يستعيد الممثل والمنتج الأمريكي مايكل دوغلاس علاقته المضطربة بوالده كيرك دوغلاس، ومعركته مع السرطان والإدمان والأخطاء التي ارتكبها مع أسرته، في مذكرات جديدة يصدرها بعد بلوغه 82 عاما، مؤكدا أنه لم يكن يستطيع كتابة هذه الاعترافات في حياة والده.
ويصدر دوغلاس الأسبوع المقبل كتابه “رحلة مذهلة” (One Helluva Ride)، الذي يقع في نحو 500 صفحة، ويعيد بناء حياته من خلال الأفلام التي صنعت شهرته، وفقا لحوار أجرته معه وكالة أسوشيتد برس في نيويورك.
قصص مقترحة list of 4 itemsend of list
ويبدأ الكتاب برسالة شكر إلى أسرته، بما تضم من أجيال رحلت وأخرى لا تزال حاضرة أو ستأتي مستقبلا؛ لأنها تمنحه ما يصفه بالإحساس بالخلود، وهي فكرة استعارها من والده عندما سُئل ذات مرة عما إذا كان يشعر بالغيرة من نجاح ابنه. وقال كيرك دوغلاس، حينها، إن نجاح الابن لا يثير غيرته، بل يمنحه استمرارا عبر الأجيال.
ويستند مايكل إلى الأسرة لفهم ما سيبقى منه بعد رحيله، إلى جانب الأفلام التي تحولت إلى علامات ثقافية في تاريخ هوليوود.
أفلام تحولت إلى فصول من حياته
يبني دوغلاس المذكرات حول صناعة مجموعة من أشهر أفلامه، بينها غريزة أساسية (Basic Instinct) وجاذبية قاتلة (Fatal Attraction) والسقوط (Falling Down) ورومانسية الحجر (Romancing the Stone).
غلاف كتاب “رحلة مذهلة” للممثل مايكل دوغلاس
ويتوقف أيضا أمام الفيلمين اللذين قاداه إلى جائزتي أوسكار، فقد فاز أولا بصفته منتجا لفيلم “أحدهم طار فوق عش الوقواق” (One Flew Over the Cuckoo s Nest)، الحاصل على جائزة أفضل فيلم، ثم نال أوسكار أفضل ممثل عن “وول ستريت” (Wall Street).
وجسد دوغلاس في وول ستريت شخصية المضارب المالي غوردون غيكو، الذي تحولت عبارته الجشع جيد إلى شعار يلخص جانبا من ثقافة المال خلال ثمانينيات القرن الماضي، رغم أن الفيلم قدم الشخصية باعتبارها نموذجا للجشع والانهيار الأخلاقي.
ولا يحاول الممثل، وفقا لما يقوله، كتابة سجل انتصارات مهنية، بل يستخدم الأفلام لاستعادة المراحل التي عاشها خارج الشاشة، من التمرد ومحاولة التحرر من اسم والده إلى الشهرة والأخطاء الشخصية ثم مواجهة الشيخوخة والموت.
ابن سوبرمان
يصف دوغلاس والده بأنه بدا له خلال طفولته مثل سوبرمان ، فقد شاهده يجسد سبارتاكوس وأوليسيس، ورأى فيه القوة والإصرار والطموح، لكنه لم يعتقد أنه يستطيع أن يصبح الرجل نفسه.
وحمل اسم كيرك دوغلاس امتيازات كبيرة، لكنه فرض على الابن أيضا عبء إثبات أنه أكثر من وريث لنجم شهير، وظل مايكل يُعرَف في بداية حياته بأنه ابن كيرك دوغلاس، قبل أن يصنع هويته المستقلة ممثلا ومنتجا.
ويقول إنه ورث من والده الإصرار والطموح، لكنه ورث أيضا الغضب وحدة المزاج، ثم وجد نفسه يرتكب عددا من الأخطاء نفسها التي حاول طوال شبابه الابتعاد عنها. ولم يخطط دوغلاس في الأصل لاحتراف التمثيل، بل اختاره تخصصا جامعيا عندما طلبت منه الكلية تحديد مجال للدراسة. وظن أن التمثيل سيكون سهلا لأن والديه يعملان في المجال، لكنه عانى خوفا شديدا من المسرح كان يدفعه أحيانا إلى القيء خلف الكواليس.
واستمر في التدريب لأنه أراد التغلب على خوفه من الوقوف أمام الجمهور والكاميرا، فتحولت المهنة التي دخلها باعتبارها اختيارا مريحا إلى معركة مع القلق ومع صورة الأب التي لاحقته.
عنف لم يستطع الكلام عنه
يكشف دوغلاس أن طفولته تأثرت بالطلاق والعنف داخل المنزل، وأن والده كان يضربه، بينما استخدمت والدته الممثلة ديانا دوغلاس فرشاة الشعر في العقاب، ويربط صعوبة التقارب مع أبيه بتلك السنوات، موضحا أنه احتاج إلى وقت طويل ليفهمه ويسامحه.
الأب النجم كيرك دوغلاس في زيارة لابنه مايكل أثناء تصوير أحد أفلامه الأولى (غيتي)
وعندما سُئل عما إذا كان يستطيع نشر هذه التفاصيل بينما كان كيرك حيا، أجاب بالنفي، لأنه لم يكن مرتاحا للحديث علنا عن الاعتداء الجسدي في طفولته. وتحسنت علاقة الأب والابن خلال السنوات الأخيرة من حياة كيرك، بعد عقود من المنافسة والصمت ومحاولة كل منهما فهم الآخر.
ويتذكر مايكل أن والده قال له عقب فوزه بأوسكار وول ستريت إنه كان سيعامله بلطف أكبر لو عرف مقدار النجاح الذي سيحققه. ولم تكن تلك المصالحة إلا نتاج مرور الوقت والتقدم في العمر والنضج، أو كما يشير دوغلاس أنها حدثت حين أصبح قادرا على رؤية والده إنسانا عاديا، لا بطلا خارقا ولا خصما مطلقا.
هل أنا الرجل السيئ؟
يختار دوغلاس عبارة من فيلم “السقوط”، يراها الأقرب إلى حياته، حين يسأل بطل الفيلم بعد سلسلة من أعمال العنف: هل أنا الرجل السيئ؟ ويشرح أن العبارة تمسه لأنه حاول في حياته اتخاذ القرارات الصحيحة، لكنه وجد نفسه أحيانا داخل مواقف ظهر فيها باعتباره الطرف المخطئ، ويقول إنه تعامل بقسوة مع نفسه خلال كتابة المذكرات، وحاول ألا يخفي مسؤوليته عن بعض ما جرى.
ويتناول الكتاب طلاقه من زوجته الأولى دياندرا لوكر، ويعترف بأنه أمضى وقتا طويلا بعيدا عن المنزل بسبب انشغاله بالعمل، لكنه لا يدعي أنه كان سيتخذ قرارا مختلفا لو عاد إلى الماضي؛ لأنه لا يعتقد بإمكان تحقيق توازن كامل بين الأسرة والمسيرة المهنية.
وينصح أبناءه بتثبيت مساراتهم المهنية قبل الزواج والإنجاب، معتبرا أن استغراقه الكامل في العمل ترك أثرا عميقا في زواجه الأول وعلاقته بأسرته.
الإدمان والسجن والسرطان
يتناول دوغلاس كذلك تجربته مع تعاطي المخدرات والعلاج من الإدمان، ومعركة ابنه كاميرون، الذي أمضى سبعة أعوام في السجن على خلفية قضايا مرتبطة بالمخدرات.
وتزوج دوغلاس زيتا جونز عام 2000، واستقرت علاقتهما بعد سنوات عاش خلالها حياة ارتبطت في الصحافة بالشهرة والترف والعلاقات المتعددة.
ويستعيد أيضا تشخيص إصابته بسرطان اللسان في المرحلة الرابعة عام 2010، حين اعتقد في البداية أن المرض سينهي حياته، وأجبره السرطان على مواجهة احتمال الموت بعد سنوات تعامل فيها مع جسده ونجاحه كما لو كانا قادرين على الاستمرار بلا نهاية.
لا يبحث عن قمة أخرى
يقول دوغلاس إنه لم يعد يشعر بحاجة قوية إلى تجاوز إنجازاته السابقة، وأصبح قادرا على الاستمتاع بالمشي في الحديقة بدلا من البحث المستمر عن الدور أو الجائزة التالية. ولا تعني هذه الفكرة أنه اعتزل الحياة العامة، لكنها تكشف تغير نظرته إلى النجاح، فبعدما أمضى سنوات يحاول الخروج من ظل والده وإثبات اسمه، أصبح يقيس ما حققه بعلاقته بأسرته وما يستطيع تركه للأجيال التالية.
ويقدم رحلة مذهلة محاولة لترتيب تلك التركة، فلا يكتفي دوغلاس باستعادة الأفلام والجوائز، بل يعود إلى الذكريات التي تجنب الكلام عنها طوال حياة والده، ويضعها إلى جانب الإدمان والمرض والطلاق والنجاح.
ويبدو الخلود في مذكراته أقل ارتباطا ببقاء صورة الممثل فوق الشاشة، وأكثر اتصالا باستمرار العائلة وقدرة الأبناء على حمل الحكاية وتعديلها، حتى لو تضمنت ما حاول الآباء إخفاءه.
عائلة تعيش في السينما
وُلد مايكل دوغلاس عام 1944 لوالده كيرك دوغلاس ووالدته الممثلة ديانا ديل، وبدأ حضوره الجماهيري من خلال مسلسل “شوارع سان فرانسيسكو” (The Streets of San Francisco) في السبعينيات، قبل أن يثبت قدرته منتجا بفيلم “أحدهم طار فوق عش الوقواق” (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)، الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم عام 1976.
كاميرون دوغلاس مع والده (غيتي)
وتحول إلى أحد أبرز نجوم هوليوود عبر أفلام وول ستريت وجاذبية قاتلة وغريزة أساسية والسقوط، ثم واصل العمل في أفلام مثل ترافيك (Traffic) وسلسلة الرجل النملة (Ant-Man).
أما كيرك دوغلاس، فولد عام 1916 باسم إيسور دانييلوفيتش لأسرة مهاجرة من الإمبراطورية الروسية، وشق طريقه من الفقر إلى صدارة هوليوود خلال الأربعينيات والخمسينيات. واشتهر بأفلام البطل (Champion) ودروب المجد (Paths of Glory) وسبارتاكوس (Spartacus)، وحصل على ثلاثة ترشيحات لأوسكار أفضل ممثل قبل منحه جائزة فخرية عام 1996.
وأدى كيرك دورا بارزا في مواجهة القائمة السوداء بهوليوود، عندما أصر على إظهار اسم الكاتب دالتون ترامبو في مقدمة سبارتاكوس، بعد سنوات من حرمانه العمل بسبب مواقفه السياسية، وتُوفي عام 2020 عن 103 أعوام، تاركا إرثا فنيا ثقيلا حاول ابنه طوال مسيرته الاستقلال عنه، قبل أن ينتهي إلى اعتباره امتدادا عائليا يمنحه معنى مختلفا للبقاء.
