كلما اقترب موعد إعلان جائزة نوبل للآداب، استعاد العرب سؤالهم القديم: متى يأتي دورنا؟ تتجدّد التكهنات، وتتصدر أسماء بعض الكتاب قوائم التوقعات، وتُستعاد حكاية نجيب محفوظ لحظة استثنائية في تاريخ الأدب العربي الحديث. ثم يُعلن الاسم الفائز، وينتهي الموسم، ليعود الانتظار في الخريف المقبل، محمّلا بالأسئلة نفسها.

من حقّنا أن نتطلع إلى فوز كاتب عربي بالجائزة، ومن حقنا أيضا أن نتساءل عن موقع أدبنا في خريطة الأدب العالمي، وعن المسافة التي تفصل بين قيمة الكتابة وفرص وصولها إلى المؤسّسات الثقافية الكبرى، فحكاية “نوبل” العربية أوسع من جائزة تتأخر، وأعمق من اسم نترقب سماعه كل عام.

حين فاز بالجائزة عام 1988، فتح نجيب محفوظ باباً واسعاً أمام الرواية العربية، وبدأ قرّاء جدد يتعرّفون إلى عوالم القاهرة وشخصياتها وتحولاتها، وإلى الأسئلة الإنسانية التي حملتها رواياته. كان ذلك انتصارا لكاتب كبير، وفرصة للأدب العربي كي يصل إلى قراء خارج حدود لغته. ومع ذلك، ظلت المفارقة قائمة: احتاج أدبنا إلى اعتراف عالمي كي يلتفت قطاع من القراء والناشرين في الخارج إلى واحد من أبرز روائييه، مع أن تجربته كانت قد أثبتت مكانتها قبل الجائزة بسنوات طويلة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت “نوبل” امتحاناً سنوياً لمكانة الثقافة العربية في نظر كثيرين، وصار غياب الاسم العربي مناسبة للحديث عن التهميش والانحيازات الثقافية. ولا يمكن تجاهل أثر القوة الثقافية في تحديد ما يصل إلى العالم، أو دور الترجمة والنشر في صناعة الشهرة الأدبية، غير أن تفسير كل غياب مؤامرةً يحرمنا من مراجعة ما نستطيع تغييره في واقعنا الثقافي. فالكاتب العربي قد يقضي عمره في بناء مشروع أدبي مهم، ثم تظل أعماله حبيسة لغته، أو تصل إلى لغات أخرى عبر ترجمات محدودة، من دون أن تجد ناشراً يمتلك القدرة على توزيعها والتعريف بها. وفي المقابل، تحظى أعمال كتّاب آخرين بفرص أوسع للانتشار، فتصل إلى النقاد والجامعات والمهرجانات، وتصبح جزءا من النقاش الأدبي العالمي. هنا تتضح أهمية الترجمة بوصفها جسرا ضروريا، وأهمية المؤسسات التي تتعامل مع الأدب باعتباره مشروعا يحتاج إلى الاستمرار.

كم من شاعر عربي لا يعرفه قارئ الفرنسية أو الإسبانية؟ وكم من روائي يمتلك تجربة ثرية لم تتح له فرصة الوصول إلى جمهور أوسع؟ إن مسؤولية التعريف بأدبنا تقع على عاتق مؤسساتنا الثقافية، التي تحتاج إلى دعم المترجمين المحترفين، وبناء علاقات مستمرة مع دور النشر العالمية، واختيار الأعمال التي تستحق العبور إلى لغات أخرى. وتبقى هناك مسألة أكثر إلحاحا تتعلق بعلاقتنا بكتّابنا. لماذا ينتظر بعضنا اعتراف الخارج كي يكتشف قيمة كاتب عربي؟ ولماذا تتكاثر المقالات والاحتفاءات بعد فوز عالمي، بينما تمر تجارب مهمة من دون قراءة نقدية جادة؟ يحتاج الكاتب إلى قارئ يؤمن بعمله، وناقد يناقشه بإنصاف، وناشر يمنحه فرصة الوصول إلى الناس.

جائزة نوبل مهمة، وقد تغيّر مسار كاتب وتفتح أمامه أبوابا جديدة، لكنها لا تختصر تاريخ الأدب ولا تمنح الكتّاب قيمتهم النهائية. فالأدب العربي يمتلك تاريخا غنيا وتجارب تستحق القراءة، وقيمته لا تتوقف على قرار مؤسّسة واحدة. ومع كل خريف، سنظل نترقب اسم الفائز، ونفرح إذا جاء من لغتنا. غير أن السؤال الأهم ينبغي أن يرافق انتظارنا: ماذا نفعل كي تصل كتبنا إلى العالم؟ فالجائزة قد تفتح الباب أمام كاتب، أما الطريق الذي يقود إليه فيحتاج إلى عمل ثقافي متواصل، وإلى ثقة بما نكتب، وإلى إرادة تجعل حضور الأدب العربي مستمرّاً بعد انقضاء موسم الجوائز.