المادة 37 من البروتوكول الإضافي الأوّل لاتفاقيات جنيف التي تحظر قتل الخصم أو إصابته أو أسره عن طريق الغدر.
وقد تناول عدد من المشاركين في جلسة مجلس الأمن مسألة التفخيخ بشكل مباشر. فأكّد فولكر تورك، المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أنّ القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام الأجهزة المفخّخة (booby-trapped devices) التي هي في شكل أشياء محمولة عديمة الضرر في ظاهرها. كما أشارت كوريا الجنوبية صراحةً إلى المادة 7 (الفقرة 2) من البروتوكول المعدّل الثاني لاتفاقية حظر أو تقييد بعض الأسلحة التقليدية. ولفتت روسيا إلى أنّ الهجوم “ليس له سابقة من حيث الاستخدام الخبيث لأجهزة الاتصالات الشخصية”، وأنّ الجانب الأخطر فيه يتمثّل في مصدر الأجهزة المفخّخة، داعيةً إلى تحمّل الشركات التجارية المعنية مسؤولية ضمان سلامة منتجاتها، ومذكّرةً بأنّ الدول ملزمة، بموجب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بضمان سلامة سلاسل التوريد ومنع تحويل المنتجات المدنية إلى أدوات تفجير. كما أكّدت سلوفينيا أنّ الأعيان المدنية لا يجوز تحويلها إلى أسلحة، وأنّ استخدام الأشراك الخداعية محظور بوضوح في القانون الدولي. أمّا الجزائر فقد لمّحت إلى هذه المسألة محذّرةً من هذه السابقة الخطيرة التي تحوّل الأجهزة المدنية إلى قنابل، معتبرةً أنّ هذا التطوّر يهدّد أمن الجميع ويفتح “صندوق باندورا” على ممارسات قد تُستنسخ من قبل جماعات إرهابية. وأضافت سوريا أنّ إسرائيل حوّلت أجهزة مدنية عادية إلى قنابل موقوتة تقتل بشكل عشوائي وتؤذي الأبرياء من حولهم، ما أدى إلى حالة عالميّة من عدم الثقة بمصادر وأمان أجهزة الاتصال. وأكّدت الموزمبيق أنّ “العديد من الضحايا لم يكونوا مقاتلين، بل مدنيين – أفراد من الطائفة الشيعية اللبنانية منخرطين في أنشطة غير عسكرية”، وأنّ تحويل الأعيان المدنية إلى أسلحة محظور بشكل صارم بموجب القانون الدولي.
فما هو الإطار القانوني للأشراك (أو الأفخاخ) الخداعية؟ ولماذا يمكن تصنيف أجهزة البيجر المفخخة كشرك خداعي؟ وكيف خالفت إسرائيل الحظر القانوني على استخدامها؟
يحظر القانون الدولي الإنساني بصورة واضحة أعمال الغدر (Perfidy)، إذ تنص المادة 37 من البروتوكول الإضافي الأوّل لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على أنّ “الغدر هو قتل أو جرح الخصم باللجوء إلى خيانة ثقته” ويُعدّ من بين ذلك استخدام الشعارات أو العلامات المحمية (مثل شارة الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر) أو ادّعاء وضع محمي (كصفة المدني أو الاستسلام برفع الراية البيضاء) بهدف استدراج الخصم لترك حذره ومن ثم مهاجمته. كما تميّز المادة نفسها بين الغدر المحظور وبين الخداع الحربي المشروع (Ruses of War)، مثل التمويه أو المناورة، وهي أساليب مضلّلة مسموحة طالما لا تنتهك قاعدة قانونية صريحة.
تُعدّ قاعدة حظر الغدر مبدأً مهيكلًا لباقي القواعد، إذ يتمّ الاستناد إليها مثلًا لتقييد استخدام أساليب الخداع الحربي وتطوير قواعد خاصّة بحظر الأشراك الخداعية أو الأفخاخ الخداعية (booby-traps). ويظهر ذلك بوضوح في البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية (CCW) الذي تم اعتماده عام 1980 وتعدليه عام 1996 بشأن “حظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والأجهزة الأخرى”، والذي صادق عليه لبنان (عام 2017) وإسرائيل (عام 2000). ويعدّ هذا البروتوكول ضمن الأدوات القانونية التي تندرج في إطار اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معيّنة، التي وُضعت أساسًا لتنظيم استخدام الأسلحة التي تُسبّب معاناة غير ضرورية أو تُحدث آثارًا عشوائية، ولا سيما بحقّ المدنيين.
ويُميّز البروتوكول بين ثلاثة أنواع من الأسلحة، ويحدد تباعًا ضوابط وقيود حول استخدام كلّ منها، وهي:
الألغام (mines)، بما فيها المزروعة عن بُعد والمضادة للأفراد (المادتان 2.1 و2.3).
الأشراك الخداعية (booby-traps)، وهي أي جهاز أو مادة مصمَّمة أو مبنية أو مكيّفة بهدف القتل أو الإصابة، وتنطلق على غير توقَّع حين يحرك شخص ما من شيء عديم الضرر في ظاهره أو يدنو منه أو يأتي على فعلٍ مأمونٍ في ظاهره (المادة 2.4).
الأجهزة الأخرى (other devices)، وتشمل الذخائر أو الأجهزة المزروعة يدويًا، بما فيها العبوات المتفجرة المرتجلة، والمصمَّمة بهدف القتل أو الإصابة أو الإتلاف، وتُفجّر يدويًا أو بالتحكم عن بُعد أو تنفجر تلقائيًا بعد فترة من الوقت (المادة 2.5)، علمًا أنّ الترجمة الرسمية للبروتوكول إلى اللغة العربية تستخدم عبارة “نبائط” بدل “أجهزة”.
يحظر البروتوكول في جميع الظروف توجيه كل هذه الأسلحة (الألغام والأشراك المتفجّرة والأجهزة الأخرى) ضد المدنيين كأفراد أو جماعات، أو ضد الأعيان المدنية (المادة 3.7). كما يحظر أي استعمال عشوائي لهذه الأسلحة (المادة 3.8)، ويشمل ذلك حظر استخدامها بوسائل “لا يمكن توجيهها نحو هدف عسكري محدد”، أو الاستخدام الذي “يمكن أن يتوقّع منه التسبب عرضًا في إزهاق أرواح مدنيين أو إصابتهم أو في إلحاق ضرر بأعيان مدنية، أو في مزيج من ذلك، مما يكون مفرطًا بالقياس إلى الفائدة العسكرية الملموسة والمباشرة المنتظرة منه”. كما يفرض البروتوكول التزامًا إيجابيًا باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين من آثار هذه الأسلحة، ومن بينها دراسة آثارها على المدى القصير والطويل على المدنيين، أو البحث عن بدائل عسكرية أقل خطورة (المادة 3.10).
وفيما يفرض البروتوكول قيودًا على استخدام الألغام المضادّة للأفراد وعلى الألغام الموجَّهة عن بُعد (المواد 4–6)، فإنه يفرض حظرًا خاصًا على الأشراك الخداعية والأجهزة الأخرى (المادة 7). وقد حدّد جملة من حالات الحظر التي نتناول بعضها أدناه.
يذكر أن البروتوكول يُلزم في المادة 14 منه الدول الأطراف باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لضمان احترام أحكامه، بما في ذلك إدخال تعديلات تشريعية وتنظيمية على المستوى الوطني. ويشمل ذلك تجريم ومعاقبة أي شخص يتعمد، في سياق نزاع مسلح، استخدام الألغام أو الأفخاخ أو الأجهزة المحظورة بطريقة تؤدي إلى قتل المدنيين أو إلحاق إصابات خطيرة بهم. كما يفرض البروتوكول على الدول تدريب قواتها المسلحة وتزويدها بالتعليمات العسكرية اللازمة لضمان الامتثال، ويلزمها أيضًا بالتعاون والتشاور فيما بينها لتجاوز أي إشكاليات متعلقة بتفسير أو تطبيق أحكامه.
إنّ أجهزة البيجر المفخخة تندرج تحت تعريف “الأشراك الخداعية” (booby-traps) وفق المادة 2.4 من البروتوكول باعتبارها أجهزة مصمَّمة أو مبنية أو مكيّفة بهدف القتل والإيذاء، تبدو في ظاهرها أجهزة اتصالات عادية وغير مؤذية أو مضرّة، لكنّها صُمّمت لتنفجر بشكل غير متوقّع عند استعمالها أو حين يقوم الشخص بفعل يبدو في ظاهره آمنًا (an apparently safe act)[1].
ففي الحالة الراهنة، إنّ الفعل الذي يّرّجح أنّه أدّى إلى انفجار أجهزة البيجر – أي حمل الجهاز حين يرنّ أو الرد على رسالة وصلت إلى الجهاز – هو فعلٌ يُفترض أنّه آمن تمامًا. وتعتبر العلاقة بين الفعل الآمن والنتيجة المميتة علاقة زمنية لا سببية مباشرة أي أنّه يكفي أن يقع الانفجار أثناء أداء الفعل الآمن من دون أن يشترط أن يكون الفعل هو السبب التقني المباشر للتفجير. وهذا التفسير يتلاءم مع حرفية المادة 2.4 التي تستخدم باللغة الانجليزية عبارة “when” (أي “حين”) وليس “by” (أي “بسبب”)، بخاصّة لدى مقارنتها مع تعريف “الألغام المضادّة للأفراد” في المادة 2.3 حيث اعتمد البروتوكول صياغة سببية صريحة، إذ حدّد أنّه لغم مصمم أساسًا “بحيث يُفجّره وجود أو قرب أو مس شخص”، فيما خلا تعريف “الشرك الخداعي” من أي إشارة مشابهة لعلاقة سببية بين الفعل والانفجار. وهذا يعني أنّ البروتوكول لا يشترط أن تقوم الضحية بتشغيل الجهاز أو تحفيزه بنفسها حتى يُعتبر شركًا خداعيًا، بل يكفي أن ينفجر في سياق فعل يبدو آمنًا. وبذلك، فإنّ أجهزة البيجر المفخخة تشكّل من الناحية الوظيفية والقانونية “أشراكًا خداعية” بالمعنى الدقيق للقاعدة.
وحتى على فرض إدراج أجهزة البيجر ضمن تعريف “الأجهزة الأخرى” الواردة في البروتوكول لكونها أجهزة تُفجّر يدويًا أو بالتحكم عن بُعد أو تنفجر تلقائيًا بعد فترة من الوقت، فإنّها تبقى خاضعة لنظام حظر شبيه بنظام حظر الأشراك الخداعية.
مخالفة حظر المادة 7.2: الأشياء التي تظهر غير مؤذية
تحظر المادة 7.2 من البروتوكول استخدام الأشراك الخداعية أو الأجهزة الأخرى التي هي في شكل أشياء محمولة عديمة الضرر في ظاهرها مصممة ومركبة بالتحديد لاحتواء مادة متفجرة. ويستند هذا الحظر على كون هذه الأجهزة تبدو غير مؤذية للضحية المحتملة، وقد يتعامل معها أي شخص في حياته اليومية باعتبارها شيئًا بريئًا، بينما هي في الحقيقة مُصمَّمة للانفجار عند لمسها أو الاقتراب منها أو تفعيلها.
وقد عبّرت اللجنة الأممية الخاصة في تقريرها إلى الجمعية العامة عن هذا التوجه موضحةً أنّ هذه المادة “تتناول الأشراك المتّصفة بالغدر والمخادعة على وجه التحديد، والتي تُعرف أحيانًا باسم الأشراك “سابقة الصنع” والتي يمكن إنتاجها على نطاق كبير”[2]. وبما أنّ كل الاتفاقيات المتعلقة بحظر الأسلحة التقليدية تهدف إلى الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية وضرورات النزاع المسلّح، فإنّ حظر المادة 7.2 ينطبق أساسًا على الأشراك التي تحاكي أشياء مدنية لأنّها تعتبر غادرة ومخادعة وتجذب المدنيين وتعرّضهم لمخاطر جسيمة. وقد أوردت كتيبات الحروب الوطنية أمثلة عن هذه الأجهزة مثل الساعات، ومشغلات الصوت الشخصية، والكاميرات، والألعاب.
إنّ تصنيع أجهزة البيجر وتوزيعها يدخل ضمن الحظر المطلق المنصوص عنه في المادة 7.2. فجهاز البيجر يشكّل شيئًا محمولًا يبدو غير مؤذٍ، وهو مستخدم في الحياة اليومية بشكل واسع، بل وفي قطاعات حيوية كالقطاع الطبي. وقد تبيّن من التصريحات الإسرائيلية أنّ التفخيخ لم يكن مرتجلًا أو ميدانيًا أو ظرفيًا، بل أنّه عملية تصميم وتركيب ممنهجة، إذ تم تصميم الأجهزة في إسرائيل منذ البداية بغرض إدماج المتفجرات داخلها (مادة PETN في البطاريات)، وإنتاج الآلاف منها ثم تسويقها عبر شركات وهمية لتصل إلى حزب الله.
وفيما لم تقدّم إسرائيل أي إعلان حول نطاق تفسير المادة 7.2 لدى مصادقتها على البروتوكول المذكور، يذكر أنّ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قد أعلنتا عن تفسيرٍ أضيق لهذه القاعدة يحصر الحظر على الأجهزة المرّكبة صناعيًا بكميات كبيرة لمحاكاة أشياء مدنية ويستثني منه التفخيخ الميداني المرتجل، وهو تفسير لا يعكس المضمون الأصلي للقاعدة. فقدّمت الولايات المتحدة إعلانًا تفسيريا مقيَّدًا لهذه المادة لدى تصديقها على البروتوكول، إذ اعتبرت أنّها لا تمنع إجراء التكييف المناسب أو المسبق لأشياء أخرى لاستخدامها كأشراك أو أجهزة أخرى[3]. وقد هدفت بذلك لحصر نطاق الحظر في الأجهزة المركبة صناعيًا بكميات كبيرة لتبدو أشياء مدنية، مستثنية الأفخاخ المرتجلة التي تركّب ميدانيًا لغرض محدّد. وقد اتّبعت المملكة المتحدة البريطانية التفسير الضيّق نفسه مثلما هو مبيّن في دليلها الحربي، إذ جاء في المادة 6.7.4 منه أن هذا الحظر يهدف إلى منع إنتاج كميات كبيرة من الأشياء الخطرة التي يمكن أن تنتشر في كل مكان ويلتقطها المدنيون، وخاصة الأطفال، ولا يحظر زرع الأفخاخ المتفجرة في الأشياء الموجودة أساسًا.
وحتى لو أخذنا بالتفسير الأميركي أو البريطاني الضيّق للمادة 7.2، فإن حالة تفخيخ أجهزة البيجر تندرج بوضوح تحت إطار الحظر، لأنها لم تتضمّن تكييفًا ميدانيًّا لاحقًا بل شكّلت إنتاجًا صناعيًّا واسع النطاق، مخطَّطًا له مسبقًا وموجَّهًا للتوزيع.
مخالفة حظر المادة 7.1: الارتباط بالقطاع الطبي
تحظر الفقرة -د- من المادة 7.1 من البروتوكول، تحت أي ظرف، استخدام الأشراك الخداعية أو الأجهزة الأخرى المرتبطة بالمرافق الطبية أو المعدات الطبية أو اللوازم الطبية أو النقل الطبي. وقد ضمّنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا الحظر في القاعدة 80 من القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني على “حظر استخدام الأشراك الخداعية المتصلة أو المرتبطة بأي شكل من الأشكال بأشياء أو أشخاص مؤهلين لحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، أو بأشياء يُحتمل أن تجتذب المدنيين”، مشيرةً إلى أنّ ممارسات الدول ترسّخ هذه القاعدة كقاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي التي تنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء. كما يشير خبراء القانون الدولي الإنساني إلى أنّ فكرة “الارتباط والاتصال” بالمجال الطبي تشمل الأجهزة التي ترتبط وظيفيًا بالرعاية الطبية، ولا يقتصر على الأجهزة المنقذة للحياة[4].
ونظرًا لاستخدام أجهزة البيجر لأهداف طبية بشكل واسع كما شرحنا سابقًا، فإنّ تفخيخها وتفجيرها قد يندرج أيضًا ضمن الحظر الوارد في الفقرة -د- من المادة 7.1، علمًا أنّ مجرد ارتباط الجهاز وظيفيًا بالقطاع الطبي يكفي لتفعيل هذا الحظر وفقًا لما أكدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تدوينها للقانون الدولي العرفي.
مخالفة حظر المادة 7.3: المناطق المأهولة في غياب المعارك
تحظر المادة 7.3 استخدام الأشراك الخداعية والأجهزة الأخرى في المناطق المأهولة بالسكان المدنيين وفي “أي مدينة أو بلدة أو قرية أو أي منطقة أخرى تضم تركزًا مماثلًا في المدنيين ولا يجري فيها قتال بين قوات برية أو لا يبدو أن قتالًا وشيكًا سيجري فيها”، إلّا إذا كانت “موضوعة على هدف عسكري أو بجواره مباشرة” أو إذا اتّخذت “تدابير لحماية المدنيين من آثارها، كإقامة مخافر إنذار أو إصدار تحذيرات أو نصب أسيجة”.
تفيد المعطيات المتوّفرة أنّ أجهزة البيجر لم توزَّع في ساحة قتال برّية أو على أهداف عسكرية محددة، بل كانت بحوزة أشخاص يتنقّلون بها في حياتهم اليومية، وتم تفجيرها في شوارع المدن والقرى ومناطق مأهولة بالسكّان المدنيين بعيدًا عن أي معركة برّية فعلية. كما أنّ عدم ثبوت صفة المقاتل لحاملي البيجر، وتاليًا مدى تشكليه هدفًا عسكريًا مشروعًا كما شرحنا في القسم الأوّل، وعدم اتخاذ أي تدابير لحماية المدنيين من التفجيرات، يجعل عملية تفجيرات الأجهزة مخالفًة لحظر المادة 7.3.
مخالفة حظر المادة 3.8: الاستخدام العشوائي
تحظر المادة 3.8 من البروتوكول أي استعمال عشوائي للألغام والأشراك الخداعية والأجهزة الأخرى، بما يشمل استخدامها بوسائل لا يمكن توجيهها نحو هدف عسكري محدد. وبما أنّ أجهزة البيجر انفجرت بمتناول آلاف الأشخاص بشكل متزامن في بيئة مدنية، ومن دون القدرة على التمييز بين المقاتلين والمدنيين كما شرحنا في القسم الأوّل، فإن تفجيرها يكون حصل بشكل عشوائي ومخالف للحظر بموجب المادة 3.8.
وحتى على فرض أنّ حاملي البيجر كانوا جميعهم من المقاتلين ويشكّلون أهدافًا عسكرية، فإنّ المادة 3.9 من البروتوكول تمنع صراحة التعامل معهم على أنّهم يشكّلون هدفًا عسكريًا واحدًا طالما أنّ كل منهم متواجد بشكل منفصل في أماكن مأهولة بالسكّان المدنيين، إذ تنصّ أنّه “لا يجوز معاملة عدة أهداف عسكرية واضحة الانفصال والتمايز وتوجد في مدينة أو بلدة أو قرية أو أي منطقة أخرى تضم تركزا مماثلا من المدنيين أو الأعيان المدنية معاملة الهدف العسكري الواحد”.
مخالفة حظر المادة 3.3: التسبب بمعاناة غير ضرورية
تنصّ المادة 3.3 من البروتوكول على أنّه يحظر في جميع الظروف استخدام الألغام والأشراك الخداعية والأجهزة الأخرى “مصممة لإحداث إصابة لا داعي لها أو معاناة لا ضرورة لها، أو من طبيعتها إحداث ذلك.” وتخالف عملية تفجيرات البيجر هذا الحظر نظرًا لتصميمها وتنفيذها على نحو تسبّب بإصابات بالغة وإيذاء مفرط ومعاناة غير ضرورية لمن كان بمقربة من البيجر، وهو ما سنتناوله تفصيلًا في القسم التالي[1] من هذه الدراسة.
بالنتيجة، يتبيّن أنّ تفخيخ أجهزة البيجر وتفجيرها يشكّل انتهاكًا للحظر المفروض على الأشراك الخداعية بموجب البروتوكول المعدَّل الثاني بشأن حظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والأجهزة الأخرى، الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية والذي صادقت عليه إسرائيل عام 2000، وذلك نظرًا لاعتماد العمل على تفخيخ أشياء محمولة عديمة الضرر في ظاهرها وترتبط بالاستخدام الطبّي، وتفجيرها في أماكن مأهولة بعيدًا عن ساحات القتال وبشكل عشوائي وغير متناسب.
[1] أو “مأمون”، وفقًا للترجمة الحرفية للبروتوكول إلى اللغة العربية.
[2] تقرير مؤتمر الأمم المتحدة لحظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر إلى الجمعية العامة، جنيف، أيلول 1979، ص.19.
[3] “The prohibition contained in Article 7(2) of the Amended Mines Protocol does not preclude the expedient adaptation or adaptation in advance of other objects for use as booby-traps or other devices”. United States of America, Declaration upon ratification of Amended Protocol II to the Convention on Certain Conventional Weapons (1996), deposited 24 May 1999, available at ICRC Treaty Database.
[4] Bothe, Michael. “Means and Methods of Warfare.” In The Handbook of International Humanitarian Law, edited by Dieter Fleck, 4th ed., 170–248. Oxford: Oxford University Press, 2021.
