تخطو «تحية عبده» في «أفراح القبة» مثل غزالة صغيرة، تتطلع إلى عالم المسرح بفضول ولهفة، تشد فستانها على جسدها النحيل، وتتحدث بغنج ودلال، بينما تخفي خلف رقتها عالمًا من القهر والخراب النفسي، وامرأة قادرة على المراوغة والتمرد والجبروت. وفي «لعبة نيوتن» تقف «هنا» وحيدة في بلد غريب، تتشبث بقرار اتخذته رغبة في إثبات ذاتها، لتجد نفسها في مواجهة اختيارات تتجاوز قدرتها على الاحتمال. أما «حنان» في «تحت الوصاية»، فتحمل طفلتها وتدخل مقهى الصيادين، تتنقل عيناها بين الأرض ووجوه الرجال، تتعثر خطواتها من فرط الارتباك، وتحاول أن تتصنع ثقة لا تمتلكها بعد. وعلى الجانب الآخر، تخوض «غادة» في «رحلة 404» معركة قاسية مع ماضيها، تحاول أن تتطهر من خطاياها وتبدأ حياة جديدة، لكن الماضي يظل حاضرًا، يطاردها كلما ظنت أنها اقتربت من الخلاص.
أربع نساء، ينتمين إلى عوالم متباينة، وتجمع بينهن تناقضات النفس البشرية، والرغبة في امتلاك المصير، ومحاولات النجاة، لكن الأهم أن كل واحدة منهن تكشف وجهًا مختلفًا من وجوه موهبة منى زكي، الممثلة التي استطاعت، عبر رحلة طويلة من التجارب والاختيارات، أن تتحرر تدريجيًا من صورتها الأولى، وأن تعيد اكتشاف نفسها وأدواتها، وأن تمنح شخصياتها حياة تتجاوز حدود الورق.
ولدت منى زكي في 18 نوفمبر 1976، وبدأت علاقتها بالتمثيل وهي في الثالثة عشرة، عندما اختارها محمد صبحي للمشاركة في مسرحية «بالعربي الفصيح». ثم جاءت شخصية «فرحة» في «الضوء الشارد» لتلفت الأنظار إلى ممثلة شابة تمتلك تلقائية وحضورًا محببًا، قبل أن تصبح واحدة من أبرز وجوه الجيل الذي ارتبط بعودة الجمهور إلى قاعات السينما في نهاية التسعينيات، مع «صعيدي في الجامعة الأمريكية» و«اضحك الصورة تطلع حلوة» و«الحب الأول».
ولعل «اضحك الصورة تطلع حلوة» كان من التجارب المبكرة التي تستحق التوقف أمامها، ليس فقط لأن منى وقفت فيه أمام قامة استثنائية بحجم أحمد زكي، وإلى جوار فنانة كبيرة مثل سناء جميل، وإنما لأنها كانت جزءًا من عالم سينمائي صاغه وحيد حامد بحس إنساني واجتماعي مرهف، وقدمه شريف عرفة بلغة بصرية تجمع بين البساطة والعمق. في شخصية «تهاني»، ابنة المصور البسيط «سيد غريب»، قدمت منى فتاة تنتمي إلى عالم محدود الإمكانيات، لكنه ثري بالمشاعر والأحلام، ونجحت في أن تكون جزءًا أصيلًا من هذا العالم، لا مجرد وجه شاب إلى جوار نجوم كبار. والأجمل في التجربة تلك العلاقة الإنسانية بين الأب وابنته، التي منحها أحمد زكي كل ما يمتلكه من صدق ودفء، بينما التقطت منى، رغم حداثة تجربتها، إيقاع الشخصية وتلقائيتها، وبدت قادرة على مجاراة هذا الحضور الطاغي دون افتعال أو محاولة لانتزاع الانتباه. وربما كانت قيمة التجربة الحقيقية أنها وضعتها مبكرًا أمام مدرسة في التمثيل تقوم على الصدق، وعلى القدرة على تحويل أبسط التفاصيل إلى مشاعر حقيقية تصل إلى المشاهد.
كانت ملامحها الرقيقة، وابتسامتها الخجولة، وقدرتها على التعبير دون افتعال، عناصر صنعت نجوميتها المبكرة، لكنها كادت تتحول إلى قيد يحاصر موهبتها داخل نموذج الفتاة الطيبة، في مرحلة فرضت فيها حسابات السوق وما أطلق عليه «السينما النظيفة» قيودًا على اختيارات كثير من الممثلات.
ولم يكن التحرر من هذه الصورة سهلًا أو سريعًا، بل جاء عبر تراكم التجارب، من «سهر الليالي» و«دم الغزال» إلى «احكي يا شهرزاد»، حيث بدأت منى تقترب من شخصيات أكثر تعقيدًا، وتغامر بالابتعاد عن النموذج المألوف، وتكشف عن قدرة على تجسيد نساء لا يمكن اختصارهن في صفات محددة أو أحكام أخلاقية جاهزة.
لكن «تحية عبده» في «أفراح القبة» شكلت، في ظني، نقطة تحول حقيقية. هنا أطلقت منى لموهبتها العنان، وأمسكت بخيوط شخصية شديدة التركيب، تتنقل بين الضعف والقوة، والرقة والقسوة، والانكسار والجبروت، أحيانًا داخل المشهد الواحد. ولم تعد تعتمد فقط على صدق انفعالاتها، وإنما على وعي واضح بتفاصيل الجسد والنظرة والصوت وإيقاع الشخصية وتحولاتها.
وتواصل هذا النضج مع «هنا» في «لعبة نيوتن»، التي لم تحاول منى تجميل اندفاعها أو أخطائها، وصولًا إلى «حنان» في «تحت الوصاية»، أحد أكثر أدوارها اكتمالًا. أداء قائم على التفاصيل الصغيرة؛ رعشة الصوت، وحركة الأصابع، وطريقة المشي، ومحاولات إخفاء الخوف خلف قناع من القوة. هنا تتراجع الممثلة لتترك الشخصية تتنفس أمامنا، بكل ضعفها وشجاعتها وتناقضاتها.
وفي «رحلة 404» تذهب إلى منطقة أكثر قتامة، حيث لا تبحث «غادة» فقط عن الخلاص من ماضيها، وإنما تواجه نفسها أيضًا. وتكمن أهمية التجربة في أن منى لا تسعى إلى استجداء تعاطف المشاهد، بل تترك الشخصية بكل التباساتها وأسئلتها الأخلاقية.
ثم تأتي مغامرة تجسيد أم كلثوم في «الست»، بكل ما تحمله من تحديات ومقارنات، لتؤكد أن منى لا تزال مستعدة لاختبار أدواتها أمام شخصيات قد تبدو مغامرة الاقتراب منها محفوفة بالمخاطر.
واليوم، بينما يكرم مهرجان الجونة السينمائي منى زكي بجائزة الإنجاز الإبداعي، فإننا لا نحتفي فقط بنجمة حافظت على حضورها لأكثر من ثلاثة عقود، وإنما بممثلة أدركت أن الموهبة لا تكفي وحدها، وأن النضج الفني لا يعني الوصول إلى منطقة آمنة والاستقرار فيها، بل القدرة على مغادرتها، والبحث عن مساحات جديدة، حتى لو كانت أكثر صعوبة وتعقيدًا.
