المكان: العاصمة اللبنانية، وتحديداً مركز “كيد” (KED) في منطقة الكرنتينا عند أطراف بيروت الشمالية الشرقية. الزمان: ليل 26 أيلول/ سبتمبر 2026. أما الحدث، فحفل موسيقي للفرقة الفلسطينية الأردنية “السبعة وأربعين” (47SOUL).
هذا ما يبدو ظاهرياً، لكن من حضر الحفل تنقّل بين أمكنة عدة وأزمنة مختلفة وأحداث كثيرة، واستمع إلى موسيقى لا حدود لها أو بهويات وثقافات متعددة.
في الحفل حضرت فلسطين وسوريا والأردن ولبنان. بلاد الشام كلها شاركت. كانت هناك جنسيات عربية وأجنبية، وكان الفلكلور الشامي بفنونه وإيقاعاته المختلفة والموسيقى الغربية كذلك من “الهيب هوب” و”الريغي” إلى الموسيقى الإلكترونية. حضر المجوز واليرغول والطبل كما حضر الغيتار وآلات الكيبورد. كان أيضاً الشتات الفلسطيني والمخيم الفلسطيني وكذلك الصمود الفلسطيني، والماضي والحاضر. التاريخ الحديث لبلاد الشام منذ ما قبل العام 1947، أي قبل النكبة، والحاضر القائم اليوم، وما بينهما من تهجير واقتلاع وشتات وحروب أهلية.
في حفلها، جمعت “السبعة وأربعين” ما لم يجمعه غيرها من قبل.
إحباط وأمل
قدّمت الفرقة في حفل بيروت، وهي المحطة الثانية في جولتها على بلاد الشام والمحيط بعد دمشق في 24 أيلول/ سبتمبر الجاري وقبل محطتها في القاهرة بين 8 و10 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، أعمالاً متنوعةً ينتمي بعضها إلى ألبومات سابقة لها بالإضافة إلى أعمال من الألبوم الجديد “ثنائي”، الذي صدر الجزء الثاني منه في شهر حزيران/ يونيو الماضي.
عن إصدار الألبوم على جزءين، تقول الفرقة في حديثها إلى رصيف22، “إنّ التناقض كان واضحاً فيه، ويعكسه الاسم نفسه. فهو تعبير عن هذه الثنائية بين الخير والشرّ والنور والظلام، الأمل والخذلان، وكل جزء حمل معه طرفاً من الأطراف؛ فالأوّل كان مليئاً بالإحباط، أما الثاني فهادئ يحاول التعامل مع الأمل برغم صعوبة ذلك في يومنا هذا”.
منذ بداياتها، ارتبطت فرقة “السبعة وأربعين” بمجتمعات المهاجرين، خاصةً أنّ أعضاءها بالرغم من انتمائهم الفلسطيني المشترك، إلا أنهم ينتمون إلى مجتمعات لجوء مختلفة، وكل واحد منهم وُلد وعاش في بلد مختلف عن الآخر.
لكن مع رواج اسم الفرقة واتساع شهرتها خلال العقد الماضي، قرّر أعضاؤها الانتقال للسكن في لندن. وقد سمحت موسيقاهم الإلكترونية والخليط العربي والإنكليزي الذي تستند إليه كلمات الأغاني، بأن يصبحوا تدريجياً جزءاً من المشهد الموسيقي البريطاني، بينما سمحت إيقاعات الدبكة الشامية باستمرار الرابط مع الهوية الموسيقية العربية والفلسطينية التي انطلقوا منها.
بعد 50 سنةً… إلى الكرنتينا بالـ”كيبورد”
ليست هذه المرة الأولى التي تزور فيها الفرقة لبنان، بل المرة السادسة. فللأخير “فضل على الموسيقى العربية البديلة بشكل عام، وأثر ذلك واضح وكبير، ونحن نعدّ أنفسنا جزءاً من هذه التجارب، وما زلنا على تواصل مع فنانين كثر من المشهد اللبناني”، تقول الفرقة.
كما أنّ أعضاءها ليسوا غريبين عن لبنان الذي “لنا فيه ذكريات وحفلات سابقة وأخوة وأخوات وأصدقاء كثر”. هم أحفاد لاجئين غادروا فلسطين خلال فترات مختلفة من القرن الماضي، مع اختلاف بلد اللجوء بين الأردن (طارق أبو كويك “الفرعي”، وحمزة أرناؤوط “الجهاز”)، والولايات المتحدة (رمزي سليمان “Z the People”). فللبنان كما يفيدون “مكانة خاصة في قلوبهم”، و”هناك ارتباط خاص بينه وبين فلسطين، وفيه تفهّم كبير لما نمرّ به هناك، فالمعاناة نفسها تتكرر في البلدين. هناك طاقة خاصة جداً لجمهور لبنان الذي نتشوق دائماً إلى لقائه في كل مرة”.
لكن الحفل هذه المرة كان مختلفاً عن سابقيه من نواحٍ كثيرة. نُظّم في مركز “كيد”، الواقع في منطقة الكرنتينا. وهذا الحي يمتلك إرثاً تاريخياً طويلاً مرتبطاً بالقضية الفلسطينية، حيث ضمّ سابقاً مخيم الكرنتينا للّاجئين الذي استقبل إحدى موجات اللاجئين إثر النكبة عام 1948. وقد أغلق أبوابه نهائياً عام 1976، إثر الأحداث الأليمة التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الأهلية اللبنانية وأدّت إلى موجة تهجير جديدة للسكان.
اليوم، بعد خمسين عاماً على إغلاق المخيم، يعود ثلاثة فلسطينيين إلى المنطقة نفسها متسلّحين هذه المرة بآلات الكيبورد التي وُضعت أمامهم، في مشهد يذكّر بفرقة “كرافتورك” الألمانية، رائدة الموسيقى الإلكترونية في العالم خلال السبعينيات.
“الشامستيب” ضد الابتذال
بجانب آلات الكيبورد، حمل الفنانون الثلاثة آلات موسيقيةً أخرى مثل الغيتار الكهربائي وآلات الإيقاع. أما الحاضرون، فحملوا معهم كلمات أغاني الفرقة التي تحكي قصة شعب من زاوية لجوئه واغترابه ومعاناته. لفّوا حول أعناقهم الكوفيات الفلسطينية، وراحوا يتمايلون على إيقاعات فلكلورية تراثية وغربية حديثة. فالفرقة حافظت منذ انطلاقتها عام 2013، على مسار الارتباط بفلسطين، وتستغلّ حفلاتها عادةً للتذكير بأهمية القضية الفلسطينية.
ويتألف النمط الموسيقي الذي تقدّمه الفرقة، من موسيقى إلكترونية راقصة مطعّمة بعناصر من موسيقى “الهيب هوب” و”الريغي”، بينما يبقى العنصر الأهم إيقاعات موسيقى الدبكة التي لا يكتمل من دونها نمط “شامستيب” الذي تُعرف به الفرقة.
أتى الاسم من عنوان ألبوم الفرقة الأوّل “شامستيب”، ويتميّز بقدرته على خلق طاقة لدى الجمهور تدفع الأجساد للحركة بشكل لاإرادي، ما ظهر بشكل واضح في الحفل كما في حفلات الفرقة السابقة.
تقول الفرقة إنّ لديها سعياً مستمراً للتجريب داخل مساحة “الشامستيب”، “فنحن نضع الموسيقى أولاً خصوصاً أنّ مسألة دمج فنّ بلاد الشام الشعبي وأصوات المجوز واليرغول مع الإلكترونيات والبوب والأصوات العالمية لم تعد مسألةً جديدةً ولو أننا كنا من أوائل المطوّرين لهذه التجربة”.
وتضيف في حديثها إلى رصيف22: “نحن الآن ننظر إلى الداخل أكثر من الخارج، ونحاول عكس التعقيدات التي مررنا بها على المستوى الشخصي والجماعي كما هو حال المنطقة عموماً. رسالتنا التي تعتزّ ببلاد الشام ومسؤولية كشف ما يحصل لشعوبنا باتت أسهل مما كانت عليه، إذ يعرف العالم الآن ما الذي يحصل بنا كشعوب وما نتعرّض له. ولذلك نحن الآن نسأل ما الذي يمكن تغييره من داخلنا. نعتقد أنّ هذا التغيير على مستوى المنطقة والوعي الشعبي ينعكس على اتجاه رحلتنا في الكلمات والصوتيات. هناك شبه صفحة بيضاء جديدة”.
تستند أعمال الفرقة إلى التحولات التي عاشتها موسيقى الدبكة خلال العقود الماضية، والتي لا يمكن فصلها عن التطور التقني الذي شهدته آلة الكيبورد منذ ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته لتتلاءم مع المتطلبات الصوتية للمنطقة العربية. فقد أضيفت خلال التسعينيات إلى الآلة أصوات مثل المجوز والطبل واليرغول، التي تشكّل العناصر الأساسية ضمن موسيقى الدبكة. فـ”الموسيقى للجميع. ولا مشكلة لنا مع دمج صوت المجوز مع أغاني ذات طابع بديل أو مع إحساس روك أو بوب. التراث والفولكلور يتطور مع أبنائه وتعاملهم مع الفن الشعبي الذي هو في تطور دائم أصلاً”، تضيف.
وقد أدّى هذا التطور إلى ظهور موجة جديدة من الموسيقى الشعبية في بلاد الشام سيطرت بشكل كامل على الحفلات والأعراس منذ نهاية التسعينيات، وأدّت إلى تغيير شكل الفرقة من تلك المتعددة الأعضاء إلى فرقة تقتصر فقط على المغنّي وعازف الكيبورد.

انعكس تطور النمط بشكل مباشر على المجتمعات العربية في الخارج، حيث تمتلك الدبكة قيمةً خاصةً تمثّل الهوية الثقافية والإجتماعية للمغتربين، ما ينطبق بشكل خاص على الجاليات الفلسطينية التي رأت الدبكة تأكيداً على الارتباط بالجذور ورمزاً سياسياً للقضية الفلسطينية.
أما عن الظروف الراهنة وما تمرّ به فلسطين ودول المنطقة، فلا تعتقد الفرقة “أنّها ولو ساءت كثيراً في الآونة الأخيرة، قد تغيّرت عن الوضع الذي وُلدنا لنعيشه. للأسف طبعاً! أيضاً موسيقى بلاد الشام وإيقاعات الدبكة رافقت شعوبنا في المآسي والأفراح. هناك طبعاً أثر وتحدٍّ عند كتابة النصوص أو كلمات الأغاني لتناسب كم الانفصام الذي نمرّ به جميعاً. المهم أن نبقى متماسكين ولا نفترق. فتفرّقنا هو أكبر أهداف عدوّنا”.
عن مشاريعها الجديدة، تقول الفرقة إنّ “العمل الآن جارٍ على أغانٍ جديدة. هناك الكثير من الأفكار والتوجهات التي لا يمكن أن نعدّها جديدةً علينا، ولكننا لم نطرحها في الماضي. التوسّع في الأفكار الإنتاجية لا ينتهي وقد يكون هناك تمرّد وردّ فعل منّا على بعض الاتجاهات الجديدة في الموسيقى العربية التي لا نرى نحن شخصياً أنها تعبّر عن شعور أبناء شعبنا الحقيقي”.
يأمل الفنانون الثلاثة أن يعكسوا ذلك بأسلوب “الشامستيب” المطوّر كمرحلة جديدة بعد نسخة هذا الصوت الأولى، واعدين بـ”قنبلة إبداعية يجري التحضير لها تنصف وتحترم مستمعينا الذين يقدّرون ويحبّون التجريب بأدوات بلاد الشام… ويكرهون النسخ والابتذال”.
