Published On 16/10/202616/10/2026
|
آخر تحديث: 14:09 (توقيت مكة)آخر تحديث: 14:09 (توقيت مكة)
بينما تمثل الملوحة المرتفعة خطرا على معظم النباتات، فإن نبات الساليكورنيا، أو ما يعرف بـ “الهليون البحري”، اختار العيش في المكان الذي تهرب منه معظم المحاصيل، حيث ينمو وسط الملح في المستنقعات الساحلية والسهول الطينية ومناطق المد والجزر، بل ويمكن لبعض أنواعه أن تعيش في بحيرات ملحية داخلية، بعيدا عن البحار.
ويستطيع هذا النبات تحمل تركيزات من الملح “كلوريد الصوديوم” تتجاوز 200 مليمول لكل لتر، أي ما يعادل نحو 12 ألف جزء في المليون، وهي مستويات قاتلة لكثير من النباتات الأخرى.
قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
وبعيدا عن أن هذا النبات يحمل في حد ذاته قيمة غذائية، إذ تُستهلك سيقانه الغضة خضارا طازجا، وتحتوي بذوره على زيوت ومكونات غذائية، فإن الفائدة المرجوة منه تتجاوز ذلك، إذ إن فك شفرة جينومه، الذي يمنحه هذه القدرة الاستثنائية، قد يساعد على تطوير زراعة أقل اعتمادا على المياه العذبة، وهذا ما سعى إليه فريق بحثي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بالسعودية.
وخلال الدراسة المنشورة في دورية “نيتشر كومينيكيشنز”، استعان الباحثون بتقنيات التسلسل الجيني والتحليل المقارن، لفهم كيفية تطور هذا الجنس النباتي وتكيفه مع البيئات شديدة الملوحة، ولم يكتفوا بفحص نوع واحد، بل أنشؤوا تسلسلات مرجعية عالية الجودة للجينوم على مستوى “الكروموسومات” لـ6 أنواع من الساليكورنيا، كما حللوا التنوع الوراثي في 318 عينة وراثية، جُمعت من 13 دولة، بما أتاح مقارنة مجموعات نباتية تنمو في بيئات جغرافية ومناخية مختلفة.
ساعدت هذه المنهجية العلماء على اكتشاف مفاجآت حول تاريخ الجينوم نفسه، إذ تبين أن بعض سلالات الساليكورنيا لم تكتف فقط بتطوير جينات تساعدها على التعامل مع الملح، بل شهدت أيضا تغيرات واسعة في حجم الجينوم وتركيبه.
أجرت الدكتورة فانيسا ميلينو وفريقها البحثي التجارب في “كاوست” (فانيسا ميلينو)فهم أصل المشكلة
وقبل الخوض في تفاصيل هذه الاكتشافات، يتعين علينا في البداية فهم المشكلة التي تواجه النبات عندما ترتفع ملوحة التربة أو مياه الري، فعندما تزداد الأملاح الذائبة حول الجذور، يصبح امتصاص الماء أكثر صعوبة، حتى عندما تكون التربة رطبة، وتُعرف هذه المشكلة باسم “الإجهاد الأسموزي”، وفي الوقت نفسه، قد يؤدي تراكم بعض الأيونات، مثل الصوديوم، إلى اضطراب العمليات الخلوية والإضرار بالأنسجة.
وتعتمد النباتات على منع دخول الصوديوم إلى أنسجتها، بينما طور نبات الساليكورنيا إستراتيجية مغايرة تماما، تسمح بامتصاص الصوديوم وتراكمه، مع الاستفادة من حجرات داخل الخلايا تُسمى “الفجوات العصارية”، لعزل أيونات الصوديوم عن أجزاء الخلية الحساسة، كما يتميز النبات بأوراق مختزلة، وأنسجة عصارية غنية بالماء، وتراكيب تساعده على الحد من فقدان الماء والتعامل مع تغير الضغط الأسموزي.
ولا تعمل هذه التكيفات بمعزل عن آليات أخرى تتداخل معها، كآليات تعمل على تنظيم نقل الأيونات عبر الأغشية، والاستجابة للإجهاد الأسموزي، وعمليات التمثيل الغذائي التي تساعد النبات على الاستمرار في ظروف قاسية.
وتقول الدكتورة فانيسا ميلينو، من برنامج علوم النبات، بقسم العلوم والهندسة البيولوجية والبيئية بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، والباحثة الرئيسية في الدراسة، للجزيرة نت إن: “إن أهمية دراستنا تكمن في أنها سعت إلى تحديد الجينات والعائلات الجينية التي قد تكون أسهمت في تطوير هذه الإستراتيجيات المتكيفة مع الملوحة، بدلا من الاكتفاء بوصف الصفات الظاهرة للنبات”.
وتوضح أن “نبات الساليكورنيا بيجيلوفي، الذي ينمو في أمريكا الشمالية على سبيل المثال، يعد مثالا لافتا على جينوم شهد تغيرات كبيرة، فقد أثبتنا أنه تضاعف حجمه خلال عملية التهجين، عندما تزاوجت الأسلاف الوراثية (بي) و(دي) للمرة الأولى، ثم تضاعف حجمه مرة أخرى نتيجة توسع (الريتروترانسبوزونات)”، وهي قطع من الحمض النووي (دي إن إيه) تستطيع إنتاج نسخ جديدة من نفسها والانتقال إلى مواقع مختلفة داخل الجينوم، عبر وسيط هو الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) ولهذا تُعرف أحيانا باسم (العناصر الوراثية القافزة).
يتميز نبات “الساليكورنيا بيجيلوفي” بسيقان أكثر سمكا وامتلاء بالماء (فانيسا ميلينو )المرونة في الاستجابة للتغيرات
ورغم أن الفريق البحثي لم يتمكن حتى الآن من تفسير الكيفية الدقيقة التي أثرت بها هذه التغيرات في النوع، فإن هذا النبات يتميز بسيقان أكثر سمكا وامتلاء بالماء، وبذور أكبر حجما مقارنة بالأنواع الأخرى.
وتقول فانيسا “ربما تفسر هذه التغيرات الجينومية بعض الاختلافات التي نلاحظها، وهي صفات قد تكون مفيدة عند تطوير هذا النبات ليصبح محصولا غذائيا في المستقبل، إذ يُطلق على الساليكورنيا اسم “الهليون البحري” عند تسويقها خضارا طازجا “.
وتوضح أن توسع الجينات المرتبطة بعمليات التمثيل الغذائي والاستجابة للإجهاد لدى جميع أنواع الساليكورنيا، مقارنةً بالنباتات الأخرى المنتمية إلى الفصيلة نفسها، قد يساعد على تفسير كيفية تكيف هذا الجنس النباتي مع امتصاص تركيزات مرتفعة من الصوديوم وتخزينها في سيقانه، فضلًا عن تكيفه مع البيئات الساحلية المالحة، ومناطق المد والجزر، والسهول الطينية حول العالم، وكيفية تعديله لتدفق الأيونات وحركة المياه داخل أنسجته استجابة للتغيرات في الضغط الأسموزي المحيط به، ومن أهم الجينات التي تم تحديدها في هذا الإطار هو ما يعرف بـ “مستشعر الإجهاد الأسموزي”.
وتضيف: “إن هذه المرونة في الاستجابة قد تكون مفيدة في الزراعة باستخدام المياه المالحة، حيث يمكن أن تتفاوت ملوحة مياه الري، سواء كانت مستمدة من البحر أو من المياه الجوفية المالحة، باختلاف المواسم، كما يمكن نقل هذه الصفة إلى المحاصيل الغذائية، لمساعدتها على التكيف والاستجابة للتغيرات البيئية، وربما تعزيز قدرتها على تحمل الملوحة”.
بذور نبات الساليكورنيا (فانيسا ميلينو)التحويل لتطبيقات عملية
وعن كيفية تحويل النتائج الجينومية التي تم التوصل إليها إلى تطبيقات عملية، مثل استنباط أصناف زراعية يمكنها النمو في التربة المتأثرة بالملوحة أو ريها بمياه البحر أو المياه قليلة الملوحة، توضح فانيسا أن تحويل الساليكورنيا إلى محصول غذائي حديث يتطلب خطوات عديدة، من بينها الحد من بعض الصفات المرتبطة بالنباتات البرية، مثل تناثر البذور وسقوطها قبل الحصاد، وطول الفترة اللازمة للوصول إلى النضج، وصغر حجم البذور.
وتقول: “بدأنا في تتبع هذه الصفات المهمة ضمن دراسة لاحقة، تبحث إمكانية استخدام الساليكورنيا محصولا لإنتاج الزيت من البذور، خصوصا في البلدان التي يحد فيها شح المياه من القدرة على الإنتاج المحلي، ويمكن بعد ذلك الاستفادة من جينومات هذه الأنواع لتسريع استنباط هذه الصفات وإدخالها في الهجن الحديثة، بما يتيح للمزارعين الوصول إلى أفضل المواد الوراثية المتاحة لأغراض التربية والتحسين الزراعي”.
وعن القيمة التي أتاحها الباحثون بدراسة 318 عينة وراثية من مناطق جغرافية مختلفة، أوضحت أن التنوع الوراثي لنبات الساليكورنيا يعد عنصرا مهما للغاية في دراستهم، لأن هذه الأنواع تنتشر على نطاق واسع حول العالم، وتنمو في بيئات شديدة الاختلاف من حيث درجات الحرارة والملوحة والرطوبة وغيرها من العوامل.
وتقول: “يمكن للمربين استخدام هذه المجموعة المرجعية المنظمة من الأصول الوراثية لتعزيز التنوع الجيني للأصناف التي يعملون على تطويرها، من خلال التهجين وإدخال صفات تلائم الاستخدام الزراعي في بيئات مختلفة”.
وتستشهد بما يحدث مع القمح، إذ غالبا ما تواجه برامج التحسين الوراثي الحديثة قيودا ناجمة عن تضاؤل التنوع الوراثي، ولذلك، بذلت برامج عديدة جهودا متعمدة لتوسيع القاعدة الوراثية للمحصول، من خلال البحث عن السلالات المحلية والأقارب البرية للأصناف الحديثة وإدخالها في برامج التربية، وأتاح هذا التوجه، الذي يشبه العودة بالزمن إلى ما قبل اكتمال تدجين المحصول، لمربي القمح اكتشاف صفات لم تكن متاحة في الأصناف الحديثة، مثل مقاومة بعض الأمراض.
وتضيف: “بما أننا لا نزال في المراحل المبكرة من تدجين الساليكورنيا، فإننا نمتلك فرصة للبدء بقاعدة وراثية واسعة، تتوفر فيها خيارات متعددة من الصفات المرغوبة، ويمكن انتقاؤها بسهولة أكبر وفقا للاحتياجات الزراعية”.
