الأحد 11 أكتوبر 2026
كان الرسم ولا زال وسيلة التعبير الأولى بالنسبة إليها، وجدت في اللوحة مساحة أوسع للتدوين من الكتابة، أي مالت إلى التعبير البصري أكثر من غيره، واكتشفت ذلك والدتها في سنٍ مبكرة جدًا عندما كانت نور لا تزال طفلةً في الثالثة من العمر، ومن هنا آمنت الأم بأن هذه الطفلة الشغوفة بالألوان والأقلام وأدوات الرسم، لن تكون فتاةً عادية في مستقبلها، بل فنانة تشكيلية لا تخلو المعارض من أعمالها، فحرصت على تسجيل التواريخ إلى جانب عمرها خلف كل رسمةٍ رسمتها لتظلّ هذه الأوراق شاهدةً على أولى خطوات نور عادل نحو عالم الفن التشكيلي.
بجهدها الذاتي والممارسة المستمرة، صقلت مهاراتها دون الالتحاق بأي دورةٍ تدريبية، إلى أن اختارت تعزيز الموهبة أكاديميًا فالتحقت بجامعة البحرين للحصول على درجة البكالوريوس في الفنون والتصميم، التخصص الذي تفوّقت فيه، ثم درجة الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من الجامعة الملكية للبنات، وأرجعت الفضل في اكتمال هذه المسيرة إلى والديها اللذين وصفتهما بالسند والمصباح المضيء.
تؤمن الفنانة التشكيلية نور عادل بأن العمل الفني ليس مجرد عمل يهتم بإبراز الجماليات البصرية، بل جسر من المشاعر والذكريات المشتركة بين الفنان والمتلقّي، وتسعى من خلال أعمالها إلى استحضار تفاصيل الذاكرة اليومية إلى جانب ذكريات الإنسان في طفولته، فضلًا عن تجسيد مشاعر الحنين إلى تلك الفترة من الزمن، وكل ذلك في سبيل أن تغدو اللوحة مساحةً للتأمل، تنمّي الحس الإنساني والجمالي، ومرآةً تعكس للمشاهد جزءًا من ذاته.
لذلك، إن التفاصيل الصغيرة والعابرة في حياتها اليومية تشكّل مصدر إلهامٍ كبير يتمكّن من إثارة حسّها الفني، وكلّ ما تجد فيه حكايةً لم تُروَ بعد وطاقةً محفّزة للتعبير، مثل حركة الضوء، والظّل على الجدران، تدرّجات الألوان، الأشكال من حولها، الصور، والرسائل القديمة، وهذا ما يجعل الموضوعات المرتبطة بذكريات الطفولة تتصدّر قائمة اختياراتها، فتلك المرحلة من العمر تحمل في طيّاتها فيضًا من المشاعر الصادقة المختزنة في التفاصيل المرافقة للإنسان طوال عمره.
كما أنّ التعبير عن الذكريات والطفولة يُتيح لها التقاط العفوية والبساطة المطلقة، وإعادة صياغتهما بلغةٍ بصرية تلامس الحنين في روح المتلقي، فالطفولة ليست مجرد مرحلة زمنية قد انقضت، وإنما خزّان إبداعي ذو أثر وجداني يُشكّل نظرتنا للحياة ومشاعرنا في الحاضر والمستقبل.
أمّا عن أسلوبها الفني، فقد كان واقعيًا ولا زال كذلك، إلّا أنها في بعض الأعمال تضفي على الواقعية طابعًا تعبيريًا من أجل التوازن البصري، وهو ما يضمن الدقة في التفاصيل الواقعية، وبروز عفوية الطفولة، وحرّية الرسم.
وقالت في حديثها مع “البلاد” إن التّضاد هو أكثر ما يميّز أعمالي، وخربشات الطفولة، الرسائل القديمة بكل ما تحملها من تلقائية داخل تكوينٍ واقعي مُتقن ومحبوك بدقة، فضلًا عن إدخال الرسومات ببعضها، واستخدام الخامات المتنوعة، حيث أجد متعةً كبيرة في تجريب مختلف الوسائل في سبيل خلق تأثيراتٍ بصرية غنية، كما لفتت إلى تفضيلها الألوان الزيتية، مؤكدةً أن التمازج بين نضج الأسلوب الفني وبراءة البدايات يضفي على اللوحة بُعدًا عاطفيًا عميقًا، ويمنح المتلقي مساحةً خاصة لاسترجاع ذكرياته وربطها بالعمل.
عادةً ما تكون اللوحة الأخيرة هي الأقرب إلى قلبها، ولكن يبقى لـ “جدار العجائب” مكانة خاصة ومحبة مطلقة، فهذا الجدار لا يشبه الجدران الخالية، بل خزانة حية تفيض بالذكريات والمشاعر، والجدير ذكره أنها عُرِضَت في معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية، ومساحة الرواق للفنون.
في “جدار العجائب” عادت إلى رسوماتها الأولى في عمر الثالثة والرابعة، استحضرت عفويتها في ذلك العمر من خلال خطوطٍ أعادت رسمها من جديد، ورسائل ودعوات قامت بتدوينها في تلك الفترة، فرسمت طفلةً مولّيةً ظهرها للمتلقي، غارقة في عالمها الخاص أمام جدارٍ تملؤه التفاصيل، وخربشات طفولية، وهذا ما جعل اللوحة مساحةً مشتركة تلامس روح من يقف أمامها.
وقالت في ختام حديثها، حظيتُ بشرف المشاركة في العديد من المعارض المحليّة والدولية، من أبرزها معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية، كما امتدّ دوري ليشمل المساهمة في تنظيم بعض المعارض، والتعاون في إثراء العديد من الفعاليات والاحتفالات الفنية داخل مملكة البحرين وخارجها، مشيرةً إلى أبرز المحطات الملهمة في مسيرتها، من بينها المشاركة في مشروع “الفن من أجل السلام” الذي أُقيمَ في البوسنة والهرسك، برفقة الفنان التشكيلي عبّاس الموسوي ووفد من الفنانين التشكيليين البحرينيين، وهي تجربة أكّدت لها أن الفن يحمل رسالةً عالمية سامية تجمع الشعوب.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.
