تعز- على مدخل المنفذ الشرقي لمدينة تعز، جنوب غربي اليمن، وقف بشار قاسم وحقيبته على ظهره، ينتظر العبور إلى منطقة الحوبان الحيوية، كان يظن أن رحلته ستسير كما اعتاد، قبل أن يعرف أن الطريق أُغلق بسبب المواجهات والقصف.

سأل قاسم عن طريق آخر، فأُبلغ بوجود ممر عبر منطقة سامع، فاستقل دراجة نارية وانطلق، تاركا خلفه الطريق الذي اختصر على سكان تعز خلال العامين الماضيين رحلة كانت تمتد ساعات طويلة بين المدينة والحوبان.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

بعد نحو نصف ساعة، وصلت امرأة مع زوجها على متن دراجة نارية، حاولت إقناع القائمين على المنفذ بالسماح لها بالعبور، وقالت إن أبناءها في الحوبان وإنها تريد الوصول إليهم، لكن القذائف المتساقطة في المنطقة جعلت المرور مستحيلا.

أُبلغت السيدة وزوجها بأن عليهما العودة وسلوك طريق آخر عبر سامع، فاستدارا عائدين وكان قلقهما واضحا على أبنائهم العالقين في الجهة الأخرى.

المنفذ الشرقي قبل إغلاقه(الجزيرة)منفذ تعز الشرقي قبل إغلاقه (الجزيرة)طريق أعاد وصل المدينة

ولا تبدو المسافة بين مدينة تعز والحوبان طويلة على الخريطة، لكن الحرب جعلتها لسنوات مسافة تقاس بالوقت والكلفة والخطر.

وكان فتح المنفذ الشرقي قد أعاد وصل جانبين من المدينة بعد سنوات من الانقطاع؛ حيث افُتتح في يونيو/حزيران 2024 على “خط سوفتيل” باتجاه الحوبان، بعد اتفاق بين السلطات الحكومية والحوثيين على تشغيله من السادسة صباحا حتى السادسة مساء.

جاء ذلك بعد سنوات من إغلاق الطرق المباشرة بين أجزاء تعز والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ اندلاع الحرب عام 2015، حين اضطر السكان إلى سلوك طرق جبلية وملتوية للوصول إلى وجهاتهم.

خريطة لمناطق الاشتباك في اليمن خريطة تتضمن تعز المخا – باب المندب – البحر الأحمر – الحديدة وتظهر الكدحة والبرح ومقبنة وحيس والجراحيخريطة مناطق الاشتباك في اليمن وخاصة تعز ومحيطها (الجزيرة)قبل فتح المنفذ الشرقي:
كان طريق “الأقروض”، الممتد من دمنة خدير والحوبان، أحد أبرز المسارات التي اعتمد عليها السكان على مدار 9 سنوات، لكنه كان يحتاج إلى ساعات طويلة، وقد تمتد الرحلة عبره إلى يوم كامل.
كما شكّل طريق “جبل حبشي” خيارا آخر شديد الوعورة، لكن فتح المنفذ الشرقي غيّر هذه المعادلة؛ فبدلا من رحلة طويلة عبر الجبال، أصبح بإمكان السكان الوصول بين المدينة والحوبان في وقت قصير، واستُخدم الطريق في التنقل اليومي للعمل والدراسة والعلاج وزيارة الأقارب.
إلا أن موقعه على خطوط التماس أبقاه مرتبطا بالتطورات العسكرية المحيطة به، وظلت المنطقة تشهد توترات وقصفا ومواجهات متقطعة.
قصف ومخاوف أمنية

مع تجدد التصعيد، توقفت حركة المدنيين من جديد، ليتزامن إغلاق المنفذ مع قصف مدفعي طال المناطق المحيطة به، إضافة إلى غارة جوية نفذتها القوات الحكومية، وفقا لمصدر عسكري مسؤول في المنفذ تحدث للجزيرة نت.

وقال المصدر إن الغارة استهدفت دبابة تابعة للحوثيين في جولة القصر بالقرب من معسكر التشريفات، مضيفا أن أحد الجنود تعرض للقنص قبل يومين أثناء وجوده فوق إحدى المركبات خلال أداء مهمته الأمنية في المنفذ.

من خطوط التماس شرقي مدينة تعز الحزيرة ترصد واقع الحرب، والدمار، قبل أن يأتي قرار إغلاق المنفذ، الصورة لمبنى صحيفة الثورة شرقي المدينة(الجزيرة)مبنى صحيفة الثورة شرقي مدينة تعز وعلى خطوط التماس حيث ترك القتال آثاره العميقة (الجزيرة)توترات

من جانبه يقول عمار السامعي، المسؤول الإعلامي في المنفذ الشرقي وفي “اللواء 22 ميكا”، إن الحوثيين كثفوا تحركاتهم بالقرب من المنفذ، إلى جانب محاولات متكررة للتسلل عبر الطريق بين المدنيين.

ويضيف أن الاشتباكات التي شهدها المنفذ صباح يوم السبت الثالث من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، جاءت في سياق هذه التوترات، مشيرا إلى أن الطيران استهدف دبابة تابعة للحوثيين في منطقة القصر.

وبحسب السامعي، اتُّخذ قرار إغلاق المنفذ بصورة احترازية على خلفية التحشيد الحوثي ومحاولات التسلل، إلى جانب التطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة.

قبل إغلاقه كان المنفذ يكتظ بالمركبات، الصورة من المنفذ الشرقي في اتجاه الحوبان (الجزيرة)المنفذ الشرقي في اتجاه الحوبان قبل إغلاقه حيث كان يكتظ بالمركبات يوميا (الجزيرة)طرق قليلة وحاجات كثيرة

وفي المكان، بدت الحركة العسكرية أكثر حضورا من حركة المسافرين، بينما تحولت المنطقة المحيطة بالطريق إلى مساحة مفتوحة على احتمالات القصف والقنص، مما جعل استمرار حركة المدنيين عبر المنفذ محفوفا بالمخاطر.

في السياق يقول السامعي إن المستفيدين من المنفذ ينتمون إلى شرائح مختلفة من سكان تعز، ولا سيما أبناء المناطق الشمالية، وإن الاعتماد عليه لم يكن مرتبطا برحلات استثنائية، وإنما بحركة يومية اعتادها السكان، وباتت الخيارات المتاحة بعد إغلاقه محدودة.

ويؤكد أن المنافذ الأخرى “شبه معدومة تماما” باستثناء طريق الخضراء في سامع، مضيفا “ولا يوجد أي طريق آخر مفتوح إلى الآن حاليا”.

منطقة حوض الإشراف، بداية المنفذ الشرقي، حيث المكان بلا زحمة مسافرين، ولا شيء سوى أصوات القذائف (الجزيرة)منطقة حوض الإشراف في بداية المنفذ الشرقي حيث خلا المكان من زحمة المسافرين وحلت أصوات القذائف (الجزيرة)المرضى.. رحلة أصعب

بالنسبة إلى المسافر، يعني ذلك رحلة أطول وكلفة إضافية، لكن بالنسبة إلى من يرتبط موعده بمستشفى أو جامعة أو أسرة في الجهة الأخرى، فإن المسألة تتجاوز مشقة الطريق.

تقيم شيماء القاضي، وهو اسم مستعار بناء على طلبها، في الحوبان الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتقول إن إغلاق المنفذ أعاد إلى السكان سؤالا قديما: كيف يمكن الوصول إلى المدينة؟ وتختصر شعورها بعبارة “وذلحين شنعمل؟ (والآن ما العمل؟)”.

يصبح السؤال أكثر إلحاحا لدى المرضى الذين يعتمدون على الخدمات الطبية في مدينة تعز. وتشير القاضي إلى مرضى الفشل الكلوي، الذين يحتاجون إلى الوصول المنتظم إلى مراكز العلاج.

وتقول إن المنفذ كان يتيح لهم الوصول إليها من دون الرحلات الطويلة التي عرفوها خلال سنوات الحرب. ومع إغلاقه عادوا إلى معاناة متكررة بكل ما تفرضه من وقت ونفقات ومجهود على مرضى لا يملكون خيارات كثيرة.

الجامعة أيضا خلف الطريق

لا يقتصر أثر الإغلاق على المرضى، فهناك طلاب يقيمون في الحوبان ويدرسون في جامعة تعز، وكان المنفذ جزءا من رحلتهم اليومية إلى قاعات الدراسة.

ويضعهم إغلاق الطريق، أمام خيارين؛ فإما الغياب عن المحاضرات أو سلوك طرق أطول وأكثر كلفة، من دون معرفة المدة التي سيبقى خلالها الطريق مغلقا.

بالنسبة إلى هؤلاء، تحول المنفذ بعد فتحه في 2024 إلى جزء من تفاصيل حياتهم اليومية؛ وأصبح طريقا للعمل والدراسة والعلاج ولقاء الأسر. ولهذا، فإن إغلاقه يؤثر على حياتهم كاملة ويحولها إلى طرق بديلة لم يكن السكان قد تخلصوا منها إلا قبل وقت قصير.

من هنا يمر المواطنين باتجاه المدينة، الجزيرة ترصد حجم الدمار الذي خلفه الحرب في تعز(الجزيرة)جانب من الدمار الذي خلّفته الحرب في مدينة تعز اليمنية (الجزيرة)شبح العزلة

قبل فتح المنفذ الشرقي، اعتاد سكان تعز أن يدفعوا كلفة الحرب مرتين: مرة في خطوط القتال، ومرة في الطرق التي قطعتها الحرب بينهم وبين أعمالهم ودراستهم وعلاجهم وأسرهم.

ومع العودة إلى الإغلاق، يتذكّر السكان مدى هشاشة الحياة التي نشأت حولهم خلال العامين الماضيين.

وتلخص القاضي ذلك بالقول: “الإغلاق مرادف للاختناق، وهذه الأرض والحدود هي نسيج من حياتنا؛ تحكم علينا بالعزلة، بالبعد عن الأهل، والحرمان من العلاج، والبحث الشاق عن مكان أكثر أمانا”.

ويدخل اليوم الثاني من إغلاق المنفذ، في ظل استمرار حدة المواجهات على جبهات القتال، دون أن تعلن السلطات الحكومية عن توقيت افتتاحه مرة أخرى.