فقدان المعنى في الترجمة

مشهد من فيلم صوفيا كوبولا «ضائع في الترجمة» (Lost in Translation)، الذي يروي قصة علاقة عاطفية من نوع خاص بين شخصين أجنبيين في طوكيو. وفي النسخة الإنجليزية الأصلية من الفيلم، اختارت كوبولا الإبقاء على جميع الحوارات باللغة اليابانية من دون ترجمة نصية.

American Zoetrope

غالبًا ما تتعرّض الترجمات النصية للانتقاد، لكنها نادرًا ما تحظى بالتقدير، رغم تشكيلها عنصرًا أساسيًا في تجربة السينما العالمية منذ قرابة القرن. ويوضح فينزنز هيدغر، رئيس الأرشيف السينمائي السويسري، لماذا أصبحت الترجمة النصية، في بلد متعدد اللغات مثل سويسرا، جزءًا لا يتجزأ من تاريخ السينما.

تم نشر هذا المحتوى على

10 أكتوبر 2026 – 09:00

عند طرحها فيلم «النمر الرابض، التنين الخفي» (Crouching Tiger, Hidden Dragon) في دور السينما الأمريكية عام 2000، لجأت شركة “سوني بيكتشرز” (Sony Pictures) إلى حيلة ذكية لجذب الجمهور إلى فيلم أجنبي ناطق بلغة أخرى. فلتقديم الفيلم، خلا الإعلان الترويجي من أي مشاهد تتضمن حوارًا بلغة الماندرين الصينية واعتمد بدلَ ذلك تعليقًا صوتيًّا بالإنجليزية.

ولا تمثّل الأفلام المعروضة بترجمة نصية سوى ما بين 1،1% و2% من إيرادات شبّاك التذاكر في الولايات المتّحدة. أما في الاتّحاد الأوروبي، فيُعرض نحو 53% من الأفلام في دور السينما مدبلجًا حصريًا. بينما يجمع 29% منها بين الدبلجة والترجمة النصية. في حين تُعرض نسبة أقل بلغتها الأصلية مع ترجمة نصية فقط. ومع ذلك، لا يزال «النمر الرابض، التنين الخفي» الفيلم غير الناطق بالإنجليزية الأعلى إيرادات في الولايات المتحدة حتّى اليوم.

محتويات خارجية

ويبرهن نجاح الفيلم على قدرة الترجمة على توسيع دائرة وصول الأعمال السينمائية إلى الجمهور العالمي. وهو ما يجعل الترجمة النصية عنصرًا أساسيًا في التجربة السينمائية، رغم أنها غالبًا ما تظل بعيدة عن الأضواء. واليوم، في عصر تتسارع فيه العولمة ويتيح لنا الوصول إلى أفلام من مختلف أنحاء العالم، تزداد أهمية الترجمة النصية. لكنها تبقى «غير مرئية» في معظم الأحيان.

لكن يؤدّي المترجمون والمترجمات أيضًا دورًا إبداعيًا، كما يقول هيدغر في مقابلة مع سويس إنفو (Swissinfo.ch)، تناول فيها مكانة الترجمة في عالم الأرشفة السينمائية، ولا سيما في السياق السويسري. وبرأيه، يتطلّب مفهوم «الترجمة الإبداعية» من المترجم أو المترجمة قدرًا كبيرًا من الابتكار، بما يسمح للفيلم «بالعيش في بيئة لغوية مختلفة».

الترجمة النصية أم الدبلجة؟ ذلك هو السؤال

قبل ظهور الأفلام الناطقة، أي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر عشرينات القرن العشرين، بدت السينما وكأنها تحمل وعدًا بلغة عالمية. ففي عصر الأفلام الصامتة، كان استبدال العناوين البينية، النصوص المكتوبة التي تظهر بين المشاهد لنقل الحوار أو السرد أو بعض تفاصيل القصة، سهلًا. وذلك بنسخ مترجمة إلى لغات أخرى، ما أتاح للصورة المتحركة خلق مساحة مشتركة بين جماهير تنتمي إلى لغات مختلفة.

لكن مع دخول الصوت إلى السينما في أواخر عشرينات القرن العشرين، برزت الحاجة إلى الترجمة النصية. ورغم استخدام فيلم «مغني الجاز» (The Jazz Singer) ( 1929)، العناوين البينية إلى جانب الحوار المنطوق، كان أول فيلم في التاريخ يُعرض بترجمة نصية.

أصبحت الممثلة الأمريكية جان سيبرغ رمزًا لسينما الموجة الفرنسية الجديدة (Nouvelle Vague)، بفضل حضورها في فيلم جان لوك غودار «منقطع الأنفاس» (À bout de souffle). وفي فرنسا، باستثناء باريس، تُعرض غالبية الأفلام في دور السينما مدبلجة.

أصبحت الممثلة الأمريكية جين سيبرغ أيقونةً لسينما «الموجة الجديدة» الفرنسية في ستينيات القرن العشرين (Nouvelle Vague)، بفضل مشاركتها في فيلم جان-لوك غودار الأول، «بلا أنفاس» (À bout de souffle)، عام 1963. في فرنسا، خارج باريس، تُعرض معظم الأفلام في دور السينما مصحوبة بترجمة.

Studiocanal

وفي الوقت نفسه، استثمرت هوليوود مبالغ كبيرة في إنتاج نسخ متعددة اللغات من الفيلم نفسه. إذ كانت تستخدم مواقع التصوير وفرق العمل ذاتها، مع الاستعانة بممثلين وممثلات مختلفين لتصوير نسخ بلغات متعددة بالتوازي. لكن بحلول ثلاثينات القرن العشرين، بدأت الترجمة النصية والدبلجة تتطوران جنبًا إلى جنب.

وفي أوروبا، انقسمت الدول عمومًا بين نهجين؛ إما عرض الأفلام الأجنبية بلغتها الأصلية مع ترجمة نصية، وإما دبلجتها إلى اللغة المحلية. أما سويسرا، وبحكم تعددها اللغوي، فاتجهت بصورة طبيعية إلى الترجمة النصية، لأسباب تاريخية تعود إلى ثلاثينات القرن العشرين، وأخرى اقتصادية بحتة، وفق هيدغر.

ويقول رئيس الأرشيف السينمائي السويسري، لا تزال النسخ المعروضة بلغتها الأصلية مع ترجمة نصية الخيار المفضل لدى جمهور السينما في زيورخ ولوزان، حتى بالنسبة إلى الأفلام التجارية. ويعكس ذلك استمرار نهج تبنته سويسرا قبل نحو قرن، مع ظهور السينما الناطقة. ومن اللافت أيضًا إشارة أبحاثٍ إلى إسهام الاعتماد على المحتوى المترجم نصيًا في تعزيز مستوى إتقان اللغة الإنجليزية في بلدان مثل سويسرا، والبرتغال، والنرويج.

ومع ذلك، ظل المترجمون والمترجمات طويلًا بعيدين عن الأضواء. بل ازدادت هذه المشكلة مع انتشار منصات البث والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تزال آثار هؤلاء «الأشباح» حاضرة في نسخ الأفلام والعروض الرقمية، مثلما هي حاضرة في الكتب.

فمنذ بدايات السينما، نادرًا ما حظي الأشخاص المساعدون للجماهير في البلدان المختلفة على فهم الأفلام الأجنبية بما يستحقونه من تقدير. إذ كانت الاستوديوهات تشتري الترجمات مباشرة دونَ منح المترجمين والمترجمات حقوق التأليف أو حتى ذكر أسمائهم في شارات الأفلام.

وحتى اليوم، لا تزال بلدان عديدة لا تمنح مترجمي الأفلام ومترجماتها حماية كاملة بموجب حقوق التأليف. وأسهم صعود شركات البث الكبرى ومنصات الفيديو، عند الطلب، في تكريس هذا الواقع. إذ باتت هذه الشركات تنتج الترجمات النصية ضمن منظوماتها الخاصة، مع اعتماد متزايد على الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي، ما يقلّص الحضور البشري في هذه العملية أكثر من أي وقت مضى.

وتبدو الصورة مختلفة في عالم الدبلجة، حيث يحظى مؤدّوها ومؤدياتها بقدر أكبر من الاعتراف، إذ ترتبط أصواتهم غالبًا بشخصيات ونجوم معروفين في هوليوود. فعلى سبيل المثال، أصبحت روزا غينيون (Rosa Guiñon)، الصوت الإسباني المرتبط بالممثلة ميريل ستريب (Meryl Streep). فيما يؤدي فيليب بيتييو (Philippe Peythieu) صوت هومر سيمبسون (Homer Simpson) في النسخة الفرنسية. أما العاملون والعاملات في الترجمة النصية، فيظلون أشبه بـ«كتّاب الأشباح في السينما».

وكما يقول هيدغر: «الترجمة من أكثر الأعمال الفكرية التي يمكن تخيلها جحودًا». فلا يكاد يوجد مترجمو أفلام ومترجمات معروفون على نطاق واسع. وبينما يعرف بعض الممثلين والممثلات أسماء من يؤدون أصواتهم في النسخ المدبلجة إلى لغات أخرى، لا يهتم معظم صانعي الأفلام وصانعاتها حتى بمعرفة أسماء من ينجزون الترجمات النصية لأعمالهم.

بابل اللغات السويسرية على الشاشة

يعني توزيع الأفلام في سويسرا التعامل مع واقع لغوي معقّد وفريد من نوعه. فيحتاج كل فيلم إلى الوصول إلى جماهير مختلفة ناطقة بالألمانية والفرنسية، مع اعتماد استراتيجيات خاصة للسوق الأصغر الناطقة بالإيطالية. لذلك، لا تُعد الترجمة مرحلة ثانوية في توزيع الفيلم، بل ضرورة تجارية لا غِنًى عنها.

مشهد من الفيلم الهندي «Pooja, Sir» (ديباك راونيار، 2024) في نسخة سويسرية، مع ترجمة باللغتين الألمانية والفرنسية. وتُعد الترجمة المزدوجة أمرًا شائعًا جدًّا في هذا البلد الذي يضم أربع لغات وطنية هي: الفرنسية والألمانية والإيطالية والرومانشية.

مشهد من الفيلم النيبالي «بوجا، سيدي» (Pooja, Sir) للمخرج ديباك راونيار (Deepak Rauniyar)، من إنتاج عام 2024، في نسخة مخصصة للعرض في سويسرا ومصحوبة بترجمة نصية بالألمانية والفرنسية. وتُعد الترجمة النصية المزدوجة أمرًا شائعًا في بلد يضم أربع لغات وطنية: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية.

trigon-film

ويُحفظ أثر هذا التوازن اللغوي الدقيق في أرشيف «السينماتيك السويسرية» (Cinémathèque suisse)، الذي يضم إحدى أغنى المجموعات السينمائية في العالم.

ويشرح هيدغر: «إلى حدّ كبير، يرجع ذلك إلى إبرام القائمين والقائمات على السينماتيك السويسرية في بداياتها اتفاقًا مع موزعي الأفلام وموزّعاتها في سويسرا. فبعد انتهاء العرض التجاري لأي فيلم، كان الموزعون والموزّعات يودعون نسخه جميعها لدى السينماتيك السويسرية، التي كانت تختار أفضل خمس نسخ أو ثمان للاحتفاظ بها».

ونتيجة لذلك، حُفظت تقريبًا جميع الأفلام المعروضة في سويسرا منذ عام 1952، إلى جانب ترجماتها النصية بالفرنسية والألمانية. أما بالنسبة إلى السوق الناطقة بالإيطالية، فكان موزعو الأفلام وموزّعاتها يعتمدون في الغالب على استيراد نسخ إيطالية جاهزة، سواء كانت مدبلجة أو مصحوبة بترجمة نصية.

لكن يتجاوز تكييف السينما مع الواقع السويسري مجرد تخطي الحواجز بين اللّغات. فكما يؤكد هيدغر، ترتبط اللغة ارتباطًا وثيقًا بالمكان. ويقول: «ترتبط اللهجات دائمًا بمناطق محدّدة. لكن في سويسرا، إذا نشأت ناطقًا أصليًا بالألمانية السويسرية، فيمكنك تحديد المنطقة التي ينتمي إليها الشخص، ضمن نطاق 30 كيلومترًا تقريبًا، بمجرد سماع طريقة كلامه».

وذلك يجعل نقل اللهجات والفروق الاجتماعية الدقيقة إلى الشاشة مهمة شديدة الحساسية بالنسبة إلى أي مترجم أو مترجمة. بل يكاد يكون نقلها بالكامل ضمن الحيز المحدود الذي تتيحه أسطر الترجمة النصية مستحيلًا.

ما الذي تكشفه الترجمة فعلًا؟

عندما يدور الحديث عن الترجمة النصية، غالبًا ما يتركّز النقاش على مدى «سوء» ترجمة بعينها. إذ يميل الجمهور إلى التركيز على ما يضيع في أثناء الانتقال من لغة إلى أخرى، بدل النظر إلى الترجمة بوصفها جزءًا من العملية الإبداعية نفسها، رغم أنّ هذا الارتباط يبدو واضحًا بمجرد التمعن فيه.

وفي تعمّقه في النقاش حول الترجمة، يشير هيدغر إلى مفهوم «الترجمة الإبداعية»، التي تتجاوز النقل الحرفي للكلمات وتركز بدلَ ذلك على النبرة، والمشاعر، والسياق. ومن هذا المنظور، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما «يُفقد» من المعنى أثناء الترجمة، بل يشمل أيضًا ما يتغير ويتشكل من جديد بفضلها.

جان بول بلموندو (Jean-Paul Belmondo) في مشهد من فيلم «منقطع الأنفاس» (À bout de souffle).

جان-بول بلموندو في أحد مشاهد فيلم «بريثلس» (1963).

Studiocanal

وربما تكمن حدود الترجمة النصية في عدم قدرتها على نقل الفروق الدقيقة جميعها، التي تحملها كل لغة منطوقة أو لهجة محلية. فالأفلام مرتبطة بسياقاتها الثقافية والاجتماعية، وكذلك اللغات التي تتحدّث بها شخصياتها.

وخلال عرض فيلم نيجيري بلغة الهوسا، يستعيد هيدغر تجربة حديثة تعتزم السينماتيك السويسرية ترميمه قريبًا. ويقول: «في قاعة ممتلئة بالناطقين والناطقات الأصليين بلغة الهوسا»، شعر بأنّ التجربة «غير عادلة تمامًا، لأنهم كانوا يضحكون طوال نصف الفيلم، بينما كنت أجلس متسائلًا: ما الذي يحدث؟ ما الذي يفوتنا؟».

ومن هذا المنظور، قد تبدو الترجمة النصية أحيانًا أشبه بـ«عكاز» يساعدنا على متابعة الفيلم قدر الإمكان. وفي المقابل، قد تجعلنا قراءة النص الظاهر على الشاشة نفوّت بعض الفروق الدقيقة في الحوار المنطوق، خصوصًا عندما نكون بعيدين تمامًا عن الثقافة التي ينتمي إليها الفيلم.

وعندما زار هيدغر وزوجته القاهرة وشاهدا أفلامًا محلية دونَ ترجمة، وجدا نفسيهما يحاولان إعادة تركيب أحداث القصة كما لو كانا يحلّان لغزًا. وهي تجربة يصفها هيدغر بالمحفّزة فكريًا إلى حدّ بعيد. ويذكّر ذلك برأي هنري لانغلوا المثير للجدل، ومفاده أنّ أفضل طريقة لمشاهدة الأفلام الأجنبية هي مشاهدتها دونَ أي ترجمة نصية إطلاقًا.

ورغم وصفها غالبًا بالجسور غير المرئية بين الثقافات، تشكل الترجمات النصيّة شواهد تاريخيّة أيضًا، من منظور الأرشفة السينمائية.

فعند دراسة النسخ المحفوظة في الأرشيفات، تكشف الترجمة النصية كيفيةَ انتقال العمل السينمائي بين البلدان والثقافات في مرحلة تاريخية محددة. كما تعكس الخصائص اللغوية، والاختيارات الفكرية، والمعايير التقنية السائدة في عصرها، ما يجعلها جزءًا لا ينفصل عن الهوية الأرشيفية للفيلم.

ويتجلّى هذا البعد بوضوح عند النظر إلى مجموعات سينمائية متخصصة، مثل معهد أرسنال للأفلام في برلين (Arsenal Filminstitut). ففي الأصل، أُسّس المعهد لدعم السينما البديلة والسينما الناشئة، وحافظ منذ سبعينات القرن العشرين على تقليد يقضي بالاحتفاظ بكل فيلم يُعرض ضمن برنامج «المنتدى» في نسخة مصحوبة بترجمة نصية.

وخلال حديثه عن ممارسات الأرشفة السينمائية الدولية، يشير هيدغر إلى حقيقة لافتة. ففي حالة عدد من هذه الأعمال، أصبحت النسخة المترجمة نصيًا، المحفوظة لدى أرسنال، النسخة الوحيدة الباقية من الفيلم.

وهكذا، تحولت الترجمة المُنجَزَة في الأصل لغرض بسيط ومؤقت، هو إتاحة عرض الفيلم أمام جمهور محلي، إلى وسيلة أساسية لحفظ العمل السينمائي نفسه من الضياع.

المزيد

المزيد

ثقافة

“ربما يتعيّن استخدام أسلوب الرسائل القصيرة في دبلجة الأفلام..”

تم نشر هذا المحتوى على

06 أغسطس 2013

في التقرير التالي، تتطرق swissinfo.ch إلى المخاوف القائمة من احتمال انقراض عرض الأفلام في صيغتها الأصلية، مصحوبة بعناوين جانبية مُترجمة. في حديث مع swissinfo.ch، قال ليو باومغارتنر، رئيس فرع شركة وارنر بروس في سويسرا: “كنت أعتقد قبل عامين، أنه إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه، فإننا سوف لن نشاهد أية أفلام تحمل عناوين جانبية…

طالع المزيد“ربما يتعيّن استخدام أسلوب الرسائل القصيرة في دبلجة الأفلام..”

تحرير: فيرجيني مانجان

ترجمة: حسن حرزالله

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى