هذه
الصورة التي استطاع عبد الفتاح السيسي رسمها عن نفسه، بنظراتٍ ملهمة ومليئة بالأمل
والأسى، وصوتٍ عالٍ لكنه يخفت للسرية، ومفعمٍ بالحيوية، ونبرةٍ حادة وحنونة على
مصر وأُمّة الإسلام، قائلاً: “دا جيش مسلم لدولة مسلمة يا بشمهندس، إحنا في
معانا رجالة زي الدهب، كانت مستنية اللحظة دي، والحمد إنكم وصلتم أخيراً”.
هذا نص ما قاله عبد الفتاح السيسي للقيادي الإخواني المهندس خيرت الشاطر قبل
مليونية الشريعة والشرعية في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، التي كانت أمام جامعة
القاهرة وميدان النهضة (وفي تشرين الثاني/نوفمبر في ميدان التحرير). ودعت إليها
وقتها القوى الإسلامية والسلفية دعماً للقرارات والإعلان الدستوري للرئيس الشهيد
محمد مرسي، وللمطالبة بالنص صراحةً على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الدستور
المصري الجديد آنذاك.
وكنت
شاهدا على نقل رسائل الرغبة في تهدئة الشارع، وأن نترك الفرصة للحكومة لأن تعمل،
والجيش أن يهدأ ويستطيع أن يرجع لوحداته من الشارع. وهذا يوضح أهمية موقف الجيش
الداعم أصلاً للمطالب الشعبية والمتوافق معنا في الرغبة بالاستقرار والهدوء، وكانت قيادات العمل الإسلامي كانوا يتجاوبون معه ويقدرونه.
في
نفس التوقيت، كان توفيق عكاشة يروّج بالاتفاق مع السيسي، ليل نهار، أن السيسي هو
عضو في تنظيم الإخوان. وسر الغضب على عكاشة وطرده من البرلمان واضطهاده حتى الآن
ليس ناتجاً عن علاقته بالسفير الإسرائيلي، كما تم ترويجه، بل بسبب تضخم الذات لديه
وشعوره بالاستحقاق، وأن له فضلاً على السيسي؛ فقد ساعده في حبك روايته. واعترف
عكاشة أنه كانت تجمعه علاقة شخصية بالسيسي حينما كان يتقلد رتبة لواء، وقال لاحقاً:
“روّجت بالاتفاق معه إشاعة أن السيسي منتم لجماعة الإخوان المسلمين، من أجل
إيهام الجماعة بذلك، والاعتماد عليه في منصب وزير الدفاع أثناء حكم الرئيس مرسي”،
وفقاً لقوله.
بمجرد النجاح في المهمة، استغرقته العقدة النفسية، وباتت تطارده هواجسه وخوفه من بوابته التي ولج منها لما هو فيه الآن، فتجده يعمل جاهداً على نفي واستبعاد هذه الحقيقة التي عاشها وحبكها وحاكها بنفسه عن نفسه، أي الإخواني المتنكر الذي يخشى على نفسه من خفة الإخوان وعدم قدرتهم على إخفاء سره والتسبب في فضحه، واحتمالية قتله أو تعرضه للانقلاب عليه بسببهم
بعد
هذا الإعلان وقتها، أبدى السيسي انزعاجه الشديد وقلقه وخوفه من افتضاح أمره، وأكد
أن المعادين للإسلام ولوجود الإخوان في السلطة هم من دفعوا بتوفيق لكشفه وفضح
انتمائه للإخوان. الصورة كانت لدى الإخوان والرئيس مرسي والمهندس خيرت وعدد من
أصحاب القرار في الإخوان؛ أن السيسي هو رجلهم في الجيش الذي يجب الحفاظ عليه، وحتى
في حال وقوع انقلاب عسكري فهو سيكون ضحية معهم. ظلت هذه الصورة هي نفسها حتى يوم 3
تموز/يوليو 2013.
كان
الجنرال المسلم المؤمن يتابع أداء أبنائه محمود وحسن وآية صلواتهم وفرائضهم في
وقتها مع زوجته المحجبة عبر الهاتف أثناء عمله أو تواجده في الرئاسة. وساهم في رسم الصورة شهادة من أحد قيادات
الجماعة، وهو شيخ أزهري تربطه علاقة نسب ومصاهرة مع السيسي، وصل إلى أن قال عنه
إنه كان يحضر لقاءات الوحدة التربوية الإخوانية (الأسرة)، وأنه لم يترك وِرده
القرآني رغم انشغاله، وزكّاه لدى قيادات الجماعة والحزب.
السيسي كان يُظهر أنه الذكي المتنكر الذي استطاع الوصول إلى عضوية المجلس
العسكري وكتمان إيمانه بالإخوان والإمام الشهيد حسن البنا وسيد قطب والجاهلية
الحديثة وحلم عودة الخلافة من جديد، بل كان القائد المتواضع الذي يسرع بعد الصلاة
إلى مناولة الرئيس مرسي حذاءه.
قدّم
السيسي نفسه للرئيس مرسي: “أنا معاكم ومنكم، ابن المشروع الإسلامي وابن جماعة
الإخوان المسلمين، الذي يريد أن يأخذ الجيش المصري المسلم مكانته ويتم تطهيره من
الخونة”. وأول عملية كانت ضد خيانة عنان وطنطاوي، وسلّمه تسجيلات صوتية
تدينهم، وكان الوقت المناسب هو عقب مقتل جنود الجيش في رفح بسيناء. فالسيسي رجل الاستخبارات وسكرتير
مكتب القائد، لا يعرف إلا الكذب والخداع والتملق والسهوكة والتمثيل العاطفي.
بمجرد
النجاح في المهمة، استغرقته العقدة النفسية، وباتت تطارده هواجسه وخوفه من بوابته
التي ولج منها لما هو فيه الآن، فتجده يعمل جاهداً على نفي واستبعاد هذه الحقيقة
التي عاشها وحبكها وحاكها بنفسه عن نفسه، أي الإخواني المتنكر الذي يخشى على نفسه
من خفة الإخوان وعدم قدرتهم على إخفاء سره والتسبب في فضحه، واحتمالية قتله أو
تعرضه للانقلاب عليه بسببهم.
هذه
الحالة النفسية التي خلقها لكل من تعامل معهم هي كلمة السر في حالة التكتيف
والتكبيل التي عاشتها قيادة الدولة، متمثلة في الرئيس الشرعي وقيادة الإخوان، ومنعتها من اتخاذ أية قرارات وتدابير كان يمكنها إنقاذ مصر من مصيرها البائس بيد السيسي،
الذي قدّم نفسه كرجل الإخوان في المجلس العسكري، وحرّض مرسي على جهاز المخابرات
العامة، وكان طوال الوقت ينصحه ويحذره بالوثائق والتسجيلات ضد أفراد في الجيش
والمخابرات العامة.
ويدعم
هذه الرواية وثائق سربها موقع ويكيليكس عن مراسلات وزارة الخارجية الأمريكية، رقم
الملف F-2014-20439، رقم المستند : C05793014 التاريخ: 2016/01/07، والأخرى من نفس الملف، رقم
المستند: C05793658 (الأولى عن مراسلات تمت في 14 آب/أغسطس 2012، والثانية في 21 كانون الأول/ديسمبر
2012). توضح الوثيقة مواقف السيسي الفعلية مع مرسي، وكيف كان يظهر الدعم والتفاني
في المساندة، وكيف تواصل معه قبل اختياره وزيراً ليقدم نفسه له على أنه رجل
الإخوان الصادق في الجيش، حتى إن الصحفي ستيفن أ. كوك (Steven
A. Cook)، وهو باحث وخبير أمريكي، كتب في كانون الأول/ ديسمبر 2012 مقالاً
بعنوان: “هل ضباط الجيش المصري من جماعة
الإخوان المسلمين؟”.
وقال:
“دعنا نتفق جدلاً على أنه لا أحد يعلم مدى توغل جماعة الإخوان المسلمين داخل
المؤسسة العسكرية. فمنذ أن أطاح مرسي بالمشير حسين طنطاوي من وزارة الدفاع في آب/أغسطس
الماضي، دوّت في القاهرة همسات مستمرة تفيد بأن بديله، اللواء عبد الفتاح السيسي،
هو مؤيد للإخوان أو أنه كان “عُصفور” (أو جاسوس) الجماعة داخل المجلس
الأعلى للقوات المسلحة. ومع ذلك كله، لماذا تمت ترقية السيسي؟ وما الذي دفع ليختاره مرسي لقيادة الجيش؟ أسئلة وجيهة لا توجد لها إجابات دقيقة للغاية. ورغم
كثرة الشائعات، فلن يكون السيسي أول ضابط رفيع المستوى يبدو متعاطفاً مع أجندة
إسلامية”.
كانت
هذه توطئة لفهم تصريحات وتأكيدات السيسي مراراً وتكراراً أنه لم يقدم نفسه لهم على
أنه إخوان أو سلفي.
أول
تصريح حاول فيه التنصل من روايته عن نفسه كان ادعاءه أن سعد الكتاتني اتصل به وطلب
لقاءه هو وخيرت الشاطر، وأن الشاطر تحدث معه نحو 45 دقيقة وحذره من أعمال عنف يمكن
أن تقع، وأنه رد عليه بغضب: “أنتم عاوزين يا تحكمونا يا تموتونا”.
في آذار/مارس
2016، أصدر مجلس النواب قراراً بإسقاط عضويته توفيق عكاشة بأغلبية ثلثي الأعضاء.
وبعد ذلك بشهر، أفرد السيسي، خلال لقائه أمام
ممثلي المجتمع في 13/4/2016، وبعدد من نواب البرلمان ونقابيين وإعلاميين في قصر
الاتحادية بالقاهرة،
جانباً كبيراً من حديثه لتفنيد رواية عكاشة أنه خدم مرسي لأجل مصر، وصدر كلامه
بقوله:
“أنا
الحقيقة عمري ما كلمتكم عن نفسي، بس إنتو محتاجين تعرفوا شوية عني، فاسمحوا لي
أكلمكم عن نفسي شوية. أنا باكلم كل المصريين. الناس اللي في الجيش عارفاني كويس،
وعارفة أخلاقياتي وعارفة أنا بامشي إزاي. لكن المصريين كلهم ميعرفوش كل حاجة عني،
ودا طبيعي، ومكنتش أتمنى إن أنا أتكلم كدا في بداية كلامي عن النقطة دي، لكن
اسمحولي أكلمكم عشان تعرفوا. لما اتعينت وزير دفاع كان طبيعي لإني انتهازي.. أي
انتهازي بقى عاوز يكسب ويبقى وزير دفاع واختاروه يبقى وزير دفاع، لما يخش عليهم
يقولهم: أنا معاكم، أنا منكم.. بس كنت مستخبي. لا والله! أنا قدمتلهم نفسي
كالآتي.. كالآتي: أنا مش إخوان ومش هبقى إخوان، وأنا مش سلفي ومش هبقى سلفي. أنا
بأقول الكلام دوَّت لأول مرة باقولهولكم وباقوله للمصريين. قلت أنا مش إخوان ومش
هبقى إخوان، ومش سلفي ومش هبقى سلفي، أنا مسلم بس، أنا إنسان مسلم بس.
طول
ما الجيش المصري وشعب مصر موافق عليك، جيش مصر معاك. الجيش دا جيش وطني شريف.. جيش
وطني شريف بيمثل كل المصريين، لا هو جيش الإخوان ولا جيش السلفيين ولا هيكون. دا
جيش مصر بس.. أنا باقولكم الكلام دا ليه.. لجل تعرفوا أي حد في مكاني ميعملش كدا،
لكن أنا باثق في ربنا. كل واحد بياخد نصيبه، ومفيش قدم على قدم بتتحرك إلا بإذن
الله، محدش هياخد نصيب حد، إذا كان عندك الثقة دي في الله، مش في نفسك.. متخافش،
بس متتهورش.. متخافش، بس متتهورش. بس أنا باقدمله نفسي عشان يبقى عارف.. إن إحنا،
أنا جاي منين، والمؤسسة دي أخبارها إيه. عشان هو يبقى عارف حدود التعامل بينا وبين
بعض”.
طبعاً
كل هذا كذب بواح صراح فواح، وكرّس هذه الرواية في نيسان/أبريل 2022 بمسلسل
الاختيار، الذي يحظى بميزانية إنتاج مفتوحة، حوّل الأمر من كونه ضابطاً متطلعاً
بنى قنوات تواصل مع الإخوان قبل سنوات من تعيينه وزيراً للدفاع، ليستثمرها لاحقاً
ويعرض خدماته رغبة في تعزيز الثقة لديهم، إلى العكس تماماً، في مشهد يظهر
الرئيس المغدور الشهيد، وهو بكل سذاجة يطلب منه الانضمام لجماعة الإخوان، ويرد
عليه ياسر جلال بنص كلام السيسي الذي روّج عن نفسه في نيسان/أبريل 2016.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
