
فاز الكاتب التونسي عماد قيدة بالمركز الأول من الدورة الثانية، لجائزة خالد خليفة للعمل الأول غير المنشور عن روايته « المنصرمون». ورغم ما رافق فوز الكاتب قيدة من احتفاء بفوزه ونيله لهذه الجائزة، التي أُسست لدعم واكتشاف الأصوات الروائية الجديدة، إلا أن تسليطاً للضوء على السياق الذي انطلقت فيه الجائزة والدوافع التي أدت إلى تأسيسها، لم يتم في المقالات التي رافقت إعلان الفوز بالجائزة، رغم أهميتها والوعد الذي يعدنا به الكاتب التونسي، الذي استحق عن جدارة لقب الفوز.
أُطلقت جائزة خالد خليفة، تكريماً وتخليداً لذكرى الكاتب والروائي السوري الراحل خالد خليفة (1964-2023). ولا يتجسد هدف الجائزة باكتشاف ورعاية أصحاب التجارب الروائية الأولى فحسب، بل بتمثيل وتعبير حقيقي عن الوفاء اللامموّل واللامشروط للصداقة، وإقامة طقوس إحياء ذكراها وذاكرتها.
حيث قام مجموعة من أصدقاء الروائي الراحل، بإطلاق مبادرة شخصية لتخليد إرثه الأدبي، والتعبير عن الوفاء لخالد الصديق وامتداد حقيقي وأصيل لهذه الصداقة في عالم الثقافة الإنساني، إذ تبلورت من التمويل الفردي والشخصي المتواضع في قيمته المادية، واللامحدود الوفاء والإخلاص في قيمته المعنوية، في عالم الثقافة والأدب الذي بات يحسب قيمة الكلمة المادية قبل قيمتها المعنوية.
وفي دورتها الأولى العام الماضي، مُنحت الجائزة للروائية السورية مناهل السهوي، عن روايتها «أنثى فرس النبي»، التي نشرت في دار الشروق المصرية، وكان الإعلان عن الجائزة وموعد تسليمها وتكريم الحائزة بها، قد تم إقراره من قبل لجنة الجائزة في الثلاثين من سبتمبر/أيلول من كل عام، في اليوم الذي توفي فيه خالد خليفة، ليتجلى التعبير عن الوفاء لهذه الصداقة بأبهى صوره، حين يتنحى الموت عن متن صداقة ظلت على عهدها وقيدها قيد الأمل، وتلك الإشراقة التي تشي بجوانب مضيئة في المشهد الثقافي العربي عموماً.
تكمن أهمية الجوائز الأدبية والتكريمية، في تعزيز ودعم الحراك الإبداعي العربي، والارتقاء به، بالإضافة إلى خلق مناخات خصبة تكفل نمو مقومات وضمانات تقدير وإسناد الكتاب والفنانين، نساء ورجالا، وجميع من يكرسون أنفسهم للإبداع الثقافي بصوره كافة، ويزخر الواقع الأدبي العربي، بالعديد من الجوائز التي تُمنح في عدة مجالات ومستويات أدبية وثقافية، وتتمتع هذه الجوائز أيضاً بمنحها للفائزين بها لقبها وقيمتها المعنوية المهمة، إلى جانب قيمتها المادية اللافتة، ومعظم هذه الجوائز جرى تأسيسها، إما من خلال صناديق تمويل مدنية، أو من جهات حكومية، تدعم المشهد الثقافي العربي، وقليلة هي الفعاليات والأنشطة المنطلقة من مبادرات فردية وشخصية، في سبيل إحياء ذكرى أحد المبدعين الذين غيبهم الموت، وإطلاق جوائز بأسمائهم. وعليه فإن جائزة خالد خليفة ليست مجرد جائزة أخرى ملتحقة بسياق تكريم ودعم الإبداع العربي، بل هي جائزة تأسيسية ومرجعية لإطلاق جوائز أخرى بأسماء أدباء وأديبات وفنانين وفنانات راحلين، ويتمحور الهدف من وراء جوائز كهذه، بإحياء ذكرى أولئك المبدعين، الذين لم يسعفهم الوقت المفخخ بالموت بمسار الجوائز التقديرية والتكريمية المتعددة في وقتنا هذا.
كما أن الاحتفاء بذكرى خالد خليفة ومعاني صداقته، وإطلاق الجائزة والإعلان عنها من سوريا، يحمل في طياته إشارات جديدة وواعدة للمشهد الثقافي والأدبي السوري، إثر حقبٍ من الطغيان والظلام والقمع، الذي طالما عانت منه سوريا، وإذا كان خالد خليفة في حياته، قد أسس لمفهوم السردية الروائية السورية المعاصرة، عبر روايته «مديح الكراهية»، فهو في خلوده أيضاً قد أسس من خلال الجائزة المتألقة باسمه، سياق العودة لإحياء ذكرى وتكريم مبدعين ومبدعات سوريين، من دون أدنى قيد أو شرط مرتبط بمنح الشرعية للطغيان، يمنح تذكرة الدخول إلى بلاط الحاكم المستبد.
كما أن هذه المبادرة التي أطلقها أصدقاء خالد خليفة، تفتح الباب أمام إعادة الاعتبار للتعددية والتسامح الأدبي والثقافي، والأهم أنها تعزز الصمود الأدبي الواعي في هذا العالم، الذي بات افتراضياً أكثر مما يجب، إلى جانب تكدس الإقصاء والتراتبية الهرمية الأبوية الطابع في الواقع الأدبي العربي، إذ تُخلخل هذه الجائزة هيمنة الكاتب «الألفا» المسيطر، وتفتح أفقاً آخر مغايراً وداعماً، للأصوات الواعدة التي تحتاج الدعم والانتشار لأنها تستحق ذلك عن جدارة، غير أن أشد تحدياتها وعورة هي غياب الجهات الراعية والمساندة لها في المستويين الرسمي الحكومي والمدني الأهلي.
لا تصنع الجوائز الأدبية الكاتب، بل هو من يضفي عليها قيمتها ورمزيتها، ويشرع الكاتب بالتحول من مبدع إلى مجرد بائع وموظف كلمات إذا ما استحوذت عليه شهية الفوز واصطياد الجوائز من هنا وهناك، لتغدو الكتابة الإبداعية مجرد وجبة سريعة يعاد تسخينها وتدويرها، غير أن جائزة خالد خليفة جاءت لتمنح المشهد الثقافي والأدبي العربي بعداً آخر، محملا بمعاني الصداقة والوفاء التي انطلقت من مديح الكراهية إلى مديح المحبة والحياة، ومن النخبوية إلى الأفقية العميقة والزاخرة بالإبداع والتجدد والشباب.
