يؤدي مخرج الفيلم وممثله الرئيس بن أفليك دور “مارك كيمبل”، المرشح الثري لمنصب عمدة لوس أنجليس (التي تدور رحاها هذه الأيام في تزامن ذكي). وعلى رغم أنه مستقل، يصر “كيمبل” على الفوز بكل ما أوتي من قوة، مخاطباً مدير حملته “سام” (ستيفن يون) بأنه لا يحتمل فكرة الإخفاق في الانتخابات، مهما كلف الثمن، ولا سيما بعدما أظهرت نتائج الاستطلاعات انخفاض شعبيته في أوساط الناخبين من ذوي الأصول اللاتينية.
تدور أحداث الفيلم في مدينة لوس أنجليس (بعد حرائق عام 2025)، لذا يتجول المرشح في أوساط المدينة وفي قاعها، عاقداً العزم على نيل ثقة الناخبين وإصلاح أعطال الطبيعة، ومساوىء المرشحين الانتهازيين الذين طبعوا الحياة السياسية بالزيف والأكاذيب والتراجع عن الوعود.
ليلة الاحتفال بـ”الهالوين”
وفي غمرة استعداداته وحماسته، وفي ليلة الاحتفال بـ”الهالوين”، يتلقى اتصالاً يبلغه باختطاف ابنه وطلب فدية قدرها 7 ملايين دولار، فيجد نفسه وزوجته كيري واشنطن بدور “أبيغيل” نفسيهما في مأزق خطير، بعد إخبارهما بأن أمامهما ساعات قليلة لجمع مبلغ الفدية.
وأمام حقيقة نفاد أموال المرشح التي أنفق معظمهما على الحملة الانتخابية، يلجأ بمساعدة مستشاره إلى سيدة تدعى “ديل” (جيليان أندرسون) بمقدورها تأمين المبلغ مع فوائد ضخمة، فينصاع المرشح وزوجته للأمر الواقع.

بوستر الفيلم (نتفليكس)
ومع توتر الأحداث وإصرار الخاطفين على الدفع وتهديدهم بقتل الابن إن لم تصل إليهم الأموال في الوقت المحدد، يظهر الابن “ديني” وهو يدخل البيت فرحاً بزي الاحتفال، فيعصف بالأحداث خلل بنيوي يقلب التوقعات والرهانات والوعود، بعد أن يخلط الخاطفون بين ابن المرشح وزميله، و”هيكتور” ابن مدبرة المنزل “سيسيليا”، ذات الأصول اللاتينية وشريكها الذي يعمل مزارعاً موقتاً في منزل المرشح.
وفي رمشة عين يتحول ذعر المرشح وزوجته (ذات الأصول الملونة) إلى فرح غامر، من دون إيلاء الاهتمام ذاته والمخاوف نفسها إزاء محنة الفتى اللاتيني الذي يعيد الخاطفون شروطهم للإفراج عنه أو قتله.
منعرج الفيلم الأساس
هنا يكمن منعرج الفيلم الأساس، ولا سيما بعد تراجع نبرة المرشح وزوجته، ومحاولتهما التملص من شرط دفع الفدية والتفاوض على المبلغ الأصلي ومبلغ الأتعاب. لكن “سام” يحذر المرشح من أن تراجعه عن الدفع أو تهاونه في إنقاذ “هيكتور” سيقوض مكانته في أوساط الناخبين من أصول لاتينية، ويدمر فرصه الانتخابية في حال تسريب الخبر للإعلام.
وأمام هذا الضغط الهائل وحفاظاً على مكاسبه الانتخابية، ينصاع المرشح، ويقر التفاوض مع الخاطفين وتنفيذ شروطهم، وتحديد مكان تسليم الملايين الـ7 وزمانها في أحد الأحياء الشعبية في لوس أنجليس يسمى “فروغتاون”، حيث يترافق ذلك مع تطورات تنتهي بنزاع مسلح يؤدي إلى قتل الخاطفين، وتحويل الرواية إلى سردية يكون فيها المرشح هو البطل المخلّص الذي يفتدي الفتى اللاتيني بحياته وماله، مما يمكنه من الفوز الساحق بالانتخابات، تمهيداً لخوض انتخابات الرئاسة الأميركية.
الجهد المبذول في الفيلم بدا لكثير من النقاد أنه لا يرقى إلى المستوى المنشود من مخرج العمل وممثله والمشارك في تأليفه بن أفليك، الحائز على جائزتَي “أوسكار” وجائزتي “بافتا” و3ثلاث جوائز “غولدن غلوب”. وبرزت مقارنات (تشير إلى التأثر والاقتباس) بين هذا الفيلم وفيلم الياباني أكيرا كوروساوا “الجنة والجحيم” الصادر عام 1963، ويتناول حكاية مشابهة لرجل أعمال ياباني يخوض صراعاً للسيطرة على شركة أحذية كبرى، لكن خططه تضطرب حين يقوم خاطف عن طريق الخطأ باختطاف ابن سائقه، مطالباً بفدية قدرها 30 مليون ين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم يكُن مأخذ “التخاطر” هو وحده ما عاب فيلم بن أفليك الذي يعاني، بحسب كثير من النقاد في صحف “نيويورك تايمز” و”ذا غارديان” ووكالة “أسوشيتد برس” وموقع “Roger Ebert” وسواها تشتت السيناريو وخفوت التوتر الدرامي وسطحية المعالجة وضعف أداء الممثلين، علاوة على أنه باهت ومخيب للآمال أداء وتصويراً وموسيقى. وانتقد على نحو حصري أداء بن أفليك الذي لا يرقى إلى ما قدمه في فيلميه The Town وArgo على سبيل المثال.
السلطة والمال والأخلاق
ولم تنسَ الآراء السلبية التي قيّمت الفيلم الإشارة إلى أن اختيار مكان التصوير في قصر المرشح يصلح لتقديم مسرحية لا لتصوير فيلم، مع أن صحيفة “فايننشال تايمز” أشادت بمواقع التصوير في أماكن مغلقة باعتبارها “خياراً إنتاجياً وفنياً يخدم أجواء التوتر” في الفيلم.
خطاب الفيلم يبدو طموحاً لجهة مساءلة العلاقة بين السلطة والمال والصورة الأخلاقية، والتناقض بين الخطاب السياسي المنادي بالعدالة والمساواة والسلوك الفعلي، حين تصبح المصالح الشخصية مهددة.
وإن كان الفيلم أخفق في تحويل هذه الأفكار إلى دراما مرنة ومقنعة وعميقة الأثر، لكن الأفكار تبقى محتفظة براهنيتها وشدة حضورها، خصوصاً في ظل السباقات المحمومة للظفر بالسلطة، لا في الولايات المتحدة وحدها، وإنما في مختلف أنحاء العالم، بخاصة أوروبا.
والسؤال الأخلاقي الحارق يمثل العمود الفقري للفيلم، كيف تتبدل الأفكار والمشاعر والقناعات والحماسة في حال أن الضحية ابني أو ابن الآخرين؟ إنه اختبار صعب تُمتحن أمامه الوعود والشعارات والأحاسيس.
بين أفليك وكوروساوا
ربما كان بن أفليك يطمح للارتقاء إلى العلو الشاهق الذي حققته سينما كوروساوا، خصوصاً في فيلمه الذي يصبح فيه قرار دفع الفدية اختباراً للضمير والاختلاف الطبقي. وكانت الفدية في فيلم “الجنة والجحيم” أداة لهجاء النفاق السياسي وتفكيك إشكاليات الأخلاق والانقسام الاجتماعي في اليابان التي كانت تخطو بسرعة للدخول في عالم رأسمالي متوحش عبّدته “أميركا بن أفليك” الذي يرى بلاده الآن تفقد روحها وبريقها الجذاب كأرض للوعود والأحلام الكبرى بالحرية والعدالة والمساواة.
وفي غضون ذلك كله تحضر الفلسفات الأخلاقية الكبرى، منذ أرسطو الذي رأى أن الفضيلة ليست ما نقوله عن أنفسنا، بل ما نتعلمه من أفعالنا، إلى كانط الذي حدد مواصفات صارمة للفعل الأخلاقي المقترن بالواجب الذي يصح أن يكون قاعدة للجميع، وهنا يتضح العطب الأخلاقي الذي تعانيه شخصية المرشح، فتصبح مصلحته معياراً يحدد من يستحق الحماية ومن يمكن التضحية به.
لم تكُن نية المرشح لانتخابات لوس أنجليس إنقاذ الفتى اللاتيني، بل إنقاذ حظوظه في الفوز، وهذا ما حاول بن أفليك أن يعبر عنه، لكنه أخفق قليلاً.
