المثنى الشيخ عطية

مرحلة الثمانينات، وما أدرى الأجيالَ التي بعدتْ عنها ما الثمانينات، الثمانيناتُ من قرننا الذي مضى مرحلةٌ لا يأتي في سِفر هولِها ارتكابُ مجازر صبرا وشاتيلا بيد إسرائيل والفاشيين من اللبنانيين، ولا مجازر حافظ الأسد في حماة الأشهر والمدن السورية الأخرى فحسب. وإنما يكفيها أنه في نهايتها جرى تَفَكُّك الاتحاد السوفييتي ليُلقى العالم في شدق القطب الواحد، وجَرّتْ أمريكا في نهايتها العالم إلى حربٍ عالمية صغرى، أسقط فيها جورج بوش الأب ما يعادل ضعف قنبلة هيروشيما النووية من قنابل متعددة نصال القتل فوق بغداد، ليُلقى العالم في شِدق ما يعانيه الآن من هول الإبادة الجماعية في غزة ونتائجها على البشرية.
الثمانيناتُ عقد الهجرات التي لا يمكن القول عنها إنها بدأت بها ولا زادت عمّا أتى بعدها من لجوءٍ بلغ ذروته في مجازر عصابات الأسد ضد السوريين، لكنها كانت مميّزةً، في تأثيرها بفتح أبواب الهجرة واللجوء واشتعال المنافي بمختلف أشكال النجاة التي تأتي في مقدمتها الإبداعات المساعدة على تقبّل العيش.
والثمانيناتُ هي العِقد الذي لا تفقد فيه العودةُ إليه استخلاصاً لنتائج الرحلات من منبعها أهمّيتَها، مثلما فعل الشاعر المغربي نصر الدين بو شقيف بنشره لديوانه الثاني ضمن ما يوحي بنشر أعماله الكاملة، باللغة العربية تحت عنوان: «من منبع النهر» عام 2025. وضم فيه قصائده التي ألفها في الثمانينات، وشكّل بنيته عقداً خاضعاً للزمن وفق تسلسل أحجار أو سنوات العِقد، منذ رحيله عن وجدة والسعيدية عام 1980 وانتقاله إلى الدار البيضاء وطنجة في المغرب قبل العيش في باريس بعدها عام 1982. إلى عام 1990 الذي ختمه بقصائده المميزة بالتقاط لحظة الحرب الأمريكية على العراق، والتعبير، بتعاطف إنساني مع ضحاياها، عن دخول العالم مرحلةً لن يكون بعدها كما كان قبلها، واضعاً عِقده في فلسفة المشي وعدم الركون إلى يقين المكان، اقتراباً من القلب، وبحثاً عن الاحتمالات المجهولة للذات، وفاتحاً إياه بجملة: «خُلِقتُ لكي أمشي».

عقدٌ من فكرٍ وشعرٍ وتعاطفٍ إنساني:

من فاتحة الرحيل التي تُجسّد السنة الأولى، عبر تسعٍ وثلاثين قصيدة قصيرة ومتوسطة الطول بما لا يتجاوز الصفحة، تحت عنوان «القصائد الأخيرة قبل الرحيل»؛ يَفتحُ بو شقيف، بالشعر الذي يتفكّر ويتأمّل، آفاق فلسفته للرحيل عن وطنه، متداخلاً بحاله معه، ليس لأنه ضده: «بل ضد الصمت الذي فيه». وليس هرباً منه بل «ركضاً نحو احتمالاته المجهولة»، وبحثاً عن معنى لحياته ثم ذاته، في توقّعاته وآماله عن تشكيل المنفى لها كحضنٍ: «يحملُ في داخله جغرافيا باطنة للروح». رغم وجود ما يدفع الناس عادةً للهجرة عن أوطانهم، من استبدادٍ، ومن ظلمٍ وخذلان يُفصِح عنه هو نفسه، إلى جانب أسبابه الوجودية بأسى، أن عالم الجمال الذي يحلم به أصبح مستحيلاً، وأنّ «بعض الأصدقاء تحوّلوا إلى خريطةٍ من وجعٍ وخيانة».
وفي هذا الرحيل يبلور بو شقيف فلسفته عن الوطن الذي بقي يحمله في داخله، بفلسفته عن نفسه ضمن ثنائية «الذات/ الوطن»، كروح طيبةٍ تَحزَن لوجع الآخرين أكثر من وجعها و«تَفرحُ حين ترى الأمل في عيونهم». متداخلاً بهذا مع عنوان ديوانه الذي يمثل قلبَه نهراً اعتاد أن يرى النور في كل الناس، دون أن ينتظر أيَّ شيء منهم، إذ هو «نهرٌ لا يعرف الجفاف» كما يعبّر عن نفسه.
وفي فصله هذا الحافل بفلسفة الرحيل وأسبابه، تمرّ معاناة موت الأب وغياب نوره، ومعاناة المرأة التي تهرب من عنف الآباء، ويحتضنُها ويورقُ بها الحبّ، ويمرُّ النهر الذي يماثلُه مجازاً، من منبعه الذي يحملُ سراً دفيناً يبدأ بتكوينه نطفةً ويجري: «لا يسأل أين سيتّجه حين يكبُر/ هو من يحمل بين طياته ذاكرة الجذور/ نداء البحر البعيد»، وهو من يُذكِّر نفسه في جريانه بدوام نبض قلبه بالحياة مترقِّباً «ذلك الطفل العذب فيه»، وكي:

«تحيا من جديد بين النرجس والليلك

ولبنةً/ لبنةً

تبني مثل الطير عشَّك.

وتتألق في فيض كل هذا الأملِ الروحُ «حديقةً تزهو بالزهر».

وكما لا يجانب الأسى عادةً فيض الأحلام والرغبات العميقة في التكوين، يعيش الحبُّ وداعَ الفراق من دون أسىً ولكن بحزنٍ شفيفٍ يليق بالأرواح التي تتفهَّم حاجاتِ ورغباتِ وخصوصياتِ وطموحاتِ غيرها.

وفي تعميقه لفلسفة الرحيل التي تحمل الحكمةَ والتفاؤل والأمل وتعميق معاني الوجود، في قصائدها الأولى قبل أن تذوب بألق الشعر الموشّى بالأزهار والفراشات، يُمتِّع بو شقيف قارئَه بعيش حكمة أن تكون خيِّراً وتنشرَ النور. متَّبِعاً في ذلك أسلوبَ شعر الأسلاف الكلاسيكي، وبالأخصّ منه الجاهليّ بالنسبة لتركيب الحكمة في القصيدة، رغم أسلوبه الحديث، أولاً في صياغة قصيدته بأسلوب قصيدة نثر ما بعد الحداثة التي يربط فيها السّردُ الشعريُّ قصائدَه كما لو كانت حكايةً طويلة. وثانياً في ترقيته الحكمةَ إلى الفلسفة الحديثة في إنجازها الفرنسي، الذي بدا واضحاً اهتمامُ الشاعر به في كتابه عن فلسفة الفرنسي جيل دولوز «من فلسفة الاختلاف إلى سياسة التحرّر»، ومفاهيمه «في عالمٍ بحاجة إلى المستحيل كي يخرج من كوارثه» وفق ما صرّح.
في السنة الثانية من الثمانينات عام 1981، وإلى منتصفها، تبزغ في الكتاب قصائد الدار البيضاء وطنجة، تحت عنوان «زمن العطش والشغب»، وفيها يمرّر الشاعر إضرابَ الدار البيضاء من أجل رغيف الخبز، وتفاصيل ساحة الإضراب التي تخلّلها إطلاق الغاز المسيّل للدموع، والرصاص على المتظاهرين، وتعاطُفِ الشاعر مع الفقراء. وتدخل بعدها قصائد المنفى الباريسي بفصلٍ تحت عنوان: «قصائد من المنفى» تمثّل ما تبقّى من العام والعام الذي يليه عام 1982، وتجري قصائدَ قصيرةً تحملُ شكل النبضة وتحكي أحلام الشاعر الغريب، وصدمتَه وحالَه، في المنفى الذي خلا من دفء حضن الوطن، وظلّلتْه الكراهية وعدم تقبّل اللون واللهجة، والإشعارُ بالغربة. في «المدينة الجبارة» كما يطلق على باريس التي: «لا يُرهِبها زئير الريح/ لا تنحني للعاصفة/ لأن جذورَها تشتدّ في عمق الأرض/ مثل سواعد الفلاح/ التي تحرس الأغصان من الذبول». وحيث: «طرقتُ الباب/ لا أحدَ في الانتظار/لا دفءَ في النوافذ/ ولا ظلَّ وجهٍ/ يطلُّ من ستارة اللهفة».
وفي ظلّ نبذ المنفى والحنين إلى الوطن، لا يغادر قلبَ بو شقيف الهمُّ القومي الإنساني، وانتصاره للقضية الفلسطينية، فيُدخِل في هذا العام تعبيرَه عن المجازر التي ترتكبها الفاشية في لبنان خلال الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي، بقصيدته: «موت الإنسانية في صبرا وشاتيلا وفلسطين»، الطويلة التي تضمنتْ ثلاثةً وعشرين مقطعاً معظمها بطول الصفحة. وعرَضَ وكشفَ وأدانَ فيها المجزرةَ ووحشية الإنسان التي لا تهتز بيدها السكينُ عند ذبحها لطفل:

«لم تَجدْ صرختُه صدى

لأن الجدران تعلّمت الصمت منّا

ونحن نمشي

لا ننتظر خلاصاً

ولا نطلب غفراناً

نحن أبناء الخيبة

نحملُ على أكتافنا جثث صبرا

جثث شاتيلا

ونسير».

وفي هذه القصيدة يوسّع بو شقيف قيم ومؤثرات قصيدته بمشهدية سينمائية لما تعرّض له الأهالي المدنيّون وبالأخص الأطفال من ذبح، وبالمجازات التي تَبرز فيها معالجته لمفهوم الجدار بعمق وشاعرية وشمولية خارجه وداخله.
استمراراً لتغطيته عام 1982 بالشعر، يمرّر بو شقيف القصائد التي تغطي هذا العام بقصيدة: «يوميات مهاجر»، ويُتبعها بقصيدة «الغربة والعنصرية»، لتغطية 1983، وبالقصائد التي تغطي السنوات التالية: «حب العزلة من أجل الإبداع»، «الفن كخلاص داخلي»، «الجسد منفى داخلي»، «المنفى فضاء للخلق والتجاوز»، «الصمت احتجاج داخلي»، «نافذة على اللانهاية، لعام 1989. ويختمها بقصائد 1990 التي بلغ فيها العقد ذروة التراكم بضرب بغداد وإشعال الحرب الأمريكية على العراق مع تحالفها الدولي، تحت عنوان: «قصائد لبغداد» التي تعبّر عن وقوفه مع أحرار العالم ومثقفيه وقت ذاك ضد الحرب وضد «تدمير العراق، بلد الحضارة الأول» وفق صرخة جاك بيرك.
وفي هذه السنوات، بإيجاز شديد لا تستطيع القراءة سوى اقتطاف بعض ما يعبّر عن حالات معالجة بو شقيف لمنفاه، وردود أفعاله الشعرية والفنية بالتشكيل، حول ما يجري في العالم من تطوّرات وما يجري على داخله من تحولات، وسوى ما يدفعُ القارئَ للمتابعة الشاملة، يمكن تمرير: حال المهاجرين «الذين رأيتُهم يموتون في أزقة باريس المعشوقة»… «بأم عيني رأيتهم/ كالعبيد في المعامل/ أقسم أنا المهاجر الصغير/ البعيد عن وطني/ المحروم من أهلي وداري/ أنني رأيتهم يحترقون شوقاً «.
وبالمقابل تمرير عدم مغادرة الوطن الذي سكن القلبَ ولم يعد ممكناً خروجُه، في متضاداتٍ مؤسيةٍ لما يفعله المنفى شاهراً أسلحة الفقر والتمييز والعنصرية: «التي لا تصرخ لكنها تهمس في الممرات، في العيون، في السياسات الصامتة»، وما يفعله الوطن شاهراً أسلحة الذكرى، في الذات التي تكافح بالشعر والفن لإلغاء غربتها عن واقعها وعن ذاتها، بقصائد حافلة بالاحتجاج على الواقع والحنين إلى زمن لن يعود.
وفي كل هذا التمرير تتألّق قصيدة نثر بوشقيف القصيرة الطويلة النابضة، التي كما لو كانت قد خُلقت مثل شاعرها لكي تمشي في الشارع، وتكتشف وتصف وتصور وتسرد وتدين، العنصرية بخاصة.
في ختام عقده بقصائده لبغداد، يضع بو شقيف هذه القصائد القصيرة المصاغةَ بأسلوب قصيدة الهايكو في بنية لافتةٍ متناغمة، تجعل منها قصيدةً واحدةً، تسير بثنائية الحرب/ الفن، وتنصَبُّ نهراً أحمر، يحمل دم أطفال العراق الذين قصفتهم الطائرات، شاهداً لا يمحى على الجريمة. نابضاً ومتدفقاً بتسعٍ وتسعين قصيدةً بعناوين الأرقام، في ثلاثٍ وثلاثين صفحةٍ، تحتلّ فيها الصفحة ثلاث قصائد، كلٌّ منها مصاغة بأربعة أبيات، لا يغيب عن كل بيت منها التذكير بجرائم الحرب، والحضّ على مقاومتها بالإنسانية والفن. من بداية فتحها بـ: «الحرب تصرخ بالخراب/ ونحن نردّ عليها بلحنٍ حرّ/ الفن وحده يعرف كيف يرمّم الروح / وهو انتصار لا تدركه الجيوش».
وأخيراً يجدر التعريف بنصر الدين بو شقيف أنه: شاعر، وفنانٌ تشكيلي، ومسرحيٌّ مغربي مقيم في فرنسا. يجمع بين كتابة الشعر والترجمة، والرسم والنقد، إلى جانب مسيرته في التمثيل والإخراج المسرحي. أقام معارض فنية تُسلِّط الضوء على قضايا عميقة مثل المرأة والميثولوجيا. له حضور في المشاركات الإعلامية والكتابات حول دور الفن والقصيدة في القضايا الإنسانية.
نصر الدين بو شقيف: من منبع النهر
دار بوليغلوت، باريس 2025
400 صفحة.