أغلفة الأعمال العشرة المرشحة (موقع الجائزة الإلكتروني)
عشرة دواوين لا يجمعها سوى هاجس واحد؛ مدى قدرة اللغة على مقاومة التشوش. هكذا وصفت لجنة تحكيم جائزة ت. س. إليوت قائمتها القصيرة لعام 2026، في الخامس من الشهر الجاري. فمن بين 174 مجموعة شعرية تقدم بها 65 ناشراً بريطانياً وأيرلندياً، اختيرت عشرة دواوين تشترك في “تصميمها على مواجهة تحديات الأزمنة العصيبة بإيلاء اللغة مزيداً من الرعاية”، بحسب رئيسة اللجنة ليونتيا فلين.
تتوزع هذه الأصوات بين كندا، وأيرلندا، وجامايكا، والولايات المتحدة، وتتجاور فيها التجارب الراسخة مع الأصوات الجديدة، كما تكتسب دلالة أخرى بحضور ست شاعرات يمثلن ثلاثة أخماس العناوين المختارة.
شاعر البلاط يؤرشف ذاته
يتصدر أندرو موشن قائمة إليوت هذا العام بديوان “جاذبية الأرشيف” Gravity Archives، الذي يحوّل القصيدة إلى مستودع لنسخ من ذواته السابقة؛ بحيث لا يكتفي الماضي بكونه مادةً للتذكر، وإنما تمتد سطوته لتمارس “جاذبيتها” على الحاضر.
يجمع العنوان بين الأرشيف، بما يستدعيه من حفظ وتصنيف، والجاذبية، بما تنطوي عليه من قوة شدٍّ تُبقى الأشياء في مدارها. ولا شك أن موشن ما زال مأخوذاً بموضوع الموت؛ هاجسه الدائم، سيما منذ حادثة والدته حين سقطت عن حصانها وأصيبت في رأسها إصابة بالغة، لتظل تسع سنوات في حالة معلقة بين الحياة والموت. غير أن الموت انتقل هنا إلى منطقة أكثر تعقيداً يتداخل فيها الحداد والذاكرة، ورثاء الذات قبل رثاء الآخر، ولعل هذا التحول يكتسب دلالته من مسيرة موشن؛ إذ شغل منصب شاعر البلاط البريطاني بين عامي 1999 و2009، وراكم خلال مسيرته أكثر من خمسة عشر ديواناً، إلى جانب أعماله في السيرة والنقد الأدبي.
تتوزع الترشيحات بين كندا وأيرلندا وجامايكا والولايات المتحدة
يبدأ الديوان بثماني قصائد ذات بناء قريب من السوناتة، يرثي فيها موشن الشاعر البالتيموري جوزيف هاريسون، واضعاً شجاعة المحتضر الأمريكي قبالة تحفظه الإنكليزي: “أنت تتكلم. أنا أيضاً سأفعل ــ لكن، احذر يا جو،/ الكلام ليس من طبيعتي. اللوم على أبي،/ صمته السحيق كان لا قرار له”. ثم ينتقل من موت الآخر “مات أندرو موشن أيضاً../ كانت آراؤه حمقاء”، إلى موته هو في قصيدته “ضوء الخريف”: “آن الأوان/ لأن أنطلق، مثل الجميع/ لأموت وحيداً”.
المنزل المحتل
تنقلنا كيم مور، في ديوانها “منزل الأشياء المكسورة” The House of Broken Things، إلى هشاشة العلاقات الإنسانية، وتحديداً تلك التي تطال أقرب الناس؛ جسد عاشرته عمراً، أو طفل تشكل في أحشائك، تبوح مور بلوعة: “أمهاتٌ محطماتٌ وآباءٌ ضائعون/ ناموا نومة من لا يملك وقتاً للتفكير/ وأطفالٌ ممزقون/ حلموا بتلك الأشياء التي من المتوقع/ أن يحلم بها أطفالٌ ممزقون”.
في البيت المتصدع تقف الأم بجسدها الهش تقاوم بضراوة، تدفعها تلك الرابطة الغامضة بابنتها، والخوف من أن ترث عالماً يتفنن في تعليم أفراده كيف ينكسرون بصمت. لذا ينطلق سؤال مور كوخزة في رحم الأمومة: “لكي نجعلهن قويات، أكان علينا أيضاً أن ندربهن على الخوف؟”.
تستدعي مور أرواح آن سيكستون وإميلي برونتي وأدريان ريتش، فتغدو قصائدها أشبه ببيت مسكون بأصوات شاعرات سبقنها إلى المعاناة، ولا تزال كلماتهن تخبط في جدران بيتها الآيل للسقوط.
مع جانا بريكيرل في “القناة/ The Channel” تتحول القناة من مجرى مائي إلى استعارة للإنسان الموزع دائماً بين ضفتين. ومن خلال استدعاء الملك لير وتجربة عائلتها المهاجرة، تجعل بريكيرل من العبور تجربةً مفارقة. تقول في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان: “ولم يكن على أيٍّ منا أن يخبر الآخر بأن الضوء الهابط هو في الحقيقة آخذٌ في الصعود”.
في اتجاه مغاير، تتناول هولي بيستر في ديوانها “المقاهي/Cafés” فضاء المقهى لطرح تناقضات أخرى: أهلاً بكم في المقهى!/ هنا نأكل كي ننسى العمل،/ ونلتقي الأصدقاء كي ننسى الحب،/ ونلتقي العشاق، فننسى، من شدة الارتباك، أن نأكل”.
شعر ما بعد الكارثة
تمثل جوري غراهام، الحائزة على جائزة بوليتزر والشاعرة التي سبق أن وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة ت. س. إليوت عام 2012، أحد أكثر الأصوات تجريباً في قائمة هذا العام. ولعل ديوانها “مذبحة/Killing Spree ” المتعلق بأزمة المناخ، يمكن تصنيفه ضمن الأدب البيئي. في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان، يبدأ التحول بتلك العبارة “لم يتغير العالم / كثيراً / كثيراً/ في البداية”، قبل أن ينتهي الصوت الشعري إلى التساؤل عمّن بقي قادراً على الكلام من داخل “قفصه”. أما في قصيدة “حين انتهى العالم”، فتربط غراهام بين نهاية العالم وبين أنظمة المراقبة والحساب والامتثال، بحيث لا تبدو الكارثة بيئية فحسب، بل تشمل الحرية والوعي والقدرة على التواصل. ربما لهذا وصف الناشر المجموعة بأنها أشبه بـ”دليل للبقاء” في عالم يواجه تغيراً مناخياً متسارعاً، وعنفاً يتجه نحو نقطة الانفلات، وتكنولوجيا خارجة عن السيطرة.
في “بوابة النوم” Sleep Gate، تدفع سلفيا ليغريس الشعر إلى ما وراء الوعي البشري، إلى منطقة يصبح فيها النوم فعلاً كونياً تشترك فيه جميع الكائنات؛ فهناك “الحلم من خلف الحلم” حيث “هو حلم النبات”، فجأة تتلاشى الحدود بين الإنسان والنبات والحيوان. تكتب ليغريس: “جغرافيا الحلم المختلة/ هي سليلوز ونسيج ضام، / هيكل خارجي ولب”، وبذلك لا تكتفي ليغريس بوصف الطبيعة، بل تدعو القارئ إلى رؤية العالم من داخل النبات، والحشرة، والطائر، ومن داخل ذلك النوم العميق الذي يسبق الحدود بين الكائنات.
ما خفي عن التاريخ
في المقابل، تعود إيماني ماسون جوردان، في “نقطة التحوّل/ Pivot” إلى الثورة الهايتية لتلتقط لحظات انكسار التاريخ وإعادة توجيه مساره، فتكتب: “احتشدوا فوق البنادق والمدافع، والصمت؛ / ليس ثمة من شيء، ألفا قتيلٍ تمددوا في الميدان”. هكذا تطرح إيماني التاريخ على شكل ومضات صوتية، وفراغات من الصمت، ثم أجساد مسجاة. في المنحى ذاته، يأتي ديوان كيث جارِت “خبّئني تحت دمك، وسأرضى” Hide Me Under the Blood and I Shall Be Satisfied ليجعل من اللغة ساحة عراك بين الذاكرة والدين والاستعمار والهوية؛ لغة تحمل أثر الكاريبي بقدر ما تعكس ارتباك حاضر بريطانيا: “لغتك الأم الأولى/ وطنٌ تحمله/ داخل فمك”، وكأن الوطن، حين يوغل في البعد، لا يتبقى منه إلا صوت يتردد بين جنبات الجسد. غير أن جارِت لا يستعيد هذا الإرث بنبرة رثائية؛ بل يمزج التراتيل بالسخرية، والإنجيل بلغة الشارع، والمقدس بالرقمي، حتى يظهر “الإله الذي يمرّر إصبعه إلى اليمين / ويسحق الأشرار”. لذلك تبدو قصائده بمثابة تراتيل مشاغبة.
يُعلن اسم الفائز بالجائزة في 18 يناير/ كانون الثاني 2027
على تخوم الذاكرة والتاريخ، تتحاور شارا مكالوم، في “أمعن النظر/ Behold”، مع الأعمال الفنية، فتجعل من تأمل اللوحة مجالاً لرؤية ما خفي عن الأنظار، ومن الفن وسيلة لاستنطاق التاريخ. تقول في قصيدة “Femicide”، المستوحاة من لوحة Resurrection: “لا يمكنك أن ترتدي فستاناً أحمر/ حين يكون الاغتصاب والقتل قد خاطاه”، ثم تراهن على البعث الممكن في الفن، إن لم يكن محتملاً في الحياة”. وفي “At the Sea”، أمام لوحة بيكاسو The Tragedy، تكتب: “تظل المأساة عصيّة على الكلام”، قبل أن تختزل تاريخ الإنسان كله في عبارة موجعة: “كل ما نحن عليه / يبدأ من كارثة”.
مع بيلي رامسل في “تجسيد/Render” يدخل الشعر لعبة أخرى؛ إذ لا يقدّم الشاعر نفسه، بل يخترع شاعراً آخر، ألبرتو سيناس، ويضع بين أيدينا “أعماله المجموعة” كما لو أننا نعثر على حياة كاملة من خلال قصائدها المتناثرة. في برشلونة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، يتحول المكان إلى خلفية لتلك السيرة المتخيلة، بينما تتكفل القصيدة بملء الفراغات، كأن رامسل يذكّرنا بأن كل سيرة أدبية ليست سوى محاولة متأخرة لجمع ما تفرّق من أنفسنا.
ويبقى الاختيار بين تلك الأعمال معلقاً حتى 18 يناير/ كانون الثاني 2027، حين يُعلن اسم الفائز بالجائزة خلال حفل يُقام في متحف “والاس كوليكشن” بلندن. تسبقه أمسيةٌ على خشبة “رويال فيستيفال هول” في مركز “ساوث بانك”، تجمع الشعراء العشرة ليقرأوا أمام الجمهور قصائدهم، ويقدموا تصوراتهم حول ما يمكن للشعر أن يفعله في عالمنا المضطرب.
