بيروت-«القدس العربي»: تواصل الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، حيث سمع دوي انفجارات عنيفة فجر الجمعة وصلت أصداؤها إلى مدينة صيدا وجوارها. وقرابة الخامسة فجرًا، شنّ الطيران الحربي غارة على أطراف بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية. تزامن ذلك مع إعلان جيش الاحتلال أمس الجمعة مقتل ضابط إسرائيلي وإصابة ثلاثة جنود بجروح طفيفة عندما انقلبت مركبتهم في جنوب لبنان يوم الخميس، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي. وانقلبت المركبة خلال عملية في منطقة الليطاني. وقال الجيش إنه يراجع ملابسات الحادث.
كما تعرضت بلدة المنصوري لقصف مدفعي إسرائيلي طال وادي السلوقي، وأطراف بلدات النبطية الفوقا وكفرتبنيت وميفدون وبرعشيت وحداثا ووادي زبقين، وحلّق الطيران الحربي الإسرائيلي على مستوى منخفض في أجواء الجنوب، وكان استهدف ليلاً المنصوري ومجدل زون والاودية المجاورة لهما، بالإضافة إلى إطلاق القنابل المضيئة فوق بلدتي بيت ليف وصربين.
واستهدفت دبابة ميركافا متمركزة في بلدة البياضة بعيد منتصف الليل مرج المنصوري بعدد من القذائف. وتعرضت النبطية الفوقا لقصف مدفعي متقطع من مرابض الجيش الإسرائيلي، كان سبقه قصف استهدف المنطقة بين بلدتي حداثا وحاريص، وأطراف ميس الجبل. كذلك، استهدف القصف المنطقة الواقعة بين بلدتي شقرا وميس الجبل. وبالتزامن نفذ الجيش الإسرائيلي عملية تمشيط بالرشاشات الثقيلة طاولت أطراف بلدة حداثا لجهة رشاف.
وتوغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من عناصر مشاة وجرافة عسكرية من نوع D9 لمسافة نحو 50 متراً من نقطة للجيش اللبناني عند خزان بلدة زوطر الغربية، حيث عملت الجرافة على اقتلاع أشجار الزيتون، في عملية جرف مستمرة منذ يوم الخميس.
وبحسب تقارير، فقد أفيد عن استهداف فاشل لسيارة جيب في منطقة حوش السيد قرب الحدود اللبنانية السورية من دون وقوع اصابات بعدما أخطأ الصاروخ هدفه، وهذه المرة الأولى التي يشن فيها الجيش الإسرائيلي غارة خارج جنوب لبنان منذ وقف اطلاق النار وتحديداً منذ أن تم قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، وردّت بعدها إيران بضرب إسرائيل.

بعد زيارة كالاس لبيروت… طلائع بعثة عسكرية أوروبية نهاية العام مع إنهاء مهمة «اليونيفيل»

ويأتي ذلك في إطار العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان منذ 2 مارس/ آذار الماضي، والذي خلف 4386 شهيداً و12 ألفاً و413 جريحاً، وفق آخر إحصائية لوزارة الصحة اللبنانية بتاريخ 25 سبتمبر/ أيلول الماضي.
وفي 26 يونيو/ حزيران الماضي، وقعت بيروت وتل أبيب في واشنطن «صيغة إطار» برعاية أمريكية، تنص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. ورغم الاتفاق، تواصل إسرائيل هجماتها على جنوب لبنان، فيما لا تزال تحتل مناطق فيه، بعضها منذ عقود وأخرى سيطرت عليها خلال الحروب والعمليات العسكرية الأخيرة.

بعثة أوروبية

وفيما يُرتقب أن يتوجّه وفد نيابي إلى الأمم المتحدة حاملاً مذكرة تطالب بالتمسك بقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان، يُفترض أن تصل إلى بيروت نهاية العام طلائع المهمة الأمنية الأوروبية والتي ستضم أكثر من مئة عسكري من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، في إطار مهمة لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من دون أن تنتشر في الجنوب، وكشف دبلوماسي أوروبي «أن الاتحاد الأوروبي تسلّم طلباً رسمياً من لبنان لنشرها».
ومن شأن إرسال هذه البعثة أن يشكل اختراقاً عسكرياً أوروبياً في توقيت بالغ الأهمية بعدما باتت الرعاية الأمريكية أساس الحل والربط في الجنوب. وفي هذا الإطار، برزت زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية والأمنية كايا كالاس لبيروت حيث تناولت المحادثات اهمية عدم حدوث فراغ بعد «اليونفيل»، وأكدت كالاس «أن الاتحاد الأوروبي أنجز التخطيط لبعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بعد تلقيه دعوة رسمية من السلطات اللبنانية». وأوضحت أنها «تتوقع أن يُقرّ وزراء خارجية الاتحاد إنشاء البعثة رسمياً يوم الاثنين 12 تشرين الأول/أكتوبر الحالي بهدف تعزيز سلطة الجيش والقوى الأمنية على الأراضي اللبنانية وأمن الحدود والأمن الداخلي، بما يتماشى مع القرار 1701»، مشددة على «أنها لن تحلّ مكان «اليونيفيل» ولن تقتصر على الجنوب».

تمويل «حزب الله»

في غضون ذلك، أخذ موضوع التمويل الايراني ل «حزب الله» حيّزاً من النقاس في لبنان بعدما نقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين مطلعين «أن الحزب تلقى 200 مليون دولار من طهران، بهدف مساعدة الذين نزحوا جراء الحرب مع إسرائيل هذا العام، في أول مساعدة كبيرة من هذا النوع لأنصاره».
وقد نُقل عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت، قوله «إن لدى حزب الله كل الأسباب التي تدفعه إلى ترويج قصص كهذه عبر مصادر مجهولة، وبإمكانه الادعاء بما يشاء، لكن الأموال غير موجودة». واعتبر «أن الحزب مُني بضربات ساحقة، وتسبّب في معاناة مئات الآلاف من اللبنانيين الأبرياء، وهو يحاول الآن حفظ ماء وجهه بروايات ملفقة حول تدفّق أموال من إيران».
وذكرت مصادر محلية «أن أحد نواب الحزب تعمّد تسريب معلومات عن الحصول على مبلغ الـ200 مليون دولار للتضليل ووضع الحكومة أمام مساءلة خارجية»، مشيراً إلى أنه «وفق المعطيات فالأموال التي ستصرف موجودة في لبنان ويحتفظ بها الحزب منذ فترة سيطرته على مرافق الدولة ومرافئها».

جدل‭ ‬حول‭ ‬حقيقة‭ ‬التمويل‭ ‬الايراني‭ ‬لـ«حزب‭ ‬الله‮»‬ بـ200‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لدفع‭ ‬‮«‬بدل‭ ‬إيواء‮»‬‭ ‬للنازحين‭ ‬

إلا أن مسؤولاً أمنياً لبنانياً سابقاً رأى «أن حزب الله ما كان ليعلن عبر أمينه العام الشيخ نعيم قاسم البدء بدفع بدلات إيواء من دون أن تكون توافرت له الأموال اللازمة للعملية، لأن عدم التزامه يُسبب ارتداداً واسعاً عليه حتى داخل بيئته، وأما اعتبار وصول المال مجرد شائعة فكلام غير دقيق إطلاقاً».

أيوب تنتقد «حزب الله»

في المواقف، دعت عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائبة غادة أيوب «وزراء حزب الله الى مغادرة الحكومة طالما خطابهم يتناقض مع خطابها وهم يمثلون مجموعة مسلحة، والحزب الذي ينتمون إليه يرفض تنفيذ قرارات الدولة»، وأكدت «أن وجود القوات اللبنانية في الحكومة هو أساسي لدعم الخط السيادي، ومستمرون في المواجهة».
وقالت «نحن اليوم ندفع ثمن مساندة غزة والطائفة الشيعية الكريمة هي اليوم منكوبة بسبب إسناد غزة، ولو كان السيد حسن نصر الله على قيد الحياة لقال لنا لو كنت أعلم». وأضافت: «أنا حزينة على شبابنا في الجنوب، وما يحصل هو انتحار، والشيخ نعيم قاسم هو نفر مأمور عند الإيراني ويكفينا بيع أوهام للناس. لقد حان الوقت لأن يتحرك الرئيس نبيه بري ويقول لحزب الله كفى نكبة للطائفة الشيعية، انتهى المشروع المسلح، وهذا يكون الموقف الوطني الشجاع للأخ الأكبر الذي عليه أن يؤدي دوراً أفضل وهو قادر أن يقولها أمس قبل اليوم».


واعتبرت أيوب أنه «لو لم يذهب رئيس الجمهورية إلى المفاوضات لما تم تحييد الضاحية وبيروت، ولا أمل إلا بالمسار التفاوضي القائم، والرئيس عون استطاع أن يحاكي العقل الأمريكي من خلال وضع حد نهائي للنزاع والعداء مع إسرائيل الذي جعل من لبنان ساحة لصراعات الآخرين، لتغطية مشاريع خارجية وآخرهم حزب الله الذي تلقى الأوامر من إيران تحت مفهوم وحدة الساحات»، لافتة إلى «أن اتفاق الإطار هو اتفاق وضع لحماية ما تبقى من الجنوب». وسألت «هل من أفق لسلاح حزب الله؟ هذا السلاح انتهى وكل رفض لاتفاق الاطار هو قبول ببقاء إسرائيل في الجنوب».
وختمت: «المعطيات الخارجية تشير إلى أننا مقبلون على حرب ثالثة، وهذا ما قاله السفير الأمريكي للرئيس بري، وحزب الله اليوم لا يقدّم ولا يؤخر، وجل ما يقوم به هو انه تحوّل إلى ذريعة لإسرائيل وأي كلام عن ذريعة مقاومة هو غير صحيح، لأن هناك أهالي في الجنوب لا يريدون لا بل يرفضون أن يدافع حزب الله عنهم، لأنه حزب إيراني غير لبناني وعندما يقول الإيراني لحزب الله سلّم سلاحك فسيقوم بتسليمه».

قبلان: نموذج المقاومة

في المقابل، رأى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان «أن المقاومة في لبنان شكلت أكبر نماذج هزيمة إسرائيل طيلة نصف قرن، والأهم الحرب الأخيرة، أي حرب ما بعد الطوفان، لأن واشنطن منذ عام 2006 حيّدت تل أبيب، وعلى الأثر أنشأت منظومة قوة أطلسية لتكون نواة الحرب الأخيرة بهدف الخلاص من لبنان وقدرات مقاومته وهويته السيادية والتاريخية، وذلك في سياق ضرب أعمدة الشرق الأوسط وخوض حرب إيران التي كانت بمثابة حرب القرن ومفتاح النظام الدولي الجديد».
وقال قبلان «لا نريد للأخوة العرب إلا الشراكة والاستقلال الحقيقي ومنع خرائط إسرائيل الكبرى عن بلاد العرب والمسلمين. ولذلك نريد للمملكة العربية السعودية أن تكون الأخ الشريك للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك للعراق ولمصر وللبنان ولليمن ولكل الدول الإسلامية، وهذا المنطق يفترض إطفاء نار الفتنة الامريكية الأوروبية الصهيونية في منطقتنا». وأكد «ان الحل بوقف النار لا بإشعالها وإشعال الشرق الأوسط كما تريد واشنطن، واللحظة لمد اليد لا لقطعها، واليمن أخ شقيق للمملكة العربية السعودية وكذلك لباقي بلاد العرب والمسلمين، وكل من يقرأ المنطقة بأعمدتها يدرك أن هياكل الهيمنة الأمريكية تتساقط».
وفي الشأن الداخلي، قال المفتي قبلان «إن الإصرار المتزايد للسلطة التنفيذية على تفريغ لبنان وضرب أعمدة بقائه داخلياً لهو أمر مهول وصادم، بحيث أنه لم يمر بتاريخنا سلطة لا تريد أن تعمل، بل تعمل ضد مصالح بلدها وشروط وجوده وضرورات شعبها واقتصادها. والقصة هنا لا تتعلق بفلتان الإعلام المرتزق والأبواق التي تمتهن التمزيق الداخلي والفتنة الطائفية الداخلية وتدفع نحو ذروة الانفجار فقط، بل بتخلي هذه السلطة المخيف عن شروط لقمة الفقير وأساسيات المواطنة وضرورات الحياة وإمكانية العيش بكرامة في مختلف القطاعات، وما يلزم من صمود اجتماعي ومعيشي ونفسي وتربوي فضلاً عن تخلّيها عن واجب الدفاع الوطني والميثاق السياسي». وختم «بتعبير آخر، نحن أمام سلطة للأسف لا تملك أهلية إدارة ملفات إدارية ومالية واجتماعية ومهنية ومعيشية، فضلاً عن أهلية إدارة هذا البلد وحماية وجوده وضمان تركيبته السيادية، وكلّ ذلك يأتي فيث سياق قعر وطني وكارثة فساد ومزاريب وظلمة وتضخم وجنون سلطوي وأخلاقي وإصرار سياسي يراد منه ضرب بنية السلطة ومشروع الدولة الضامنة. وهذا الأمر برسم رئيس الجمهورية المطالب بأجوبة صريحة عن هذه الممارسات الخطيرة التي تهدد وجود لبنان. ونتمنى أن يكون لديه الجواب لأن «من لا يملك لا يعطي».
واعتبر نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ علي الخطيب أنه «في هذه اللحظة اللبنانية الشديدة التعقيد، لا تكفي مقاربة الأحداث من زاوية واحدة. فلبنان يعيش أزمة دولة قبل أن يعيش أزمة حكومة، وأزمة ثقة قبل أن يعيش أزمة مالية، وأزمة سيادة قبل أن يعيش أزمة حدود. ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل نعيش في لبنان بدستور كامل، أم بدستور يُطبَّق منه ما يناسب موازين القوى، فيما تُؤجَّل البنود الأخرى إلى أجل غير مسمى؟».
وفي خطبة الجمعة، أكد الخطيب «أن الحل هو بإنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وفق القانون الدولي والقرارات الدولية والتعامل مع مسألة سلاح المقاومة ضمن استراتيجية دفاعية وطنية واضحة لا ضمن نزاع داخلي، وإصلاح القطاع المصرفي وحماية حقوق المودعين وفق قواعد عادلة وقابلة للاستدامة وبناء شبكة حماية اجتماعية حقيقية ومكافحة الفساد لا كشعار انتخابي بل عبر مؤسسات مستقلة وفعالة».
ورأى «ان المشكلة اللبنانية اليوم ليست فقط أن إسرائيل تحتل أجزاء من أرضنا، ولا أن هناك سلاحاً خارج الدولة، ولا أن الاقتصاد يعاني، ولا أن الحكومة تواجه ضغوطاً مالية. المشكلة الأعمق هي أن الدولة اللبنانية نفسها لم تكتمل بعد. فلدينا دستور، لكن تطبيقه غير مكتمل. ولدينا مؤسسات، لكن فعاليتها متفاوتة». وقال «لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن مع هذه الحكومة أم ضدها؟ ولا هل نحن مع هذا الطرف أم ضد ذاك؟ وإنما هو: هل نريد دولة كاملة أم نستمر في إدارة لبنان بنصف دولة ونصف دستور ونصف حلول؟».
أضاف «الدولة الكاملة لا تعني دولة ضد طائفة أو حزب أو منطقة. وإنما تعني دولة فوق الجميع، تحمي الجميع، وتحاسب الجميع، وتخضع هي نفسها للقانون. والحكومة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المؤسسات، والمساعدات الخارجية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الإصلاح». وختم «اننا بحاجة إلى معادلة مختلفة: سيادة في مواجهة الاحتلال، ودولة في مواجهة الفوضى، وإصلاح في مواجهة الانهيار، وعدالة في مواجهة المحاصصة، ودستور كامل في مواجهة التطبيق الانتقائي. إن لبنان لا يحتاج إلى نصف حل جديد. وانما يحتاج إلى استكمال ما بدأه منذ إقرار اتفاق الطائف: دولة واحدة، مؤسسات واحدة، قانون واحد، وسيادة واحدة. وإذا كان هذا الطريق صعباً، فإن البديل هو أن نبقى ندور في الحلقة نفسها: حرب، ثم مفاوضات؛ أزمة، ثم تسوية؛ انهيار، ثم مساعدات؛ غضب شعبي، ثم وعود، ثم نعود مجدداً إلى نقطة الصفر».