حين تصنع دولة مكانتها بتطوير قدراتها، يبحث بعض المحللين عمّن صنع لها هذا التقدم خارج حدودها، وحين تتراجع دولة كانت في مقدمة دول المنطقة، يبحثون في تاريخها عمّا يجعل تراجعها مجرد عثرة. ينسبون إنجاز الأولى إلى غيرها، ويعفون الثانية من مسؤولية قراراتها. ويغيب السؤال الذي يفسّر الحالتين: كيف تحوّل دولة مواردها وطموحها إلى مؤسسات تمنحها القدرة على التأثير، بينما تُهدر أخرى مقومات قوّتها؟ فالمكانة تُبنى وقد تُفقد، ومن لا يُخضع أحكامه لهذه الحقيقة، سيظل يرى في صعود الدول استثناءً وفي تراجعها أمراً مؤقتاً.
عرفت المنطقة العربية زمناً كانت فيه الحروب والانقلابات والاستقطاب الدولي تُحدّد قسماً كبيراً من السياسة. لذلك احتلت القدرة العسكرية، وحجم السكان، والموقع الجغرافي، والحشد السياسي، مكاناً بارزاً في تقدير نفوذ الدول. ومعرفة ما خلّفه ذلك التاريخ ضرورية، لكن الخطأ يبدأ حين يُفترض أن العوامل نفسها تحكم الواقع اليوم بالطريقة ذاتها، أو أن مكانة الدول السابقة تبقى صالحة مهما تغيرت شروط القوة.
لم تتراجع أهمية الجيش أو السكان أو الجغرافيا، بل أصبحت قيمة كل عنصر أشد ارتباطاً بطريقة إدارته. فالسكان مصدر قوة حين يجدون تعليماً يؤهلهم، وصحة تعينهم على العمل، واقتصاداً يستوعب قدراتهم. والموقع الجغرافي ميزة حين تصل الدولة موانئها بأسواق العالم وتبني علاقات تحمي تجارتها وتوسّع خياراتها الاقتصادية. والثروة تفتح فرصاً واسعة، لكن أثرها يختلف بين دولة تحولها إلى مؤسسات ومعرفة وإنتاج، وأخرى تستهلكها في معالجة اختلالات تتكرر. ما يحدّد الفارق هو جودة القيادة والقرار، وكفاءة المؤسسة في التنفيذ والتصحيح، وقدرتها على الإبقاء على النتائج.
هذه العلاقة بين المورد والنتيجة تغيب عن قراءات تختزل نجاح دولة في مقدار مالها، أو تنفي قدرتها على التأثير لقلّة مساحتها وسكانها. فالمال لا يضع الأولويات، ولا ينشئ بمفرده إدارة قادرة على تنفيذها، ولا يضمن تكامل سياسات التعليم والاقتصاد والبنية التحتية. وفي المقابل، لا يكفي التاريخ دولةً للحفاظ على مكانتها إذا عجزت مؤسساتها عن مواكبة التغيير. ويقتضي تفسير صعود الدول دراسة القرارات التي صنعت الفارق، ومساءلة القرارات التي بددت الفرص المتاحة.
ويكشف التعامل مع الشراكات الدولية وجهاً آخر للمشكلة. فمن اعتاد قراءة السياسة بوصفها اصطفافاً دائماً قد يَعُدّ تعاون دولة مع قوى متنافسة تذبذباً. لكن العلاقات لا تُختزل في صفة «حليف» أو «خصم»، التي تصلح لكل قضية. فقد تتفق دولتان في التجارة وتختلفان في الأمن. لذلك لا يُقاس استقلال القرار بعدد الشركاء أو بهوياتهم، بل بحدود الالتزامات التي تقبلها الدولة، وقدرتها على حماية أولوياتها حين تتعارض مطالب شركائها. ومن دون هذا الفحص يحلّ التصنيف المسبق محل معرفة السياسة الفعلية.
تعاني مؤسسات الإعلام من معضلة حين تجعل شهرة المحلل معياراً لاختياره، ثم تنتظر منه تفسير قضايا تجاوزت إمكاناته الفكرية. فهو يدخل النقاش بخبرته المألوفة، فيما تهيئ له المؤسسة أسئلة تؤكد صورته مرجعاً دائماً. وهكذا تتكرر معه طريقة النظر إلى العالم، فتُقرأ تحولات الاقتصاد والمؤسسات والشراكات الدولية بأدوات صراعات مرحلة أخرى. ويمنح تكرار تفسيره انطباعاً بقوّته، من دون اختبار قدرته على شرح الوقائع الجديدة.
للخبرة التاريخية قيمتها في كشف جذور المواقف وآثار الماضي، لكن مكانة صاحبها لا تُغنيه عن دقة التحليل والاحتكام إلى الوقائع. فالمفكر الذي يفسر صعود دولة أو تعثُّر أخرى مطالب بفحص قرارات الدولة التي يتناولها وما طرأ على مؤسساتها، وبمراجعة أحكامه إذا عجزت عن تفسير النتائج. وتبدأ مسؤولية المؤسسة الإعلامية باختيار المعرفة التي تقتضيها القضية، وطرح أسئلة قد تخالف تصور ضيفها. أما إذا ظلت تبحث عن الاسم المألوف، فسوف تُبقيه في الصدارة ولو صار الواقع بعيداً عن تفسيره.
العالم المتغيّر لا يحتاج إلى محو تاريخه كي يُفهم، بل إلى قراءة تستفيد منه من دون إخضاع الحاضر لأحكام صيغت في ظروفه. وحين تعجز المرجعيات الإعلامية عن هذا التمييز، تحجب عن الجمهور أسباب تقدم الدول وتعثّرها، وتؤخر النقاش العربي حول القدرات التي ينبغي بناؤها للمستقبل.
*كاتب وباحث إماراتي
