موانئ تتوسع، آلاف الشاحنات تعبر جبال الحجر، خطوط أنابيب جديدة وشبكة قطارات تربط الخليج العربي/الفارسي بخليج عُمان. هكذا تحاول الإمارات تحويل موقعها الجغرافي إلى خطة بديلة لمضيق هرمز. ومع استمرار المخاطر التي تهدد الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، أصبحت الفجيرة وخورفكان أكثر أهمية من أي وقت مضى. غير أن بناء طريق حول هرمز شيء، والاستغناء عنه تماماً شيء آخر.

تقع دبي وأبو ظبي ومعظم الموانئ الكبرى داخل الخليج، ما يعني أن السفن تحتاج إلى عبور مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية. لكن على الجانب الآخر من جبال الحجر توجد الفجيرة وخورفكان، المطلتان مباشرة على خليج عُمان وخارج المضيق. هذه الميزة الجغرافية تحولت في الأشهر الأخيرة إلى ورقة استراتيجية.

الفجيرة وخورفكان

بالنسبة للإمارات، لم يبدأ البحث عن بديل لهرمز مع الأزمة الأخيرة. فالاستثمارات في الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب بدأت منذ سنوات، لكن الحرب سرعتها بصورة كبيرة.

ويشير تقرير لصحيفة “دي تسايت” الألمانية إلى أن موانئ الساحل الشرقي تحولت بسرعة إلى جزء أساسي من خطة الإمارات لتجاوز المضيق، بالتوازي مع بناء طرق جديدة وخط نفط إضافي وتوسيع شبكة السكك الحديدية.

منذ بداية الحرب ارتفعت صادرات النفط الخام عبر الفجيرة بنسبة 38 في المئة، لتصل في أواخر مارس/آذار إلى نحو 1.62 مليون برميل يومياً، بحسب بيانات نقلتها رويترز.

أما خورفكان، فشهد تحولاً أكثر وضوحاً. شركة “غلفتينر” المشغلة لمحطة الحاويات تقول إن عدد الحاويات المستوردة والمصدرة التي تتعامل معها أسبوعياً ارتفع من نحو ألفي حاوية إلى 50 ألفاً.

والقفزة الأكبر تظهر على الطرق. فقبل الحرب كانت حركة الشاحنات المرتبطة بالميناء تقدر بنحو مئة شاحنة يومياً. ثم ارتفع العدد إلى نحو سبعة آلاف شاحنة في اليوم.

وهذا يعني أن خورفكان لم يعد مجرد محطة لنقل الحاويات من سفينة إلى أخرى، بل أصبح مدخلاً مهماً للبضائع المتجهة إلى السوق الإماراتية، بل وإلى دول خليجية أخرى.

الجغرافيا تمنح الإمارات ميزة

تنبع أهمية هذه الخطة من حقيقة بسيطة: ليست كل دول الخليج قادرة على الالتفاف حول هرمز. الكويت وقطر والبحرين لا تملك منافذ بحرية خارج الخليج. والعراق يمتلك بدائل محدودة، بينما تستطيع السعودية نقل جزء من صادراتها عبر خط أنابيب طويل إلى ساحل البحر الأحمر. أما الإمارات فتملك ميناءين كبيرين على خليج عُمان، إضافة إلى خط أنابيب يصل حقول أبوظبي بالفجيرة. ولهذا أصبحت موانئها الشرقية أيضاً جزءاً من طرق إمداد تستخدمها دول أخرى في المنطقة.

لكن نقل التجارة إلى الساحل الشرقي لا ينتهي عند وصول السفينة. فالحاويات التي تصل إلى خورفكان يجب تخليصها جمركياً ثم نقلها إلى دبي وأبو ظبي أو إلى وجهات أخرى. ومع الزيادة الهائلة في الحركة أصبح تطوير البنية التحتية خلف الموانئ مهماً بقدر توسيع الموانئ نفسها.

ولهذا يجري تطوير مراكز لوجستية ومخازن وطرق جديدة. وتعمل “غلفتينر” على مركز لوجستي في الذيد، على مسافة نحو خمسين كيلومتراً من خورفكان، ليكون مرتبطاً بالميناء براً وبالسكك الحديدية مستقبلاً.

القطار يدخل المعادلة

شبكة السكك الحديديةأصبحت بدورها جزءاً من هذا التحول. وبدأت الإمارات في 30 يونيو/حزيران تشغيل المرحلة الأولى من قطارات الركاب بين أبوظبي والفجيرة، ثم افتتحت في 30 سبتمبر/أيلول محطتي دبي والذيد، لتربط الشبكة عملياً مناطق من الساحلين الشرقي والغربي

أما شبكة الشحن، التي سبقت قطارات الركاب، فهي الأكثر أهمية بالنسبة إلى الخطة اللوجستية، لأنها تسمح مستقبلاً بتقليل جزء من الضغط الذي تسببه آلاف الشاحنات.

لكن الشبكة لم تكتمل بعد. ويشير تقرير “دي تسايت” إلى أن خط الشحن يصل إلى الفجيرة، لكنه لا يوفر حتى الآن الربط الكامل المطلوب مع محطة خورفكان، وهو أحد أسباب استمرار الازدحام على الطرق

حدود شعار “صفر اعتماد على هرمز”

إذا كانت الحاويات قابلة للنقل بالشاحنات والقطارات، فإن النفط يمثل تحدياً أكبر.

يمتد خط أنابيب من حقول أبوظبي إلى الفجيرة، ويمكنه نقل ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً بعيداً عن هرمز. وهذا الخط هو الذي سمح للإمارات بمواصلة تصدير جزء كبير من نفطها عندما تعثرت الملاحة عبر المضيق لكن أبوظبي تريد مضاعفة هذه القدرة.

وتسرع الإمارات تنفيذ خط جديد من المقرر أن يرفع قدرة نقل النفط إلى الساحل الشرقي إلى نحو 3.6 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027

ومع ذلك تبقى هناك فجوة. الإمارات تستهدف قدرة إنتاجية تصل إلى نحو خمسة ملايين برميل يومياً. وحتى بعد اكتمال الخط الجديد لن تكون خطوط الأنابيب وحدها قادرة على نقل كل هذه الكميات بعيداً عن هرمز.

وهنا تظهر حدود شعار “صفر اعتماد على هرمز” الذي تطمح إليه السياسة التجارية الإماراتية.

البديل ليس آمناً تماماً

كما تكشف الأزمة عن مفارقة أخرى: كلما ازدادت أهمية الفجيرة وخورفكان، ازدادت أهميتهما أيضاً كأهداف محتملة.

وقد تعرضت منشآت في الفجيرة خلال الحرب لهجمات بطائرات مسيرة، من بينها هجوم أدى إلى حريق وإصابة ثلاثة عمال. كما أعلنت طهران مناطق قالت إنها تقع تحت سيطرتها البحرية تمتد باتجاه الساحل الشرقي الإماراتي

وهكذا فإن نقل البنية التحتية إلى خارج مضيق هرمز لا يعني بالضرورة إخراجها من دائرة الخطر. بل يمكن أن يؤدي تركيز جزء أكبر من النفط والحاويات وشبكات النقل في نقطتين على الساحل الشرقي إلى خلق نقاط ضعف جديدة.

وتلخص صحيفة “دي تسايت” الألمانية هذا التحول بالإشارة إلى أن ما كان يعتبر في زمن العولمة شديدة الكفاءة تكلفة زائدة، مثل المسارات البديلة والطاقات الاحتياطية، أصبح اليوم جزءاً من أي سلسلة إمداد تسعى إلى الصمود أمام الأزمات.

ولا يعني ذلك أن عصر هرمز يقترب من نهايته. فحتى مع المسارات البديلة، لا يزال المضيق واحداً من أهم ممرات الطاقة في العالم. وتظهر التطورات الأخيرة أن المنطقة قادرة على تعويض جزء من الصادرات المفقودة بطرق أخرى، لكنها لم تجد حتى الآن بديلاً يستطيع الحلول محله بالكامل.