في أوج نجاح الفنان الراحل أحمد زكي، وقمة تألقه، لم يشأ أن يُبدد موهبته في أعمال تجارية كان من المُمكن أن تُدر عليه أضعاف ما يجنيه من عائد الأفلام الجادة، لكنه أبى التنازل وظل متمسكاً بالقيمة الفنية لإيمانه بأنها الأثر الباقي للفنان بعد رحيله.
وبالفعل لم يحد عن هذا المبدأ إلا مُضطراً في بعض الأحيان بفعل الظروف المالية الصعبة التي واجهها في فترات غير قليلة من حياته، ولُحسن حظه أنه وجد شريكاً له في مبدأه الإبداعي المهم، هو المخرج عاطف الطيب الذي آمن بموهبته ووظفها أفضل توظيف فصنع معه أفلاماً ما زالت موضع إعجاب ومحل جذب، «الحُب فوق هضبة الهرم»، «البريء»، «ضد الحكومة»، «الهروب»، الهروب بالتحديد كان مقياساً حقيقياً للجرأة والتحدي في التصريح بأهم ما كان يؤرق المُجتمع المصري أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، فالفيلم المذكور أنتج عام 1991.
ولأهمية القصة وحساسيتها الأمنية، اشترك اثنان من أهم كُتاب السيناريو والحوار في كتابة الفيلم، هما مصطفى محرم وبشير الديك، وعندما اطمأن الطيب للصياغة النهائية للأحداث، واستقر على المفهوم والمعنى المُستهدفين، شرع في التنفيذ فكانت الرؤية السينمائية واضحة القصد والمعالم.
لقد انطوت أحداث الفيلم على مضمون أساسي وفكرة جلية، مفادها أن الظلم الاجتماعي هو نقطة البداية في سلسلة الإجرام التي شكلت مسيرة البطل مُنتصر، الشاب الصعيدي القيمي الذي رفض خداع العُمال البسطاء بعقود وهمية مفبركة للسفر والعمل في الخارج، وأبى أن يقبل الرشوة من صديقه (يوسف فوزي)، لتمرير مشروع الخدعة والخيانة، فكان جزاؤه السجن وتخلي زوجته عنه، بالهروب من مصر بمساعدة إحدى سيدات المُجتمع المُزيف (ليلى شعير)، التي أوت الزوجة الخائنة (عايدة فهمي)، وشجعتها على رحلة الذهاب الجهنمية بلا عودة.
تلك كانت مُعطيات الظُلم التي أدت بالبطل إلى الانحراف القسري ودفعته إلى الاستمرار في دوامة القتل والهروب تلو الهروب بجرائم ارتكبها تحت ضغوط شديدة، وفي ظل أزمات مُتتالية، أحاطت به فصار في نظر القانون والعدالة، مُجرما عتيدا في الإجرام، وهو الشخص الرقيق الطيب الذي يهوى صيد الصقور ومتابعة مسيرتها في السماء لإعجابه بكبريائها ورغبتها في التحليق عالياً.


وهنا نلمح ذلك التشابه الذي ركز عليه كل من بشير الديك ومصطفى محرم في محاولة منهما لتقريب الصورة بين الطائر الذي يوقعه الصياد في الشرك للسيطرة عليه واصطياده، وبين البطل الهارب من الشرك المنصوب له من قوات الأمن، أخذاً بأدلة غير دقيقة للإدانة، من دون التفتيش في مشواره وحياته عن دوافع الهروب وأسباب الجرائم.
الفيلم لا يقدم أدلة البراءة ولا يعفي «مُنتصر» الشقي من الجرائم الشنيعة التي ارتكبها، وإنما يضع فقط النقاط فوق الحروف، مُطالباً بالرحمة والعدالة في الحُكم على الشاب المُطارد، كأنه يُغلب المبدأ الإنساني على أدلة الإدانة المسودة بالأوراق الرسمية، فضلاً عن عدم إعفاء القوة التنفيذية من مسؤولية الحماية المُجتمعية والفردية لتقصيرها في دورها وتحرياتها واستقصاء الحقيقية من منابعها الأصلية.
لقد وضع المخرج عاطف الطيب، ضابط المباحث العادل المتأني في قراراته وإجراءاته (عبد العزيز مخيون) في مواجهة مع الضابط الآخر المُستبد (محمد وفيق)، صاحب النظرية الأمريكية في التعامل مع الخارجين على القانون والتي تقضي بإحكام الحصار عليهم وقتلهم إن استدعى الأمر، وهو ما طُبق بالفعل في مشهد النهاية، حيث قُتل الضابط المُلتزم بالقانون في اللحظة ذاتها التي قُتل فيها البطل الهارب، وتضمن مشهد القتل داخل كادر واحد وجود الراقصة (هالة صدقي) كشاهد عيان على الجريمة البشعة التي ارتكبتها قوات الأمن بإشارة من الضابط الأحمق المُتعجرف الذي نصب نفسه قاضياً ومُنفذاً لحُكم الإعدام بلا سند قانوني ولا وازع من ضمير! والغريب أنه في المواجهات الأمنية بين الجماعات المُتطرفة وقوات الأمن إبان فترة التسعينيات، ووصول التفاهمات ومساعي التهدئة بين الطرفين إلى طريق مسدود، كان الخيار الأول من جانب الأمن وفق أحداث الفيلم، هو مُحاولة إيجاد وسيلة لفض الشغب من دون دماء، لأن الجماعات المُتطرفة كانت تمتلك في حينه أدوات الردع وتُهدد بالفعل السلم العام. لذا كانت مهادنتها أمراً واجباً، على عكس التعامل مع بطل الفيلم مُنتصر، رغم كونه فرداً لا يملك من القوة ولا العتاد ما يُمثل خطراً داهماً على المُجتمع، لكنها سهولة القتل في حالة القُدرة عليه، واستعجال قانون الإعدام بغير أوراق الحُكم الموثق وإصدار الفتوى الشرعية طبقاً لما تقتضيه العدالة عند التنفيذ بعد ثبوت التهمة على الجاني.
إن ما أراد أن يلفت المخرج عاطف الطيب النظر إليه، بوصفه عواراً في قانون الجنايات، وعاراً على نظام الحُكم البائد آنذاك حدث بالفعل بوصول الرسالة إلى المعنيين بها من الحقوقيين ورجال السُلطة، لكن بلا جدوى فقد وصلت الرسالة السينمائية بعد أن سبق السيف العذل، ودفع البطل الضحية ثمن الفوضى القانونية واستبداد القوة الغاشمة بالضعفاء الذين لقوا حتفهم بعد ظلمهم ظلماً بيناً، بالسجن في عتمة الزنازين تارة وإراقة دمائهم في الساحات تارة أخرى. هكذا وقف فيلم الهروب بنهايته السوداوية المفتوحة عند مُفترق الطُرق، مُرتكزاً على قاعدة غياب القانون في ظل نظام سياسي كان يحكم البلاد بُمقتضى القوة وليس بموجب العدالة.

كاتب مصري