
واصلت النجمة اللبنانية ميريام فارس حفلاتها، وهذه المرة من العاصمة الهولندية أمستردام، حيث قدمت عرضًا استعراضيًا حمل بصمتها الخاصة، مؤكدةً مرة جديدة أنها لا تتعامل مع المسرح كمساحة للغناء فقط، بل كعمل فني متكامل يجمع بين الموسيقى والأداء والحركة والأزياء والإضاءة. (شاهدوا الفيديو)
وفي إطلالتها في أمستردام، ظهرت ميريام على المسرح بفستان استعراضي باللون الذهبي، تميّز بتفاصيله وقماشه المتطاير، وسط إضاءة حمراء قوية أضفت على المشهد طابعًا دراميًا. وقدمت أداءها الراقص والغنائي بحضور لافت، لتثبت مرة أخرى قدرتها على ملء المسرح والسيطرة على تفاصيل العرض.
وهذا النوع من الحفلات يعكس إلى حد كبير الخيارات التي اعتمدتها ميريام فارس في السنوات الأخيرة. فهي لم تعد تقبل الغناء في أي مكان أو ضمن أي شروط، بل أصبحت دقيقة جدًا في اختيار حفلاتها والمساحات التي تظهر فيها، والجمهور الذي تتوجه إليه، وكذلك شكل العرض الذي تقدمه. وهي، بحسب ما تعكسه مسيرتها وخياراتها، فنانة اختارت لنفسها مكانة محددة، ولم تعد تتعامل مع حضورها الفني بمنطق الظهور لمجرد الظهور.
فحفلات ميريام ليست مجرد ميكروفون وفرقة موسيقية وفنانة تغني مجموعة من الأغنيات، بل هناك “show” متكامل يتم التحضير له بعناية، من الأزياء إلى الإضاءة، مرورًا بالعزف والموسيقى والرقص والحركة على المسرح. ولهذا السبب، فإن مشاهدة عرضها بعيدًا عن الأغنية العربية وحدها تضعنا أمام تجربة استعراضية تحمل الكثير من عناصر العروض العالمية.
وقد حافظت ميريام لفترة على هذا النمط من العروض، ونجحت في بناء هوية مسرحية خاصة بها. وهذا بحد ذاته أمر يستحق التوقف عنده، خصوصًا أن الساحة الفنية العربية لا تضم عددًا كبيرًا من الفنانات اللواتي يمتلكن هذا النوع من الحضور الاستعراضي المتكامل.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الملاحظة التي يكررها الجمهور والنقاد حول قلة إصداراتها الغنائية مقارنةً بفترات سابقة، وعدم طرحها أغنيات جديدة بشكل متقارب، إضافة إلى غيابها النسبي عن سوق الفيديو كليبات والإنتاج المستمر. وربما هنا تحديدًا تكمن المساحة التي يمكن لميريام أن تعود من خلالها بقوة أكبر، خصوصًا أن جمهورها لا يزال ينتظر منها أعمالًا جديدة توازي حجم حضورها على المسرح.
أما المقارنات التي تظهر بين فترة وأخرى، ومنها القول إن ميريام تقلد شاكيرا، فلا تبدو مقنعة لمجرد وجود عناصر مشتركة في الصورة أو الأداء. فالشعر الكيرلي ليس ملكًا لفنانة بعينها، والاستعراض والرقص على المسرح ليسا حكرًا على نجمة واحدة. ميريام وشاكيرا لكل منهما هويتها ومسيرتها ولغتها الموسيقية وجمهورها، ومجرد تشابه بعض العناصر البصرية لا يكفي لوضع إحداهما في خانة تقليد الأخرى.
والأهم أن ميريام فارس ليست مجرد فنانة تؤدي أغنيات الآخرين، فهي من الفنانات اللواتي يشاركن في كتابة الأغنيات وتلحينها وتحضير عروضهن، إلى جانب الغناء والرقص على المسرح في الوقت نفسه. ومن يعرف طبيعة هذا العمل يدرك أن الجمع بين الغناء والحركة والاستعراض ليس مهمة سهلة، إذ يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا وقدرة على التحكم بالنَفَس والصوت والأداء في آن واحد.
ومن هنا، ربما آن الأوان للتعامل مع تجربة ميريام فارس الاستعراضية باعتبارها موهبة حقيقية تستحق التقدير، لا باعتبارها شيئًا غريبًا عن المشهد العربي. فالفنان الذي يستطيع أن يقدم عرضًا متكاملًا، وأن يكتب ويلحن ويغني ويرقص ويشارك في صناعة الصورة المسرحية، يمتلك أدوات متعددة لا تتوافر بالضرورة لدى كل الفنانين.
وبعد المرحلة الصحية الصعبة التي مرت بها، فإن عودة ميريام إلى المسرح واستعادتها حضورها وعافيتها تحمل بحد ذاتها قيمة خاصة. ويبقى الأمل أن تترافق هذه العودة مع إنتاج غنائي جديد، لأن الجمهور يحتاج إلى أن يرى ميريام فارس المغنية بقدر ما يستمتع بميريام فارس الاستعراضية.
وفي رأيي، قد نختلف مع ميريام فارس في بعض خياراتها، لكن الاختلاف معها لا يجب أن يحجب حقيقة واضحة: ميريام فنانة تمتلك المسرح. وهي من النجمات اللواتي لا يحتجن إلى كثرة الإطلالات لإثبات حضورهن، لأن مجرد وقوفهن على الخشبة يتحول إلى عرض متكامل. وما ينقص التجربة اليوم، برأيي، ليس الاستعراض ولا الحضور، بل المزيد من الأغنيات التي تعيد وصل هذه النجمة بجمهورها، وتضع موهبتها الفنية والاستعراضية في خدمة إنتاج موسيقي جديد يليق بمكانتها.
