تتَّجه الأنظار إلى مدينة تامبا الأمريكيَّة، حيث تستعد الأطراف المعنية لجولةٍ جديدةٍ من المحادثات اللُّبنانيَّة – الإسرائيليَّة، وسط نقاش متصاعد بين اللُّبنانيّين بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المفاوضات تتَّجه من بحث قضايا الانسحاب والسِّيادة إلى التَّركيز على ترتيبات عسكريَّة وأمنيَّة لإدارة الوضع في جنوب البلاد.
وتشمل الملفَّات المطروحة لهذه الجولة المرتقبة وقف عمليَّات التَّجريف وهدم المنازل وإطلاق النَّار والعمليَّات القتاليَّة، إلى جانب استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتحديد مناطق نموذجيَّة، ومعالجة قضيَّة الأسرى، وتهيئة الظَّروف أمامَ عودةِ السُّكان إلى قراهم. وغيرها من التَّرتيبات العسكريَّة، ولهذا يغلب على الشَّخصيَّات المشاركة الطَّابع العسكري.
متطلبات رئيسيَّة
وتتطلَّب الملفَّات سابقة الذَّكر نقاشاً ميدانيَّاً تفصيليَّاً، يتعلَّق بمواقع الانسحاب، ونقاط توقُّف العمليَّات، وآليَّات انتشار الجيش اللُّبناني، والمناطق الّتي يمكن للسُّكان العودة إليها، وهو ما يفسر الحضور البارز للجانب العسكري والأمني في محادثات تامبا، وذلك على وقع استمرار العمليَّات العسكريَّة في الجنوب، وإن كان بوتيرةٍ أقل من السَّابق، الأمر الّذي يجعل تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار ووقف إطلاق النَّار شرطاً ضروريَّاً للمضي قُدُمَاً في أيّ مسار سياسي.
ووفق عدد من التَّقارير الصّحفيَّة اللُّبنانيَّة، فإنَّ الولايات المتَّحدة تركِّز في هذه المرحلة على الضَّغط على إسرائيل لحسم القضايا العسكريَّة والأمنيَّة العالقة، وفي مقدِّمتها استكمال الانسحاب ووقف أعمال التَّجريف والهدم وإطلاق النَّار، مؤكِّدةً أنَّ ذلك لا يعني إلغاء المسار السِّياسي أو استبداله بمسار عسكري، لا سيَّما في ظلِّ اختلال موازين القوى لصالح تل أبيب.

هنا يقول السَّفير مسعود معلوف الدّبلوماسي اللُّبناني السَّابق، في تصريح هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF): إنَّ حزب الله ضدَّ المفاوضات، ويعتقد أنَّها لمصلحة إسرائيل، بينما الحكومة ترى أنَّهُ لا سبيل أمامها إلّا المفاوضات، مشدِّداً على أنَّهُ في واقع الأمر لا سبيل أمام بيروت إلّا المفاوضات وفي ظلِّ اختلال موازين القوى.
وأضاف قائلاً: “لو كان هناك على الأرض احتمالات واقعيَّة لهزيمة إسرائيل كنْتُ أفضِّل عدم القيام بالمفاوضات إلّا من نقطة قوَّة، لكنَّ تل أبيب لديها القدرة على تدمير كلِّ شيءٍ، ليس مواقع حزب الله وإنَّما المنازل والمستشفيات والمدارس وغيرها، والجيش اللُّبناني وكذلك وحزب الله ليس لديهما القوَّة الكافية والقدرة لوقف إسرائيل “.
وفي هذا السِّياق، دعا الدّبلوماسي اللُّبناني السَّابق الحكومة اللُّبنانيَّة إلى العمل على إشراك دول مثل فرنسا وبريطانيا والاستعانة بهما في عمليَّة التَّفاوض، على نحو يمكن من فرض المزيد من الضَّغوط على إسرائيل للانسحاب من الجنوب، وضمان أنْ تكون المفاوضات أكثر جدِّيَّة.
موقف إسرائيل
لكن على مدار الفترة الماضية كانت التَّصريحات الّتي تأتي من الجانب الإسرائيلي تؤكِّد أنَّهُ لا انسحاب من جنوب لبنان إلّا بشرطين، الأول بعد نزع سلاح حزب الله، وهو الشَّرط الّذي يضع حكومة لبنان بين المطرقة والسَّندان، أيّ بين بقاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب أو الدَّخول في مواجهة عسكريَّة مع الحزب لنزع سلاحه، وهي الخطوة الّتي تدفع البلاد نحو الحرب الأهلية، ولا يتوقَّع أنْ تقدم عليها الحكومة.
أما الشرط الثَّاني الّذي تتمسك به تل أبيب هو “زوال الخطر القادم من لبنان على إسرائيل”، وهو شرط مطاطي، حيث تبقى مسألة تحديد زوال هذا الخطر من عدمه متروكة لقناعات الإسرائيليّين. ومن ثمَّ فإنَّ هذا الشَّرط يمكن أنْ يتحوَّل في أيّ لحظةٍ إلى ذريعة لمزيد من التَّدخُّلات العسكريَّة في الأراضي اللُّبنانيَّة، أو عدم الانسحاب من الأساس وتثبيت الوضع الرَّاهن.

بدوره، يقول عضو الحزب الجمهوري الأمريكي والكاتب السِّياسي مالك فرنسيس: إنَّ المجتمع الدَّولي مطالب فيما يخصُّ لبنان بإثبات أنَّ القانون الدَّولي لا يُطبَّق على الضَّعفاء فقط، مشدِّداً على أنَّ اللُّبنانيّين يريدون السَّلام، لكنَّهم يريدون في الوقت نفسه سلاماً يحفظ كرامة لبنان وسيادته ودماء أبنائه.
وأضاف أنَّ المطلوب ليس مفاوضات من أجل المفاوضات، أو اجتماعات لالتقاط الصُّور، أو إصدار بيانات جديدة، وإنَّما الوصول إلى نتائج حقيقيَّة، وفي مقدِّمتها وقف قتل الأبرياء وحماية المدنيين واحترام سيادة لبنان. مؤكِّداً أنَّ الاتِّفاقات والقرارات الدَّوليَّة يجب أنْ تُطبَّق على الجميع دون استثناء.
في المحصلة، تبدو مفاوضات لبنان وإسرائيل أمامَ اختبارٍ صعبٍ، في ظلِّ اختلال واضح في موازين القوى وتباين جوهري في أهداف الطَّرفين. وبينما تسعى بيروت إلى تثبيت السِّيادة ووقف الاعتداءات واستكمال الانسحاب، تحاول تل أبيب فرض شروط أمنيَّة مفتوحة، ما يجعل نجاح المفاوضات مرهوناً بقدرة المجتمع الدَّولي على ضمان اتِّفاق عادل وملزم.
