غيّرت مواقع التواصل الاجتماعي طريقة البشر في تكوين صداقاتهم ومتابعة الأخبار والتعبير عن آرائهم وإدارة أعمالهم، ومنحت الأفراد قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى الآخرين وصناعة المحتوى وتنظيم الحملات، لكنها فتحت في المقابل أبوابا واسعة للعزلة والتنمر والإدمان وانتهاك الخصوصية وانتشار المعلومات المضللة والاستقطاب السياسي.
وانعكس هذا الحضور على السينما والتلفزيون، فتحولت شاشة الهاتف والمنشورات والتعليقات والإشعارات إلى مشاهد ثابتة في الأعمال الفنية، ولم يعد ممكنا تقديم حياة معاصرة كاملة من دون إظهار الطريقة التي تعيد بها المنصات تشكيل الحب والصداقة والعمل والسمعة والصراع الاجتماعي.
قصص مقترحة list of 4 itemsend of list
لكن فيسبوك تجاوز موقع الأداة داخل الحكايات ليفوز بفيلمين كبيرين عن قصته وتأثيره؛ تناول الأول، “الشبكة الاجتماعية” (The Social Network)، الذي عرض عام 2010، نشأة الموقع والصراع الذي رافق تأسيسه، بينما ينتقل فيلم “الحساب الاجتماعي” (The Social Reckoning)، الذي يبدأ عرضه في دور السينما يوم التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى مرحلة محاسبة المنصة على آثار خوارزمياتها في الصحة النفسية والسلامة العامة والسياسة.
وبين الفيلمين، تتحول الحكاية من شباب يبنون شبكة للتواصل إلى أفراد يحاولون مواجهة القوة التي أصبحت تمتلكها هذه الشبكة.
تسريب وثائق
ويركز الفيلم الجديد على الموظفة السابقة في فيسبوك فرانسيس هوغن، التي سربت آلاف الوثائق الداخلية إلى الصحفي جيف هورويتز، وأسهمت شهادتها في فتح نقاش دولي حول تأثير منصات الشركة في الصحة النفسية للمراهقين والسلامة العامة والسياسة.
جيريمي ألين وايت ومايكي ماديسون في فيلم “الحساب الاجتماعي (آي ام دي بي)
وقال الكاتب والمخرج آرون سوركين لوكالة رويترز إنه لم يكن يخطط لصناعة فيلم آخر عن فيسبوك، لكنه عثر على فكرته بعد لقاء هوغن، في وقت كان يعاني فيه عجزا عن تطوير مشروع جديد استمر نحو عام. وأوضح أن قصتها بدأت تتحول في ذهنه إلى فيلم عن مواجهة غير متكافئة بين أفراد محدودي النفوذ وواحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
يصف سوركين الفيلم بأنه قصة داود وجالوت، لكن المواجهة تضم هذه المرة شخصيتين تؤديان دور داود؛ الأولى فرانسيس هوغن التي قررت إخراج وثائق الشركة إلى العلن، والثانية الصحافة المطبوعة التي استخدمت التحقيق والوثائق لمواجهة نفوذ شركات التكنولوجيا. وتدور الأحداث حول اللقاءات التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2020 بين هوغن والصحفي جيف هورويتز، الذي كان يعمل آنذاك في صحيفة وول ستريت جورنال.
وقدمت الموظفة السابقة إليه آلاف الوثائق الداخلية التي أصبحت الأساس لسلسلة تحقيقات ملفات فيسبوك (The Facebook Files)، التي بدأت الصحيفة نشرها عام 2021. وتكشف الأحداث تردد هوغن في إعلان هويتها، قبل أن تقتنع بأن الوثائق ستكتسب تأثيرا أكبر إذا ارتبطت بشخص يمكنه تفسيرها والدفاع عن مضمونها علنا.
وظهرت هوغن بعد ذلك أمام الكونغرس، وقالت إن خوارزميات فيسبوك كانت تدفع المحتوى المثير للانقسام والغضب إلى المستخدمين، لأن هذا النوع من المنشورات يرفع معدلات التفاعل ويزيد أرباح الشركة.
فيسبوك بين التأسيس والمحاسبة
قدم أرون سوركين في “الشبكة الاجتماعية”، الذي عرض عام 2010، معالجة درامية لقصة تأسيس فيسبوك والصراع بين المشاركين في إطلاقه، وأدى جيسي آيزنبيرغ شخصية مارك زوكربيرغ، بينما أخرج الفيلم ديفيد فينشر، وفاز سوركين عنه بجائزة أوسكار أفضل سيناريو مقتبس.
أما “الحساب الاجتماعي” فلا يعود إلى البدايات، بل ينتقل إلى مرحلة أصبحت فيها الشركة، التي غيرت اسمها إلى ميتا، قوة عالمية تواجه اتهامات بالتأثير في الديمقراطية والصحة النفسية وانتشار المعلومات المضللة.
فيلم “الشبكة الاجتماعية ” الذي قدمت هوليود من خلاله قصة الفيسبوك (آي ام دي بي)
ويتولى سوركين هذه المرة كتابة الفيلم وإخراجه، بينما يؤدي جيريمي سترونغ، بطل مسلسل الخلافة (Succession)، شخصية زوكربيرغ، بعدما رفض آيزنبيرغ العودة إلى الدور. ويجسد جيريمي ألن وايت، بطل مسلسل الدب (The Bear)، شخصية الصحفي جيف هورويتز، بينما تؤدي مايكي ماديسون دور فرانسيس هوغن، بعد فوزها بأوسكار أفضل ممثلة عن فيلم أنورا (Anora).
ويظهر زوكربيرغ شخصية مساعدة في الحكاية، إذ يضع الفيلم اهتمامه الأساسي على العلاقة بين المسربة والصحفي، وعلى الطريقة التي انتقلت بها المعلومات من أجهزة الشركة ووثائقها الداخلية إلى تحقيق صحفي ثم إلى جلسات الكونغرس.
وقائع حقيقية ومعالجة متخيلة
اشترت شركة سوني بيكتشرز حقوق تقديم قصة هورويتز المرتبطة بتحقيقاته السابقة عن فيسبوك أثناء عمله في وول ستريت جورنال، لكنها تقدم الأحداث في صورة درامية متخيلة، وليست إعادة حرفية للوقائع. ولم يشارك هورويتز في إنتاج الفيلم أو يمتلك سلطة على محتواه، لكنه التقى سوركين وأجاب عن أسئلته المتعلقة بعملية التحقيق وعلاقته بهوغن.
وقال الصحفي إن سوركين أبلغه منذ البداية بأنه سيغير بعض التفاصيل والتسلسل الزمني حتى يبني الحكاية السينمائية التي يريدها، وأن شخصية جيف السينمائية لن تكون نسخة دقيقة منه، بل شخصية مركبة تستند إلى صفات وخبرات صحفيين استقصائيين. ولم يقرأ هورويتز السيناريو قبل اكتماله، ووصف الفيلم بأنه عمل مستوحى من الأحداث أكثر منه عملا مبنيا عليها بمعناها الحرفي.
ويعمل هورويتز حاليا صحفيا استقصائيا في رويترز، واستمر في تغطية شركة ميتا بعد انضمامه إلى الوكالة عام 2025. وفاز عام 2026 بجائزة بوليتزر، بالاشتراك مع زميلته إنغن ثام، عن تحقيقات تناولت سماح الشركة لروبوتات الدردشة بسلوكيات استفزازية، وتحقيقها مليارات الدولارات من إعلانات احتيالية.
ولا يستخدم الفيلم تحقيقات هورويتز عن فيسبوك أو إنستغرام أو ميتا التي أنجزها منذ انتقاله إلى رويترز، بل يقتصر على المرحلة السابقة المرتبطة بتسريبات هوغن وملفات فيسبوك.
جاستن تمبرليك وجيسي آيزنبيرغ في فيلم “الشبكة الاجتماعية” (آي ام دي بي)
ويقر الكاتب والمخرج أن الوقائع الأساسية في الفيلم صحيحة، لكنه يعترف بابتكار الحوارات وإعادة ترتيب الزمن حتى تتحول الأحداث الحقيقية إلى سرد سينمائي متماسك، موضحا أن الناس لا يعيشون حياتهم في مشاهد مرتبة تنتهي بتكوين قصة، كما أنهم لا يتحدثون في حوارات مكتوبة بالطريقة التي تظهر في الأفلام، ولذلك يحتاج كاتب السيناريو إلى ملء المساحات التي لا توفرها الوثائق والسجلات.
ويلخص الفارق بين عمل الصحفي وكاتب السيناريو بقوله إن الصحفي يلتقط صورة فوتوغرافية، بينما يرسم كاتب السيناريو لوحة. وتكشف المقارنة طبيعة الفيلم، الذي يستخدم وقائع موثقة وشخصيات حقيقية، لكنه لا يطلب من المشاهد التعامل معه كسجل لما جرى.
ميتا تمتنع عن الرد
وامتنعت شركة ميتا عن التعليق على الفيلم، لكنها سبق أن رفضت الصورة التي قدمتها هوغن عن طريقة عمل فيسبوك. وعندما أدلت الموظفة السابقة بشهادتها أمام الكونغرس، قالت الشركة إنها تختلف مع وصفها لآليات التشغيل واتخاذ القرار.
كما دافع زوكربيرغ عن فيسبوك في منشور، واعتبر أن القول إن الشركة تدفع عمدا المحتوى الذي يغضب المستخدمين من أجل تحقيق الأرباح غير منطقي. وعادت قضية حماية المراهقين إلى الواجهة في أغسطس/آب 2026، عندما وافقت ميتا على دفع ما يصل إلى 18 مليار دولار خلال 10 أعوام، ضمن تسوية مع ولايات أمريكية تفرض قيودا صارمة على استخدام المراهقين فيسبوك وإنستغرام. ونفت الشركة ارتكاب مخالفات، وقالت إن ضمان حصول المراهقين على تجربة آمنة ومنتجة داخل منصاتها يمثل ضرورة مطلقة.
ويأتي “الحساب الاجتماعي” في لحظة تختلف جذريا عن الفترة التي ظهر فيها الشبكة الاجتماعية، فقد كان الفيلم الأول يسأل كيف أنشأ طلاب جامعة منصة ستغير التواصل الإنساني، بينما يسأل العمل الجديد عمن يستطيع محاسبة المنصة بعدما تحولت إلى مؤسسة تمتلك البيانات والخوارزميات والموارد التي تؤثر في حياة مليارات الأشخاص.
