بيروت– في سيارة الأجرة، لا يبدأ الحديث عن ارتفاع أسعار المحروقات من شاشة البورصة أو جدول وزارة الطاقة، بل من عدّ الأوراق النقدية التي يخرجها الراكب من جيبه قبل أن يصل إلى وجهته.
على الطريق، يفتح السائق أبو صالح حديثه للجزيرة نت عن يومه الطويل، وعن ساعات الانتظار أمام الركاب، وعن خزان الوقود الذي يلتهم جزءا متزايدا من دخله. وبينما تتوقف السيارة بحثا عن راكب جديد، تبدو أزمة النقل كأنها معادلة خاسرة للطرفين: الراكب يريد أجرة يستطيع تحملها، والسائق يريد تعرفة تغطي وقوده ومصاريف سيارته.
قصص مقترحة list of 3 itemsend of list
“تأتي إلى الراكب وتقول له 300 ألف ليرة (3.35 دولارات) فيرفض، ثم تقول 250 ألفا (2.79 دولار) فيرفض أيضا”، يقول أبو صالح، مشيرا إلى أن بعض الركاب لا يستطيعون دفع أكثر من 150 ألفا (1.68 دولار) أو 200 ألف ليرة (2.23 دولار) للرحلة.
ولا تكمن المشكلة بالنسبة إليه في التعرفة وحدها، بل في تراجع عدد الركاب أصلا، قد تمر ساعة أو ساعتان قبل أن يجد زبونا، في حين يزداد ثمن الوقود الذي يدفعه حتى عندما تكون سيارته متوقفة.
في 22 سبتمبر/أيلول الجاري، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 2.834 مليون ليرة (31.66 دولارا)، و98 أوكتان 2.852 مليون (31.87 دولارا)، بينما وصل المازوت إلى 2.823 مليون ليرة (31.54 دولارا)، وفق جدول المديرية العامة للنفط، وكانت الأسعار قد شهدت زيادات متتالية خلال الشهر نفسه، في وقت سجل فيه لبنان 17 تعديلا في أسعار المحروقات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.
بالنسبة إلى أبو صالح، لم تعد قيادة السيارة بحثا عن الركاب كما كانت “كنا نملأ الخزان بـ40 أو 50 دولارا، أما اليوم فتكلف تعبئة السيارة نحو 100 دولار”، مضيفا أن السائق قد يقضي ساعات في الشوارع ثم لا يتجاوز دخله في نهاية اليوم أحيانا 5.6 دولارات.
وبين انتظار الراكب وتعبئة الخزان، تختصر عبارته جانبا من الأزمة “تعمل من أجل تأمين ثمن البنزين فقط”.
ارتفاع أسعار المحروقات يضغط على السائق في حين تحد القدرة الشرائية من رفع التعرفة (الجزيرة)الطريق إلى الجامعة
على المقعد المقابل، يعيش الراكب المعادلة من الجهة الأخرى. مصطفى طالب جامعي يتنقل يوميا من بلدته إلى الجامعة. قبل ارتفاع الأسعار، كانت الرحلة بالحافلة تكلفه نحو 100 ألف ليرة، بحسب روايته، ثم ارتفعت إلى 200 ألف، وكلما اقترب من وجهته واضطر إلى استخدام وسيلة نقل إضافية، زادت الفاتورة.
يقول -في حديثه للجزيرة نت- إن الرحلة التي كانت تكلفه ذهابا وإيابا نحو 400 ألف ليرة (4.47 دولارات)، أصبحت اليوم تصل إلى نحو 800 ألف ليرة (8.94 دولارات) عند احتساب تكلفة الوصول والعودة، وقد ترتفع أكثر عند اللجوء إلى سيارة أجرة.
وبصفته طالبا جامعيا لا يعمل، تتحمل أسرة مصطفى تكلفة تنقله اليومية، مما يضيف عبئا متزايدا إلى ميزانيتها.
ولا يقتصر أثر الزيادة على رحلة واحدة، فبحساب 22 يوما دراسيا أو عمليا في الشهر، تعني تكلفة 800 ألف ليرة يوميا (8.94 دولارات) نحو 17.6 مليون ليرة شهريا (نحو 197 دولارا)، إذا بقيت الرحلات على الوتيرة نفسها، وهي عملية حسابية توضح حجم العبء في حالة مصطفى، ولا تعكس متوسط تكلفة النقل لجميع اللبنانيين.
هنا يتحول النقل من تفصيل يومي إلى جزء من القدرة على العمل والتعلم نفسه: كلما ارتفعت تكلفته، صار الوصول إلى الجامعة أو الوظيفة يحتاج إلى حصة أكبر من دخل الأسرة.
بين سائق يبحث عن راكب وراكب يبحث عن أجرة محتملة تبدو أزمة النقل في لبنان خاسرة للطرفين (الجزيرة)السائق والراكب
هذه المفارقة هي جوهر أزمة النقل اللبنانية، فالسائق لا يستطيع بسهولة رفع التعرفة بما يتناسب مع ارتفاع الوقود، لأن الراكب نفسه لم تعد قدرته الشرائية تسمح له بتحمل الزيادة.
رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الجنوبي عبد اللطيف الترياقي يضع المسألة في إطار أوسع، فارتفاع أسعار البنزين والمازوت -برأيه- يضغط على العامل والسائق معا، في حين لا تزال الأجور عاجزة عن مجاراة تكلفة المعيشة.
ويطالب الترياقي بإجراءات تخفف العبء عن سائقي النقل العام، بما في ذلك معالجة الضرائب والرسوم المفروضة على المحروقات، ووضع آلية تميّز السائق العمومي الذي يعتمد على السيارة مصدرا أساسيا لدخله.
لكن المشكلة -كما يلفت في حديثه للجزيرة نت- لا تتوقف عند سعر الصفيحة، فلبنان لا يمتلك شبكة نقل عام متكاملة تسمح للمواطن بترك سيارته والاعتماد على وسائل نقل منتظمة بين المناطق، وهو ما يجعل ارتفاع الوقود ينتقل مباشرة إلى الأسر والعمال والطلبة والسائقين.
وهذا النقص في النقل العام يجعل الخيارات محدودة: سيارة خاصة تستهلك الوقود، أو سيارة أجرة مكلفة، أو حافلة محدودة الخطوط، أو المشي مسافات أطول.
تحولت تكلفة سيارة الأجرة إلى جزء أساسي من تكلفة المعيشة للأسرة اللبنانية (الجزيرة)استنزاف الأجور
يرى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان -للجزيرة نت- أن تكلفة النقل لم تعد مصروفا هامشيا في ميزانية الأسرة، بل أصبحت جزءا من “الأجر الحقيقي”.
فالعامل -وفق هذا المنظور- لا يمكن تقييم دخله من خلال الراتب الاسمي فقط، بل من خلال ما يتبقى منه بعد دفع تكلفة الوصول إلى مكان العمل، وإذا ارتفعت تكلفة الطريق بينما بقي الدخل ثابتا أو ارتفع بوتيرة أبطأ، فإن الأجر الفعلي الذي يستطيع العامل إنفاقه على الغذاء والسكن والطاقة وسائر الاحتياجات يتراجع.
ولا يتوقف أثر الوقود عند وسائل النقل، فارتفاع سعره يعني أيضا ارتفاع تكلفة نقل المواد الأولية والبضائع وتوزيعها، ويدخل في تكاليف الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات.
ويشير البنك الدولي في أحدث تقييم له إلى أن التضخم في لبنان يُتوقع أن يرتفع إلى 17.5% في عام 2026، مدفوعا -من بين عوامل أخرى- باضطرابات الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، بما يزيد الضغط على القدرة الشرائية.
كما يتوقع البنك انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% هذا العام نتيجة تجدد الصراع وتداعياته على الطلب المحلي وسلاسل الإمداد.
ويحذر أبو سليمان في الوقت نفسه من اختزال التضخم في المحروقات وحدها، إذ تتداخل عوامل أخرى، بينها سعر الصرف وتكلفة الاستيراد والضرائب والرسوم وهوامش القطاعات المختلفة.
أما رفع بدل النقل، فيراه إجراء يمكن أن يخفف الضغط عن العامل، لكنه لا يحل وحده الفجوة بين الأجور وتكلفة المعيشة، كما أن ربط البدل بسعر المحروقات قد يحافظ على قيمته أمام تقلبات الوقود، لكنه ينبغي أن يعكس تكلفة التنقل الفعلية، وألا يتحول إلى بديل عن تصحيح الأجور.
غياب النقل العام المتكامل يجعل المواطن أكثر تأثرا بتقلبات أسعار المحروقات (الجزيرة)من الطريق إلى الشارع
في هذه الأثناء، خرجت أزمة النقل من السيارات إلى الشارع، فقد أعلنت اتحادات ونقابات قطاع النقل البري إضرابا عاما وتحركا واعتصاما في مختلف الأراضي اللبنانية الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول، احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات ومطالب مرتبطة بحماية القطاع وتنفيذ إجراءات سبق الاتفاق عليها.
ولا يأتي التحرك النقابي في فراغ اقتصادي، فالبلاد تدخل خريفا مثقلا بارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب، في حين يحاول العمال وأصحاب العمل والحكومة البحث عن صيغ جديدة للأجور وبدل النقل.
لكن الطريق إلى الشارع لا يبدأ بالضرورة من قرار نقابي، فقد يبدأ من عامل يحسب ما يتبقى من راتبه بعد أجرة الطريق، أو طالب يكتشف أن الوصول إلى جامعته يستهلك جزءا كبيرا من ميزانية أسرته، أو سائق يقضي يومه في انتظار راكب يرفض الزيادة التي يحتاج إليها لتغطية وقوده.
في سيارة أبو صالح، تبدو المسافة بين الراكب والسائق قصيرة، لكن تكلفة عبورها أصبحت ثقيلة على الاثنين. هو يحتاج إلى رفع التعرفة كي يستمر، والراكب يحتاج إلى خفضها كي يستطيع الاستمرار في استخدام السيارة.
وبين الطرفين تقف مشكلة أكبر من سعر البنزين: دخل لا يواكب تكلفة المعيشة، ونقل عام لا يغطي الحاجة، واقتصاد تنتقل إليه صدمة الوقود عبر السلع والخدمات.
لذلك، فإن اختبار الشارع اللبناني في الأيام المقبلة لن يكون فقط في عدد السيارات التي ستتوقف في الإضراب، بل في السؤال الذي يسبقها: كم يستطيع المواطن أن يدفع ثمن الطريق قبل أن تصبح تكلفة الوصول إلى عمله أو جامعته جزءا من الأزمة الاجتماعية نفسها؟
