
ربما من الجائز القول، إن الرواية السورية المعاصرة، أمست مصابة بمتلازمة محاولة توصيف وقائع التجربة السورية ضمن سياق الربيع العربي، ففي الرواية التي صدرت مؤخراً للروائي السوري لؤي علي خليل بعنوان «ذيل» من منشورات موزاييك، ثمة ذلك النزوع إلى استعادة الفواعل التاريخية التي أنتجت هذا الفعل، وما كمن فيه من آثار لا يمكن التعافي منها بسرعة، بالتوازي مع القلق من صيغ المستقبل.
التكوين
في الرواية التي تعتمد قيم الواقع، مع انزياح نحو توظيف صيغة غرائبية عبر تمكين الحيل السردية؛ بداعي دفع المتلقي إلى الوقوف متردداً تجاه توصيف وجود ذيل للقتلة، والمجرمين، أو المخلوقات كما تذكر الرواية، بالتوازي مع أثر الأحلام، وما يتصل بها من دلالات نفسية، أو إشارات، تتصل بالتاريخ والحدث، والجغرافيا، والأهم الأيديولوجيا التي تقع في منطقة جدلية شديدة الحساسية.
تعتمد الرواية إطاراً زمنياً يمتد من زمن حكم حافظ الأسد، إلى زمن أفول حكم ابنه بشار الأسد، وبذلك فهي تذهب إلى تسمية الأشياء بأسمائها، لا التكنية، فلا جرم أن تكون الرواية معنية بتسريد التاريخ ضمن رؤية تخييلية لا تعدم توفر الوقائع أو الواقع، غير أن المعنى الكامن في الرواية يذهب إلى بسط المعطيات، ولا سيما استغلال وقائع ثورة حماة، وما تبعها من أحداث تتصل بالربيع العربي. وعلى الرغم من الامتداد الزمني، غير أن قيمة المكان حاضرة عبر مركزية مدينة دمشق وعائلاتها، وما تعنيه من أصالة، وجمال على الرغم من التشوه الذي نالها، بداعي الترحيل القسري الذي قام به النظام، عبر إحلال جماعات موالية في بعض مناطق دمشق، وما نتج عن ذلك من تحولات ديموغرافية.
تعمد الرواية إلى صيغة الراوي الشخصية أو المشارك في الحدث، ولا سيما شخصية الفتاة (ليلى) التي تقوم بوظيفة سرد الوقائع نقلاً بدورها عن شخصيات أخرى، ومن هنا فإن صيغة بناء الشخصيات ضمن التأطير السردي والواقعي يبدو جزءاً من البنية الجدلية للرواية، فليلى ثمرة زواج بين ضابط اسمه جميل أبو شاليش ينتمي إلى طائفة تتسم بتموضع مناطقي محدد، في حين أن الزوجة هي فتاة دمشقية سنية اسمها سلام (والدة ليلى)، وقد تحقق الزواج حين داهم الضابط بيت الحاج «منصور العظم» للبحث عن شخص اسمه «سلام» بداعي الاشتباه في الاسم عند ملاحقة بعض خلايا ثورة سنة (1982).
ما سبق يأتي ضمن مشهدية العنف التي تتوارد في السردية السورية المعاصرة من ناحية التنكيل بالأسرة، والإهانة، بما في ذلك إجبار العائلة الدمشقية على تزويجه ابنتهم بالإكراه لجميل، ما يتسبب بموت والدي سلام قهراً، غير أن الإضافة تتمثل في وجود شخصية محورية، وأعني حليمة (الجارة الكردية) التي تنتمي إلى عائلة ارتحلت إلى حي ركن الدين في دمشق، ولكنها سرعان ما اندمجت مع المجتمع الدمشقي، في حين أن القيمة الوظيفية لحليمة تتعلق بوظيفة الشاهد على الحدث، ولكن الأهم سرد قصة وجود الذيل الذي تسعى ليلى إلى التأكد من وجوده أسفل ظهر والدها (جميل) الذي لا تناديه بأبي، وإنما باسمه كناية عن الانفصال.
إن مطاردة التحقق من وجود الذيل ينطوي على ذلك البعد الذي جعل من الراوية معنية بحدود أكثر اتساعاً على مستوى تشكيل الحكاية، بالتضافر مع تفعيل قيم التشويق، ودفع القارئ نحو الانخراط بماهية الفعل، وسؤال اليقين، أو عدمه.
حدود المكان
بين هذين الزمنين تتشكل منظومة القهر، فزواج جميل من الفتاة الدمشقية يمثل نوعاً من التشوه الذي يمتد في الجغرافيا والتاريخ، فاستدعاء دمشق بوصفها نموذجاً هشمته الحرب والممارسات التي قام بها النظام لعقود قد تسبب في تبديد روح المدينة، ومن هنا فإن التماثل بين الزوجة «سلام» ابنة الحاج منصور (المرأة الدمشقية)، ودمشق عينها يبدو أقرب إلى تكوين رمزي، ولكن هذا التماثل يدفع إلى مساءلة حدوده من ناحية إنه هل يتقصّد إضاءة تجربة سلام، أم أنه يحصرها في تمثيل المدينة؟ في حين أن أصالة المكان قد تحتاج إلى قراءة تتجاوز جزئية السكان والوافدين، وما ينطوي عليه من تداعيات قيمية. وعلى ما يبدو فإن الوعي بالتمايز بين مناطق ما تنتمي إلى طائفة، ومناطق أخرى، قد دفع بالرواية إلى نوع من المباشرة والتمترس حول الوعي بحدود المكان، وما يعنيه من أيديولوجيات تمثله هوياتياً، على الرغم من وجود شخصية حليمة الكردية بوصفها نموذجاً لذلك الوعي بالوحدة، مع إشارات إلى الجدل الكامن في عدم توفر الوعي عينه لدى الآخرين أو لدى الجماعة العرقية عينها.
السلطة والأيديولوجية
تذهب الرواية إلى نقد منظومة السلطة على مستوى الأفكار، والممارسات، وهي تعمد إلى اقتحام ذلك عبر إشارات تتصل بمحاربة النظام للتدين، والحجاب، والقمع، والترويع، والتعذيب، والمتاجرة بأعضاء الأطفال، وخلخلة التنوع العرقي، أو الديني، أو الثقافي لدمشق الأصلية، ومن هنا تبدو بعض الإشارات المباشرة تجاه بعض الكتل السياسية بهدف نقد ممارسات النظام، ومن ذلك المنح الدراسية التي تمنح لحزب الله، أو الوجود الإيراني، أو الروسي، كما عمليات التمويل المشبوهة، وتجارة المخدرات، وسلب أملاك سكان الأحياء الثائرة.
نلاحظ أن ثمة نزعة واضحة للانحياز المباشر للثورة، ورجالاتها، ويتحقق ذلك عبر استدعاء بعض الأسماء، أو الشخصيات ذات المرجعية الواقعية، غير أن تسمية الوقائع لا تكفي للحكم بالمباشرة؛ فالمعيار الفني قد يتصل بقدرة الراوية على تجسيد الصراع، وبالمواضع التي يحل فيها الشرح محل التجربة. وبناء على ما سبق، فإن وعي الرواية بترسيم حدود صدمة الواقع كما تجسدها شخصيات سلام، وحليمة، وحتى ليلى يقودنا إلى ظاهرة تتواتر في السردية السورية من ناحية توظيف النماذج النسائية على مستوى الشخصيات، مع التوقف طويلاً في بيان اضطراب الصدمة، بداعي ما احتملته الحرب من تداعيات أصابت هذه الشريحة المجتمعية: ونعني الأم، والزوجة، والأخت، وتلك المصائر القلقة بعد موت الرجل، أو اعتقاله، ومع ذلك، فقد تحتاج هذه الهشاشة النسوية إلى فهمها بوصفها أثراً لظروف القهر، مع الانتباه إلى فاعلية النساء في الشهادة والرفض والإنقاذ حتى لا تختزل هذه الشخصيات في موقع الضحية، ومن أبرز نماذجه شخصية ليلى التي تقوم بمساعدة الثوار.
في حين تمثل حليمة صيغة من صيغ الوعي بالشهادة، وقدرة المقاومة والحلم والأمل، والأهم الشجاعة، وهي صورة تبدد القتامة التي تحيط بالجميع؛ فقد مثّل حضورها في وعي الفتاة (ابنة جميل والمرأة الدمشقية) جزءاً من سرد الإيمان بالثورة والمقاومة، غير أن جدلية الفكرة تنهض على أن الفتاة لم تنحز لطائفة والدها، ولم تتبنَّ أفكاره، وبدت أقرب للانحياز للأم، وبذلك فإن التقييم المنطقي لبنية الحدث في الصياغات السردية قد يجعلنا نتساءل عن السبب، أو لماذا لم تتبع الفتاة والدها، ولا سيما في ظل الامتيازات التي يمكن أن تحصل عليها، وكونها تنتسب بيولوجياً إلى طائفة الأب؟ بيد أن الانتساب العائلي لا يستلزم تبني موقف الأب؛ لذا تتحدد المسألة النقدية في مدى إقناع القارئ بتشكل استقلال ليلى الأخلاقي، بعيداً عن افتراض حتمية الانتماء.
تنفتح الرواية على محاولة سد الخلل الذي ربما ينشأ من طرح هذه الأبعاد، وهي تنقسم إلى قسمين: الأول ما يتصل بالتشكيل السردي، أو بمعنى البناء الداخلي للرواية، حيث يمكن تعليل هذا الانزياح عن تبعية الأب وتبني موقف الأم الدمشقية بإطار يتصل بتلك الحكايات التي تتصل بالذيل، وما يكمن في وعي الطفلة من أنه علامة أو إشارة إلى الجريمة، ما دفع إلى تبدل وعيها، ما يعني نوعاً من التكوين المنطقي للسرد، بالتوازي مع تلك الميول الطبيعية التي تميز ميل الفتاة تجاه أمها التي بدت لها ضحية، أو لنقل مثالاً مسلوباً للقيمة الحقيقية بوصفها امرأة دمشقية عريقة. في حين أن العامل الثاني قد يتحدد في تقويض مقولة التمايز الطائفي، حيث تمثل الفتاة الحقيقة التي ترى في سوريا بلداً واحداً، لا وجود فيه للتمايزات الدينية والطائفية. فليلى التي تعدّ نتاج زواج تحقق بالإكراه بين طائفتين دينيتين، أو ثمرة زواج أقرب للاغتصاب، قد أدركت حقيقة معنى الوطن بكل ما يعنيه ذلك من دلالات رمزية.
سؤال الشر
قد يبدو الذيل الذي تبحث ليلى عنه، وتتقصد البحث عنه في جسد والدها تحديداً إشارة أو علامة على الجريمة، أو المجرم، ويمكن تمثّل هذه الصيغة بوصفها تعود إلى وقائع تمتثل للتاريخ، والأساطير، حيث تتداخل قيم الإحالة إلى النزعة الحيوانية للمجرم كما نعاينها في الحكاية التي تحكيها حليمة لليلى، ويُشار إليها في الهامش، وتتلخص بقيام جيش تيمور لنك باستباحة النساء سنة 1400 للميلاد، غير أن الرجل في المقهى يحيل أصل الحكاية إلى سنة 1971 في دلالة واضحة لما يعنيه هذا التاريخ. إن السؤال الذي تسعى الرواية إلى تعميقه بالتوازي مع الرغبة بالتاريخ، والتمثيل للأسباب أو العوامل، أو الدوافع ضمن تكوين تاريخي واقعي يتصل بالبحث عن أساس الشر، وهي الصيغة الفلسفية للرواية التي تربط بين الجريمة والإنسان، والتساؤل عن ماهية الفعل، وهل يكمن ذلك في بُعد فوق طبيعي، وهل القتلة من نسل الشيطان، أم هم مخلوقات تختلف عن البشر، وهل الأمر يتصل بالجينات، ومنه جزئية حكاية سامي حلبوني الرجل الذي أراد والد ليلى أن يزوجها إياه، غير أن ليلى تتقصى عنه من خلال زوجته السابقة التي تؤكد أنها قد رأت ذيل زوجها سامي، ما يستدعي مرة أخرى هواجس ليلى بخصوص ذيل والدها جميل أبو شاليش، وبذلك يرقى خطاب الرواية للوعي بمدى الجريمة التي تحققت، وما حملته من فظائع تدفع للإجابة عن سؤال: من أين أتى كل هذا الشر؟ قد يبرز التوتر بين الشر بوصفه فعلاً إنسانياً مسؤولاً، والذيل بوصفه علامة على حيوانية كامنة، وبذلك فإن ثبات وجود الذيل يبدو أقرب إلى حكم أخلاقي.
تنتهي الراوية إلى لحظة انتصار الثورة، ولكنها تذهب إلى استدعاء العقاب، حيث نرى جميل أبو شاليش ينتهي إلى الشلل، في حين أن ابن عم ليلى غسان لا يتنازل عن موقعه، على الرغم من دعوات التصالح، غير أن فقدان الثقة والخوف من الانتقام يدفعه إلى اللجوء إلى منطقته أملاً بالعودة مرة أخرى، واستعادة زمام السلطة. إن خلاصات الوقائع تنتهي إلى أن الضحية تتحول إلى موقع القوة، ومن ذلك مواجهة سلام مع زوجها في المستشفى، وبذلك تُرسم حدود الشخصيات بصورة قد تتناقض مع صيغ التمثيل السردي، ومن ذلك شخصية الطفل الذي تنقذه ليلى من معتقلات التعذيب، فنراه يعود في نهاية الرواية بوصفه أحد الثوار الذين يتسمون بحسن الخلق، والتسامح، ما يجعل الرواية أقرب إلى تبني نموذج مثالي أو مؤطرة إلى حد ما بأيديولوجية، غير أن وعيها بسؤال الشر قد يبدو الأكثر قيمة، ومعنى.
كاتب أردني فلسطيني
