Published On 4/10/20264/10/2026

واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد أمام الدولار، مسجلا مستوى قياسيا جديدا عند نحو 2.7 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، في تراجع يتجاوز 150 ألف ريال مقارنة بمستواه يوم الجمعة الماضي. وبذلك تكون العملة الإيرانية قد فقدت أكثر من 80% من قيمتها منذ مطلع عام 2026، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني بفعل العقوبات وتراجع حركة التجارة وشح تدفقات النقد الأجنبي.

ويحاول البنك المركزي الإيراني وقف هذا التدهور عبر ضخ ما يصل إلى ملياري دولار في السوق، في مسعى لدعم الريال والحد من سرعة انهياره، لكن هذه الخطوة تأتي في وقت تواجه فيه طهران صعوبة متزايدة في الحصول على العملة الصعبة، بالتزامن مع تراجع عائدات النفط وتراجع حركة التجارة.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of listضغوط تتسع من العملة إلى الأسعار

ولا يتوقف تأثير انهيار الريال عند أسواق الصرف، إذ ينعكس سريعا على حياة الإيرانيين، مع ارتفاع متواصل في أسعار السلع الأساسية والإيجارات وتراجع القدرة الشرائية. وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، وصل التضخم إلى نحو 90%، وهو ما يجعل المواطن الإيراني أمام ارتفاع شبه يومي في تكلفة احتياجاته الأساسية.

ومع تآكل قيمة المدخرات بالريال، يتجه مزيد من الإيرانيين إلى الذهب والعملات الأجنبية بوصفها ملاذات أكثر أمانا لحماية ما تبقى من مدخراتهم من موجة التضخم وانخفاض قيمة العملة. ولا تقتصر التداعيات على المستهلكين، إذ بدأت انعكاسات الأزمة تظهر في سوق العمل، مع لجوء بعض المصانع والورش ومنشآت الإنتاج إلى تسريح موظفين وعمال، وهو ما يضيف ضغوطا جديدة إلى الاقتصاد وسوق العمل.

اقتصاد تحت ضغط العقوبات والحرب

وتربط السلطات الإيرانية جزءا من الأزمة بتراجع حركة التجارة وشح النقد الأجنبي، في حين يشير مسؤولون إيرانيون إلى تأثير العقوبات الأمريكية في الاقتصاد. وتزداد الصعوبات مع استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية والحظر المفروض على الطيران الإيراني، وهو ما يضغط على حركة التجارة ويحد من تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد.

وفي ظل هذه الظروف، تبدو الأرقام الاقتصادية أكثر قتامة؛ فبعد أن كانت الحكومة الإيرانية تتوقع نموا اقتصاديا بنحو 8% في موازنتها، تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن معدل النمو تراجع إلى مستويات سالبة.

الحكومة تبحث عن مخرج

وأمام تسارع انهيار العملة، عقدت الهيئة التنسيقية الاقتصادية في الحكومة الإيرانية اجتماعا برئاسة الرئيس مسعود بزشكيان، وبمشاركة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، لبحث تداعيات انهيار الريال وتراجع حركة التجارة. وتقول طهران إن مواجهة الأزمة تتطلب معالجة نقص العملة الأجنبية واستعادة النشاط الاقتصادي، في حين تراهن الأسواق أيضا على أي انفراجة محتملة في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

ويرى أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة طهران أشكال بهرامي أن ضخ ملياري دولار قد يساعد البنك المركزي على إبطاء تراجع الريال، لكنه لا يمثل حلا جذريا لأزمة أعمق ترتبط بالتضخم وشح السيولة وتراجع الإيرادات النفطية.

وتحمّل السلطات الإيرانية المضاربين وجزءا من حالة الخوف في الأسواق مسؤولية تسارع انهيار الريال، لكن خبراء يرون أن المضاربة ليست سوى أحد أعراض الأزمة. فحين يفقد المواطن ثقته بالعملة المحلية، يسعى إلى تحويل مدخراته سريعا إلى الذهب أو الدولار أو السلع، وهو ما يزيد الطلب على العملات الأجنبية ويدفع الريال إلى مزيد من التراجع.

ويشير بهرامي إلى أن المشهد الحالي يختلف جذريا عن أجواء عام 2015، عندما أدى توقيع الاتفاق النووي إلى خلق توقعات إيجابية انعكست على سعر الريال والأسواق الإيرانية. أما اليوم، فتبدو حالة عدم اليقين أكثر عمقا، في ظل العقوبات والضغوط الخارجية وتراجع الإيرادات النفطية.

دائرة اقتصادية مغلقة

ويضع انهيار الريال والتضخم الاقتصاد الإيراني أمام حلقة يصعب كسرها:

انخفاض قيمة العملة يرفع تكلفة الواردات.
ارتفاع الأسعار يدفع المواطنين إلى التخلص من الريال.
زيادة الطلب على الدولار والذهب تضغط مجددا على العملة.
التضخم يؤدي إلى مزيد من تآكل القوة الشرائية.

ويحذر الخبراء من أن ضخ السيولة أو طباعة مزيد من النقود لن يكون كافيا إذا لم يقابله إنتاج حقيقي وعوائد مستدامة من العملة الصعبة. وتجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد:

إنقاذ الريال يحتاج إلى احتياطيات من العملات الأجنبية.
استعادة الثقة تحتاج إلى خفض التضخم.
خفض التضخم يحتاج إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وتدفقات نقدية أكبر.

وكلها عوامل تتعرض لضغوط العقوبات وتراجع التجارة والنفط.

وبينما يواصل الريال تسجيل قيعان جديدة، يتحول سعر الدولار في إيران إلى مؤشر يومي على عمق الأزمة، في حين يدفع المواطن الثمن من مدخراته وقدرته على شراء احتياجاته الأساسية، وتبقى قدرة الحكومة على وقف هذا المسار مرتبطة بمدى قدرتها على استعادة تدفقات العملة الصعبة وفتح نافذة سياسية واقتصادية مع الخارج.