برازيليا – رغم أن الانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي تُجرى اليوم الأحد، تُحسم عادة بقضايا الاقتصاد والأمن والخدمات العامة، فإن الولايات المتحدة باتت تحضر في الخطاب الانتخابي بصورة متزايدة.

وبين تحذيرات الرئيس لولا دا سيلفا من أي تأثير خارجي، والعلاقات الفكرية والسياسية التي تربط معسكر المرشح فلافيو بولسونارو بتيار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أصبحت السيادة الوطنية والعلاقة مع واشنطن محورا رئيسيا في الجدل الانتخابي.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

تتأرجح العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة بين التعاون والمنافسة، وبين إرث التدخلات القديمة ومساعي الاستقلال السياسي في عالم متعدد الأقطاب.

صور مرشحين لانتخابات الرئاسة والبرلمان وحكام الولايات في شوارع ساو باولوصور مرشحين لانتخابات الرئاسة والبرلمان وحكام الولايات في شوارع ساو باولو (الجزيرة)تغيرات جوهرية

يقول الباحث في العلوم السياسية في جامعة كامبيناس ريناتو سيزار فيريرا، للجزيرة نت، إنه رغم أن واشنطن كانت تاريخيا الشريك السياسي والاقتصادي الرئيسي للبرازيل، مع تاريخ طويل من “التدخل السافر”، فإن هذه العلاقة شهدت تغيرات جوهرية في السنوات الأخيرة.

وقد أسهم -وفقا له- صعود المنظور متعدد الأطراف وتوسع العلاقات مع دول الجنوب العالمي، كما يتجلى في مبادرات مثل مجموعة “بريكس”، في توثيق أواصر العلاقات بين البرازيل والصين، من بين أطراف دولية أخرى.

ويعتبر فيريرا أن السياسة البرازيلية تنقسم بين رؤيتين متميزتين بشأن مكانة البلاد في النظام الدولي:

الأولى: يرى اليمين “المتطرف” ممثلا بفلافيو بولسونارو، أن البرازيل هي في الأساس دولة غربية، وأن العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة يجب الحفاظ عليها حتى لو تطلب ذلك دفع ثمن سياسي أو اقتصادي. وتظل واشنطن المرجع الأساسي للمشاركة الدولية لها.
الثانية: تستند الرؤية التي تدافع عنها إدارة لولا الحالية إلى مبدأ مفاده أنه يتوجب على البرازيل تنويع شراكاتها الدولية والتفاوض مع واشنطن ندّيا على أساس السيادة. ولا يعني هذا الدعوة إلى القطيعة معها، بل السعي لبناء علاقة قائمة على قدر أكبر من التوازن والاستقلالية في اتخاذ القرار. وتكمن الفكرة المحورية في توسيع هامش المناورة للبلاد من خلال تعزيز الروابط مع شركاء مختلفين والحد من التبعيات المفرطة.
تدخل قديم

في حين يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بامبا الفدرالية ريناتو جوزيه دا كوستا، للجزيرة نت، إن التدخل الأمريكي ليس أمرا جديدا؛ و”حتى في حالة البرازيل، فإن الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد عام 1964 كان بمشاركة وتأييد وتنسيق أمريكي”.

وتابع “أضف إلى ذلك الوجود والتأثير المستمر غير العسكري لواشنطن من خلال التعامل مع حكومات معينة أو عبر إجراءات اقتصادية”.

لكن ما تغير -برأيه- هو الكيفية التي يتم بها ترويج وتسويق هذا الدور لدى بعض الأطراف، و”خاصة مجموعات اليمين المتطرف في البلاد”. ويوضح أنه يتم تقديم الوجود الأمريكي، أو شخص ترمب كمنقذ للبلاد، ومدافع عن القيم الغربية، ومؤيد لليبرالية، ومناهض للشيوعية، علما أن الشيوعية في البرازيل موضوع لم يُطرح منذ عقود ولم يسبق تطبيق أي نظام من هذا القبيل.

من واشنطن إلى برازيليا، يمتد تأثير ترمب في الخطاب السياسي، حيث يُستحضر كرمز للتيار المحافظ ومصدر إلهام لليمين البرازيلي.

ويقول الباحث فيريرا إنه رغم عدم مشاركته بشكل مباشر في الانتخابات البرازيلية، يظل الرئيس الأمريكي حاضرا في النقاش السياسي الوطني لأن سياساته تجاه أمريكا اللاتينية لها تأثيرات تتجاوز حدود الولايات المتحدة.

ويوضح: “فمن خلال ما يُعرف بـ “عقيدة دونرو”، وهي إعادة تفسير لعقيدة مونرو، يتجلى تأثيره في تطورات سياسية مختلفة عبر المنطقة. وقد لوحظت مثل هذه الديناميكيات مؤخرا في دول مثل بوليفيا وبيرو وكولومبيا، مما يعزز الانطباع بأن واشنطن تسعى لممارسة النفوذ على العمليات السياسية في أمريكا اللاتينية”.

RIO DE JANEIRO, BRAZIL - MARCH 16: Former Brazilian President Jair Bolsonaro and his son Senator Flavio Bolsonaro speaks to supporters during a campaign rally at Copacabana Beach on March 16, 2025 in Rio de Janeiro, Brazil. (Photo by Wagner Meier/Getty Images)المرشح فلافيو بولسونارو (يمين) زار واشنطن والتقى بوزير الخارجية ماركو روبيو (غيتي إيميجز)السيادة الوطنية

ووفقا له، فإنه في حالة البرازيل، يبرز هذا النقاش في مجال الأمن العام وفي السجال الانتخابي. وكان أحد الأمثلة على ذلك القرار الصادر في يونيو/ حزيران الماضي بتصنيف عصابتي “كوماندو فيرميليو” و”بي سي سي” كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين.

وبحسب فيريرا، يوسع هذا التصنيف نطاق خيارات التدخل المتاحة للسلطات الأمريكية في مكافحة هذه المنظمات، وهو ما أثار جدلا في البرازيل حول حدود التعاون الدولي والسيادة الوطنية. و”من المهم الإشارة إلى أن هذا الإعلان جاء عقب زيارة أداها فلافيو بولسونارو إلى واشنطن، التقى خلالها بوزير الخارجية ماركو روبيو وزار البيت الأبيض”.

ويعتبر دا كوستا أن هذا الطرح حديث للغاية، ومن غير المرجح القول إن الناخب البرازيلي يصوت بوازع الاهتمام بالعلاقات بين البرازيل وواشنطن. ورغم وجود قلق يطرحه بعضهم بشأن تبعية بلادهم لواشنطن، فإن المحرك الأساسي للتصويت لا يزال يتمحور حول التأييد الشخصي لرموز مثل بولسونارو أو لولا، وشخصنة الخيارات الانتخابية بدلا من وجود تقييم نقدي موضوعي للسياسة الخارجية.

تتجاوز العلاقة بين بولسونارو وترمب حدود السياسة الثنائية، لتصبح جزءا من ظاهرة عالمية تعيد تشكيل “اليمين المتطرف” وتربط بين رموزه عبر القارات.

الانتخابات الرئاسية البرازيلية تشهد منافسة حادة بين المرشحين لولا دا سيلفا وفلافيو بولسوناروالانتخابات الرئاسية البرازيلية تشهد منافسة حادة بين المرشحين لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو (الجزيرة)

ويقول فيريرا إنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن “اليمين المتطرف” ظاهرة عالمية. ففي أعقاب الانهيار المالي العالمي عام 2008، ظهرت حركات وقادة منه في دول مختلفة، مستعرضين أنفسهم كقوى مناهضة للنظام القائم، مازجين بين الخطاب القومي والأجندات المحافظة.

ويصف بعض علماء السياسة هذا التيار الجديد -بحسبه- بأنه شكل من أشكال الفاشية الجديدة، التي يجسدها قادة مثل ترمب وبولسونارو وخافيير ميلي رئيس الأرجنتين، إلى جانب فاعلين سياسيين آخرين حول العالم.

ويتابع فيريرا: “بهذا المعنى، ورغم امتلاك هذه الحركات لخصائص وطنية متميزة، فإنها تتشارك في المرجعيات والإستراتيجيات والأجندات والمنتديات. ولا يمكن فهم صعود التيار البولسوناري في البرازيل دون مراعاة هذا البُعد الدولي”.

نموذج الإعجاب والتبجيل

أما دا كوستا، فيرى أن اسم ترمب لا يزال حاضرا بشكل كبير في السياسة البرازيلية، ويعود ذلك إلى البناء الذي تم خلال فترة ولايته الأولى والعلاقة التي توطدت بين الرئيس السابق جايير بولسونارو وترمب، “فقد كان هناك إعجاب مفرط من قِبل تيار أقصى اليمين الذي تشكل داخل الولايات المتحدة تحت قيادة ترمب، وحاول جايير محاكاة هذا النموذج القائم على الإعجاب والتبجيل لدرجة تقديم تنازلات عديدة للحكومة الأمريكية”.

ويختم: “بعد ذلك بدأ الترويج لسياسة ترمب باعتبارها قومية قابلة للتطبيق على جميع البلدان، في حين أن ما كان يمارسه الرئيس الأمريكي في الواقع هو سياسة قومية متشددة وتقييدية للغاية تهدف لحماية مصالح الولايات المتحدة فقط، مع تجاهل الدول الأخرى تماما”.

غير أن الرئيس السابق جايير بولسونارو -يضيف- كان يدافع عن المصالح والقيم الأمريكية حتى على حساب مصالح البرازيل نفسها. وهكذا نشأ هذا التمجيد لشخصية وسياسة ترمب من قِبل جايير، وتم ترويجه داخل قواعد اليمين وأقصى اليمين في البرازيل، واعتُمِد كشعار للحملات الانتخابية.

وبين من يرى في واشنطن حليفا إستراتيجيا، ومن يعتبرها رمزا للهيمنة، تتجلى معركة أعمق حول موقع البرازيل في عالم متغير. ومع تصاعد التوتر بين السيادة والانجذاب إلى النموذج الأمريكي، يبدو أن صناديق الاقتراع في البلاد لا تختبر فقط خيارات داخلية، بل تعكس أيضا صراعا دوليا على النفوذ والرؤية.