رح يعاني الإيقاع أيضاً من رغبة الفيلم المستمرة في إبقاء المشاهد منشغلاً، سواء عبر المونتاج السريع أو الموسيقى الصاخبة أو الانتقال المتكرر بين الشخصيات. وتضيف أجواء التسعينيات والأغاني المرتبطة بتلك الفترة طابعاً مرحاً إلى التجربة، لكنها لا تنجح دائماً في بناء إحساس متكامل بالحقبة الزمنية التي تجري فيها الأحداث. وأحياناً تبدو هذه العناصر وكأنها تحاول التعويض عن ضعف بعض المشاهد بدلاً من دعمها.

المزيد عن هذا الموضوعStreet Fighter ImagesStreet Fighter Images

لطالما واجهت الأفلام المقتبسة عن ألعاب الفيديو تحدياً في نقل العناصر التي تجعل ألعابها الأصلية مميزة إلى الشاشة الكبيرة، لكن التحدي يبدو مختلفاً قليلاً عندما نتحدث عن Street Fighter. فنحن أمام سلسلة تضم مقاتلين يطلقون كرات الطاقة من أيديهم، وشخصيات بتصاميم يصعب تخيلها في العالم الحقيقي، وحركات قتالية تتحدى قوانين الفيزياء. لحسن الحظ، لا يحاول المخرج كيتاو ساكوراي تقديم تفسيرات منطقية لكل ذلك، بل يحتضن غرابة هذا العالم ويجعلها جزءاً أساسياً من هوية الفيلم. والنتيجة تجربة مليئة بالطاقة والمواقف المضحكة والمواجهات القتالية الممتعة، لكنها تعاني أيضاً من قصة غير متماسكة بما يكفي، وعدد كبير من الشخصيات التي لا تحصل جميعها على المساحة التي تستحقها.

تبدأ الأحداث بمقدمة مرسومة بأسلوب الأنمي، تستعرض العلاقة التي جمعت بين ريو وكين خلال تدريبهما تحت إشراف معلمهما غوكن، قبل أن تتباعد طرقهما نتيجة أحداث من الماضي. وتُعد هذه المقدمة من أكثر أجزاء الفيلم تميزاً بصرياً، ليس فقط لأنها تستحضر أسلوب الأنمي المرتبط بالسلسلة، بل لأنها تؤسس للصراع العاطفي الذي يفترض أن يحمل القصة لاحقاً. فالعلاقة بين ريو وكين لا تقوم على المنافسة وحدها، وإنما على صداقة قديمة امتزجت فيها مشاعر الأخوة بالغيرة والكبرياء والرغبة في إثبات الذات.

يختار الفيلم بعد ذلك تقديم الشخصيتين في موقعين مختلفين تماماً. فبينما يبتعد ريو عن عالم القتال ويحاول الهروب من ماضيه والقوة المظلمة التي يخشى فقدان السيطرة عليها، يتحول كين إلى شخصية مشهورة تعيش على أمجادها السابقة ويشارك في حملات إعلانية وظهورات إعلامية لا تعكس بالضرورة قدراته الحقيقية. ورغم امتلاكه الشهرة والمال، يبدو كين شخصاً لم يتمكن من تجاوز علاقته بريو أو التخلص من شعوره بأنه لا يزال يعيش في ظله. ويمنح هذا التناقض الشخصيتين نقطة انطلاق مثيرة للاهتمام، حتى إن لم يعرف السيناريو دائماً كيف يستفيد منها.

يقدم نواه سينتينيو أحد أبرز أدوار الفيلم بشخصية كين، حيث ينجح في تجسيد ثقته المفرطة بنفسه واندفاعه المستمر مع الاحتفاظ بجانب أكثر إنسانية خلف هذه التصرفات. فعلى الرغم من أن بعض مواقفه تبدو سخيفة عمداً، فإن أداء سينتينيو يمنع الشخصية من التحول إلى مجرد مصدر للنكات. ويبرز ذلك بصورة خاصة عندما يجتمع مع ريو، إذ تتحول مشاحناتهما إلى تعبير عن سنوات من المنافسة والمشاعر التي لم يتمكنا من مواجهتها بشكل مباشر. ويبدو كين هنا امتداداً طبيعياً للشخصية التي عرفناها في الألعاب، بدلاً من محاولة إعادة تقديمها بصورة مختلفة لمجرد خدمة الفيلم.

يقابله أندرو كوجي بأداء أكثر هدوءاً وتحفظاً في دور ريو، وهو اختيار مناسب لشخصية لطالما ارتبطت بالانضباط والتركيز والسعي إلى تطوير قدراتها. ويستفيد الفيلم من الاختلاف الواضح بين الممثلين، خصوصاً خلال المواجهات المباشرة بينهما، حيث تتحول طريقة قتال كل منهما إلى امتداد لشخصيته. لكن المشكلة أن الصراع الداخلي لريو والمتعلق بالقوة المظلمة التي تهدد بالسيطرة عليه وعلاقتها بأكوما، لا يحظى بالتطور الذي يحتاج إليه. ويلجأ الفيلم مراراً إلى مشاهد من الماضي لتوضيح أهمية هذه العلاقة بدلاً من تطويرها بصورة أكثر سلاسة ضمن الأحداث الحالية. ونتيجة لذلك، يمتلك ريو حضوراً مقنعاً بفضل كوجي، لكن رحلته لا تحقق دائماً التأثير العاطفي الذي تسعى إليه.

تدور القصة الرئيسية حول بطولة ينظمها الشرير إم. بايسون الذي يجسده ديفيد داستمالشيان، بهدف جمع أقوى المقاتلين واستغلال طاقة ريو لتحقيق طموحاته الخاصة. وتوفر هذه الفكرة مبرراً مناسباً لجمع شخصيات Street Fighter داخل مكان واحد، لكنها تكشف أيضاً عن أكبر مشكلات السيناريو. فالبطولة التي يفترض أن تشكل محور الأحداث تتحول تدريجياً إلى وسيلة للانتقال بين الشخصيات والمواجهات، من دون الاهتمام الكافي ببناء المنافسة نفسها أو توضيح أهمية نتائجها. ويبدو أحياناً أن الفيلم يعرف الشخصيات التي يريد عرضها والحركات التي يرغب في استحضارها، لكنه لم يجد القصة المناسبة للربط بينها.

مواجهات ممتعة لا تحصل دائماً على الوقت الكافي

تأتي مشاهد القتال لتذكرنا بالسبب الذي يجعل Street Fighter سلسلة محبوبة منذ عقود. فقد نجح الفيلم في نقل أساليب القتال المختلفة والحركات الشهيرة إلى الشاشة الكبيرة بصورة تحافظ على هويتها الأصلية، من دون محاولة جعلها أكثر واقعية على حساب ما يميزها. وتظهر التأثيرات المستوحاة من الأنمي وأفلام الفنون القتالية بوضوح في تصميم المواجهات، سواء من خلال الحركات المبالغ فيها أو الضربات الخاصة التي سيتعرف عليها محبو السلسلة فوراً. والأهم أن هذه العناصر لا تبدو مجرد إشارات سطحية لإرضاء الجمهور، بل تدخل في طريقة بناء الأكشن نفسه.

تتميز بعض المواجهات بتصميم قتالي متقن يستفيد من قدرات الممثلين الجسدية، خصوصاً أندرو كوجي مع استخدام حركة الكاميرا لتعزيز الإحساس بقوة الضربات وسرعتها. وتنجح المواجهات بين كين وريو بصورة خاصة لأنها لا تعتمد على الاستعراض وحده، وإنما تستفيد من الاختلاف بين الشخصيتين لإضافة طابع كوميدي وتنافسي إلى القتال. هنا يظهر الفيلم في أفضل حالاته، عندما تتكامل الحركة مع الشخصيات بدلاً من أن تكون مجرد استعراض بصري منفصل عن القصة.

لكن رغم جودة هذه المشاهد، وجدت نفسي أرغب في المزيد منها. صحيح أن الفيلم يتضمن عدداً من الاشتباكات والمواجهات المتفرقة، لكن الكثير منها ينتهي قبل أن يصل إلى المستوى الذي تتوقعه من فيلم يحمل اسم Street Fighter. وتزداد هذه المشكلة مع التقدم في الأحداث، حيث تصبح بعض المواجهات أسرع وأكثر اعتماداً على المؤثرات البصرية والمونتاج المتلاحق. وبينما تنجح هذه الأساليب أحياناً في تعزيز الشعور بالفوضى المقصودة، فإنها تحرم المشاهد في أحيان أخرى من فرصة الاستمتاع بتفاصيل الحركات القتالية التي بذل الممثلون وفريق المشاهد الخطيرة جهداً واضحاً في تنفيذها.

تظهر هنا مفارقة غريبة، فالفيلم الذي لا يتردد في إدخال معركة كلما سنحت الفرصة لا يمنح جميع تلك المعارك الوقت الكافي لتترك أثراً حقيقياً. وكان من الممكن أن تستفيد البطولة نفسها من مواجهات أطول وأكثر وضوحاً، تتيح لكل مقاتل استعراض قدراته وتبني التوتر بين الخصوم تدريجياً. فمتعة Street Fighter لا تكمن فقط في مشاهدة الشخصيات تنفذ حركاتها الشهيرة، بل في رؤية تلك الحركات ضمن مواجهات تجعلنا نهتم بمن سينتصر ولماذا.

شخصيات كثيرة وفرص ضائعة

يضم الفيلم مجموعة كبيرة من الشخصيات المألوفة لمحبي السلسلة، وهي نقطة قوة وضعف في الوقت نفسه. فمن الممتع مشاهدة تصاميم هذه الشخصيات وأزيائها وحركاتها تنتقل إلى الشاشة الكبيرة بهذا القدر من الوفاء للألعاب، لكن ازدحام الأحداث يجعل بعضها يمر سريعاً من دون أن يترك بصمة تتجاوز ظهوره الأول.

تتمتع تشون لي، التي تؤدي دورها كالينا ليانغ بحضور بارز ضمن الأحداث، وتنجح في تقديم شخصية تجمع بين المهارات القتالية والجدية المطلوبة لدورها. إلا أن الفيلم يعتمد بصورة كبيرة على دافعها المألوف للانتقام من بايسون، من دون منحه تعقيداً كافياً يجعل رحلتها موازية لأهمية حضورها. وتتعرض بعض الشخصيات النسائية أيضاً لنكات تركز على مظهرها أكثر من شخصياتها، وهي اختيارات كوميدية لا تضيف الكثير، خصوصاً عندما يمتلك الفيلم فرصة لاستعراض قدراتها وعلاقاتها ببقية المقاتلين.

أما إم. بايسون، فيقدم ديفيد داستمالشيان نسخة غريبة ومبالغاً فيها من الشرير الشهير، مبتعداً عن صورة الخصم المرعب التقليدي لصالح شخصية تستمتع بالسلطة بصورة تكاد تكون هزلية. وقد لا يتناسب هذا التوجه مع توقعات جميع المعجبين، لكنه ينسجم مع رغبة الفيلم في المبالغة والاحتفاء بجوانب السلسلة الأكثر غرابة. ويمنح داستمالشيان الشخصية حضوراً لافتاً رغم أن أهدافها تظل بسيطة نسبياً، كما أن أداءها يساهم في جعل بايسون مصدراً للكوميديا بقدر ما هو مصدر للتهديد.

تبرز المشكلة بصورة أوضح مع شخصية غايل، التي يجسدها المصارع كودي رودز. فمنذ ظهوره الأول، يبدو رودز اختياراً مناسباً للدور بفضل حضوره القوي وطريقته في التعامل مع المواقف الكوميدية، لكن الفيلم لا يستفيد منه بالقدر المتوقع. والأمر الأكثر إحباطاً أننا لا نحصل على فرصة حقيقية لمشاهدته في مواجهة قتالية تستعرض قدراته، بل نرى آثار هزيمته وإصابته بدلاً من المعركة نفسها. ويبدو ذلك قراراً غريباً في فيلم يعتمد جزء كبير من جاذبيته على رؤية المقاتلين المشهورين وهم يستخدمون أساليبهم الخاصة. كنت أتمنى رؤية المزيد من غايل، خصوصاً أن كودي رودز يمتلك المقومات اللازمة لتقديم مشاهد قتالية ممتعة.

تواجه شخصيات أخرى، مثل بلانكا وفيغا وزانغيف وبالروغ مشكلة مشابهة بدرجات متفاوتة. فبعضها يكتفي بظهور قصير أو لحظات كوميدية، فيما لا يجد بعضها الآخر ما يفعله بعد تقديمه للجمهور. ورغم أن تصميم بلانكا الغريب وحضوره المبالغ فيه ينسجمان مع طبيعة الفيلم، فإن وجوده يبدو أقرب إلى استعراض شخصية محبوبة من الألعاب منه إلى إضافة ضرورية للأحداث. ولا يمثل ذلك مشكلة كبيرة في حد ذاته، لكن تراكم هذه المشاركات يأتي على حساب الشخصيات التي كان من الممكن تطويرها بصورة أفضل.

في المقابل، يقدم دان هيبيكي واحدة من أكثر المفاجآت نجاحاً. إذ يبدأ أندرو شولز الفيلم باعتباره مصدراً أساسياً للكوميديا مع شخصية تبدو غير مؤهلة تماماً للتعامل مع المقاتلين الذين يحيطون بها. لكن دان يتجاوز تدريجياً هذا الدور، ويتضح أن علاقته بكين أكثر أهمية مما قد توحي به مواقفه الأولى. وينجح شولز في الموازنة بين سخافة الشخصية واهتمامها الحقيقي بصديقها، ليصبح دان واحداً من الأمثلة القليلة على الشخصيات المساندة التي تحصل على دور يتجاوز مجرد إلقاء النكات. وربما تكمن المفاجأة الأكبر في أن الفيلم يمنح هذه العلاقة بعض اللحظات الإنسانية التي كان يحتاج إلى المزيد منها في بقية خطوطه الدرامية.

فوضى مقصودة لا تنجح في كل مرة

يمتلك كيتاو ساكوراي رؤية واضحة لطبيعة الفيلم الذي يريد تقديمه. فهو لا يحاول إخفاء غرابة Street Fighter، ولا يخجل من الأزياء المبالغ فيها أو التسريحات غير المنطقية أو الحركات التي تتحدى الواقع. بل يتعامل مع كل ذلك بوصفه جزءاً من جاذبية السلسلة، وهو قرار يحسب له خصوصاً في وقت تحاول فيه بعض الاقتباسات السينمائية جعل مصادرها الأصلية أكثر جدية مما ينبغي. تنجح هذه المقاربة عندما تتعامل الشخصيات مع العالم الغريب المحيط بها بجدية، بينما يسمح الفيلم للجمهور بالضحك على المواقف الناتجة عن ذلك. لكن ساكوراي لا يحافظ دائماً على هذا التوازن. فكثيراً ما ينتقل من لحظة درامية تتناول الصداقة أو الشعور بالذنب إلى نكتة مبالغ فيها أو موقف عبثي، قبل أن يمنح المشهد السابق فرصة لترك تأثيره. وقد تتسبب بعض النكات ذات الطابع السطحي أو الإيحاءات المتكررة في إضعاف لحظات كان يفترض أن تحمل وزناً عاطفياً أكبر.

يعاني الإيقاع أيضاً من رغبة الفيلم المستمرة في إبقاء المشاهد منشغلاً، سواء عبر المونتاج السريع أو الموسيقى الصاخبة أو الانتقال المتكرر بين الشخصيات. وتضيف أجواء التسعينيات والأغاني المرتبطة بتلك الفترة طابعاً مرحاً إلى التجربة، لكنها لا تنجح دائماً في بناء إحساس متكامل بالحقبة الزمنية التي تجري فيها الأحداث. وأحياناً تبدو هذه العناصر وكأنها تحاول التعويض عن ضعف بعض المشاهد بدلاً من دعمها. تتضح هذه المشكلات بصورة أكبر كلما اقترب الفيلم من نهايته، إذ يحاول الجمع بين صراعات الشخصيات الرئيسية ومخططات بايسون والمواجهات القتالية والخطوط الفرعية المتعددة، من دون أن يكون قد منح جميع هذه العناصر وقتاً كافياً للتطور. وتترك هذه المقاربة إحساساً بأن الفيلم كان بحاجة إلى تحديد أولوياته بصورة أفضل. فبدلاً من محاولة تقديم أكبر عدد ممكن من شخصيات Street Fighter، ربما كان من الأفضل التركيز على مجموعة أصغر ومنحها قصة أكثر تماسكاً، مع الاحتفاظ بالشخصيات الأخرى لأجزاء مستقبلية محتملة.

رغم ذلك، يصعب تجاهل المتعة التي يقدمها الفيلم عندما تتكامل عناصره. فالحماس واضح في تصميم المشاهد القتالية، والممثلون يتعاملون مع غرابة شخصياتهم بثقة، كما أن الاهتمام بالتفاصيل المأخوذة من الألعاب يتجاوز الأزياء والأسماء إلى الحركات والأساليب التي جعلت السلسلة مشهورة. ولا يبدو الفيلم وكأنه يسخر من Street Fighter أو يحاول الاعتذار عن غرابتها، بل يحتفي بها بكل ما فيها من مبالغة وفوضى.

تكمن المشكلة في أن الوفاء للمادة الأصلية لا يكفي وحده لصناعة فيلم ناجح. فالتعرف على شخصية محبوبة أو مشاهدة حركة قتالية شهيرة يمنحان لحظة من الحماس، لكنهما لا يعوضان عن ضعف بناء الشخصيات أو غياب التدرج الدرامي. وينجح Street Fighter في استحضار الشعور الذي تمنحه الألعاب عند اختيار مقاتلك المفضل والدخول في مواجهة مليئة بالحركات المذهلة، لكنه يجد صعوبة أكبر في تقديم قصة تجعلنا نهتم بما يحدث بين تلك المواجهات.

يقدم فيلم Street Fighter تجربة ممتعة ومليئة بالطاقة، تنجح في الاحتفاء بروح الألعاب بفضل شخصياتها الغريبة ومشاهد القتال المميزة، إلى جانب الأداء اللافت لكل من نواه سينتينيو وأندرو كوجي. لكن القصة المزدحمة، والتفاوت بين الكوميديا والدراما، ومحدودية ظهور بعض الشخصيات، تمنعه من استغلال إمكاناته بالكامل. إنه فيلم يعرف جيداً كيف يوجه لكماته، لكنه لا يعرف دائماً متى يمنحها الوقت الكافي لتصيب هدفها.