
بيروت – «القدس العربي»: وأخيراً «زينة لبست خلخالها»، فهل تعافت من قيد «زيّون.. واخت الرجال.. وأبو علي»، والإرث العائلي المترامي الأطراف الذي لازم حياتها؟ الشفاء والتحرر عنصران قائمان ومنشودان من هذا النص الذي جسّدته زينة دكاش وكريم شبلي. عرض مسرحي من نوع الكوميديا السوداء. محكم المراحل والهيكيلية الأكاديمية لمسرح مماثل، يقترب بأهدافه من مسرحية «اللي شبكنا يخلصنا»، وفيها أرادت الكاتبة والمخرجة والممثلة أن تستعيد ذاتها من أسر السجون. أسر طبع مشوارها المهني والإنساني منذ بداياته، ودون شك استحوذ على جانب كبير من انشغالاتها.
زينة دكاش في جديدها المسرحي «زينة لبست خلخالها» ظهرت في فضائين مسرحيين منفصلين. الأول ذو خلفية سوداء كما لون الملابس التي اختارتها، خال من أي ديكور، شكّل نافذة التواصل مع والدها، وتجسيداً لمراحل حياتها. نادته طفلة، ومراهقة وناضجة، حكت، وعبّرت ورقصت ولامت أحياناً. ربما من خلال هذه النافذة تبرز الصلة الخاصة جداً التي تحكم علاقة الفتاة بوالدها. أب رفض الترحيب الفوري بولادتها كأنثى، ورفض التسليم بما أنجبه بطن زوجته. أب اصرّ على حاله هذا، فأستعار لإبنته منذ الطفولة تعريفات ذكورية بخاصة زيّون.
في جزء من عرضها هذا عبّرت زينة دكاش عن مجمل الناس في مواجهتهم السريعة مع مستلزمات الموت، وصولاً إلى تكريم الراحل أو الراحلة بالدفن. عالجت هذا المفصل من المسرحية وتلبّست شخصية رجل قريب من العائلة، وعليم بأصول وواجبات تكريم الميت وفق الطقس الديني المسيحي. لحظات ممزوجة بنقد وتهكم، ومزنّرة بهالة وجاهة، قد تُشكّل جامعاً مشتركاً بين كثيرين في مثل هذه الحالات، بخاصة لدى من يختارون دفناً متميزاً يحظى بحضور أعلى المتاح من ممثلي الكنيسة. ولأن بلاغاً رسمياً وصلنا قبل العرض بأن بعضه من وحي الخيال، اختلطت التساؤلات أين الحقيقة، وأين الخيال؟ وما هي الإضافة التي استدعاها المشهد الدرامي كي تتجاور ودياً الحقيقة مع الخيال؟ للحقيقة حدودها الثابتة. وللحياة مصاعبها الجمة. والموت يضع العائلات أمام جبل من المصاعب، قد تتكشف رويداً رويداً، و»إزالة الشيوع» أحدها.
بين الحقيقة والخيال نعيش دراما عائلية، وحياة أم وزوجة يتنازعها ابن مُصاب بالشلل، وحماة قاسية، وزوج «يدرس» كلّ مستجد بتأنٍ قد يمتد للأبد. كثير من الضحك المر تصاعد في الصالة. عبارات هي ابنة الواقع تلفظت بها زينة دكاش وكانت في مكانها. الفاظ من الحياة، عبّرت عن كيل طافح في هذا الموقع أو ذاك، من هذا الرجل او ذاك، ومن هذه المرأة او تلك. اوصاف ربما جاءت في موقعها حفراً وتنزيلاً كوليدة لحظتها.
بين زينة دكاش وكريم شبلي الذي شاركها العرض وكانا معاً بصدد اعداد عرض مسرحي لا يشبه الفولكلور ولا يشبه عروض برودواي، كان تبادل ادوار سلس. إثنان يلاحقهما الزمن، ويغرقان في صناديق العائلة ومستنداتها، وما بقي من ملابسها. ويصبح العرض الفلكلوي تائهاً بين صناديق العائلة ووثائقها.
مَرِنٌ كريم شبلي في تجسيد أكثر من شخصية. ساعدته طبيعة حضوره وشكله في تجسيد دور السكرتيرة، ودور القوّاد، إلى جانب انشغاله الأساس بكاتبة النص المسرحي الفلكلوري، وصراعه المتعب مع الوقت، وموعد حجز المسرح.
لَبِسَتْ زينة الخلخال. بدت وكأنها بمواجهة عبئ جديد. «تَسَرْبَل» جسدها معه أو تيبّس. كرجت دمعتها، ربما لأنها اقفلت على مرحلة من ماضيها المهني والعائلي.. فودّعتها بما يستوجبه وداع الراحلين. علماً أن الماضي يبقى ساكناً فينا. تتراجع مفاعيله بعد خضوعه لمبضع التشريح، الشخصي والعلاجي المتخصص. ننتظر زينة بحلة جديدة تطير كفراشة. ننتظرها بتجارب مسرحية جديدة هي اهل لها. عروض مسرحية «زينة لبست خلخالها» مستمرة على مسرح المونو إلى 21 الشهر الجاري.
