حاوره : علاء المفرجي
ثمة فنانون يرسمون ما تراه العين، وفنانون آخرون ينشغلون بما تختزنه الذاكرة وما تعجز الكلمات عن قوله. وفي تجربة الفنان التشكيلي فاخر محمد، تتداخل اللوحة مع أسئلة الوجود والذاكرة والهوية، وتتجاور الرموز المستمدة من حضارات بلاد الرافدين مع صور الحرب والخراب، فيما يظل اللون والخط والتجريب وسائل للبحث عن توازن افتقده الإنسان في عالم مثقل بالتناقضات.
تشكّلت ملامح هذه التجربة منذ البدايات الأولى في مدارس الحلة، حيث كانت مراسم الرسم الصغيرة، وأساتذة الفن، والصور المستنسخة عن أعمال الفنانين العالميين، بوابةً إلى عالم مختلف. ثم اتسعت الرؤية في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، في مرحلة يصفها الفنان بأنها من أجمل سنوات دراسة الفن، حين تتلمذ على أيدي أسماء بارزة في تاريخ التشكيل العراقي، قبل أن تمضي به الحياة إلى تجربة طويلة تداخل فيها الإبداع مع التحولات السياسية والاجتماعية، وما حملته العقود الماضية من حروب وانتكاسات.
وفي رؤيته، لا يدّعي الفن امتلاك القدرة على إيقاف الحروب أو تغيير مسارات التاريخ، لكنه يمنح الإنسان فرصة للتأمل، ويعيد طرح الأسئلة التي قد تغيب وسط ضجيج الحياة. وبين إخلاصه لمرسمه وتحفظه إزاء سطوة السوق والمظاهر، يطرح الفنان تساؤلات ملحّة عن مصير اللوحة في زمن التكنولوجيا والفن الرقمي والذكاء الاصطناعي، وعن قدرة الفن على الاحتفاظ بصلته العميقة بالإنسان.
في هذا الحوار، نعود مع فاخر محمد إلى البدايات والتكوين الأكاديمي، ونتوقف عند فلسفته في الرسم والتجريب، وقراءته للذاكرة العراقية والحضارة الرافدينية، وموقفه من الجماعات الفنية، وصولًا إلى أسئلته المفتوحة عن مستقبل الفن ومعنى أن يظل الفنان وفيًّا لذاته في عالم تتبدل فيه القيم والمعايير.
في البدء حدثنا عن المؤثرات (امكنة، حيواة، احداث) التي أسهمت في ميلك للرسم؟
البدايات الأولى. والتعلق بالرسم كان خلال فتره المتوسطة. كان في متوسطة الاحرار. الحلة. مدرس فنان تشكيلي. اسمه عزيز الشكرجي كان في المدرسة مرسم صغير معلقه على جدرانه صور للوحات كلاسيكيه فرنسيه وإيطاليا.. كان درس الرسم بالنسبة لي عالما اخر مختلف كليا عن باقي الدروس. في المتوسطة تعلمت الألوان المائية والباستيل والتخطيط. بعدها تطور الحال في اعداديه الحلة. ومدرسها الأخ والصديق أطال الله في عمره سعدي اللبان وهو ايضا فنان تشكيلي. تعلمت الألوان الزيتية وكيفية استخدامها قاعه الرسم في اعداديه الحلة أكبر من مرسمنا في المتوسطة. استاذنا سعدي اللبان كان كثير السفر ايام العطلة الصيفية وعندما يرجع يحدثنا عن متاحف أوربا. ومعارضها. استاذ اخر درسنا سنه واحده في الإعدادية وهو رسام ونحات ومن جيل الرواد وهو الاستاذ سلمان داود الخلف من جيل حافظ الدروبي سافر في بعثه الي إيطاليا بدأيه الخمسينات ولكنه لم يستمر فقد أصابه هوم سكن. او مرض الحنين إلى الوطن… هذه المراسم وهؤلاء الأساتذة، كانوا الأساس في شحذ هممنا والرغبة الكبيرة في دخول الأكاديمية. والتي بدأت معها مرحله مهمه جدا يمكن اعتبرها بأنها كانت من أجمل السنوات في دراسة الفن. فقد كانت اكاديمية الفنون بداية السبعينات مرجل فوار للإبداع. فاغلب الطلبة اللذين يدرسون الفن يقبلون من خلال اختبار صعب وهو رسم تمثال بالحجم الطبيعي تمثال روماني كحامل القرص او تمثال فينوس. او سوموتراس… وبحجم كبير. الأساتذة اللذين درسونا في الأكاديمية كان فائق حسن.. وحافظ الدروبي. واسماعيل الشيخلي.. وفرج عبو النعمان. وكاظم حيدر. وغالب ناهي. وغازي السعودي، هؤلاء أساتذة فرع الرسم… فالذي يدرس مع فنانون مثل هؤلاء اكيد ستكون النتائج ممتازة وهذا ما حصل لاحقا. يضاف إلى ذلك كليه الفنون خلال تلك الفترة الذهبية الطلبة كانوا ذا مستوى ثقافي ممتاز وأغلبهم فنانون بالفطرة. وموهوبون.
مكان كالوزيرية واكاديمية الفنون، كانت محفزة للفن. الوزيرية كانت اشبه بستان كبير ببيتها الواسعة واشجارها.. كان هناك المعهد الثقافي البريطاني. والمقاهي الليلية.. والأقسام الداخلية للطلبة كلها َمحفزات.. وامكنه ساهمت في تنشيط ثقافتنا الجمالية والثقافية، استمرت هذه الفترة الزمنية بعد التحاقي في دراسة الماجستير عام ١٩٧٨..واستمرت سنتان مع استاذتنا الرائعين فائق حسن.. ود خالد الجادر ود شمس الدين فارس. والأستاذ البولوني ارتموفسكي الذي درسنا ماده تقنيات الفنون…. عام ١٩٨٠.التحقت بالعسكرية، و َدخول العراق في مرحله الحروب والانتكاسات المتلاحقة التي تركت اثرا بالغا في كل مناحي الحياه الروحية والثقافية والفنية والسياسية… إلى الآن.
كثيرون يقولون إن أسلوبك في الرسم تحوّل نحو مزيد من التجريد مؤخرًا — ما الذي دفعك لهذا التحول؟
خلال ال٤٥. سنه الماضية في الرسم. لم يكن الهدف ابدا. الركون الي اسلوب محدد. فانا لا أؤمن بتكرار الأسلوب الواحد او اللوحة الواحدة الذي يكررها الفنان سنين طويله… الفن والتجريب المستمر، خامات، ألوان أساليب.. نوع من محاوله إيجاد توازن مفقود في الحياة. فانا من اللذين يؤمنون بأن الإنسان بعد ولادته يصاب بنوع من فقدان التوازن… في الرحم يعيش وحده تامة. عندما يقذف الي الحياة. ومنذ الصرخة الأولى تبدأ مرحله جديده… في صراع دائم مع وجوده وذاته ومحيطه وبيئته ومجتمعه وظروف الحياة المتشابكة. في الرسم هناك متعه الاكتشاف. لذائذ خفية، يجد الفنان فيها ذاته. تتجسد روحه وتولد. من خلال الخطوط والاوان والمواضيع التي يحققها على بياض الكانفاس. في الفن هناك ولادات. وفي الولادة متعة وفرح واكتفاء ذاتي. خلال السنين الأخيرة رسمت أعمال تجريديه وأعمال ايضا فيها شخوص. جمعت من خلال التعبير والرمز… كما عملت مجموعة عن مواضيع محدده. كحرائق حقول الحنطة… و طقوس الماء التي استندت اغلبها علي مواضيعها من أساطير بلاد ما بين النهرين. وعلاقه الأنهار والماء بمجمل التحولات الحضارية والروحية التي حصلت على هذه الأرض…انا من الفنانين اللذين لا يرغبون في ممارسه التكلف مع العمل الفني فاللوحة الجيدة تشبه امراه جميله بلا مكياج صارخ…… البساطة المحملة بروحيه عالية . والاختزال الموصول بثقافه بصريه وروحيه عميقه من شأنها أن تحقق نتائج عالية التأثير في فن الرسم… أفضل دليل َما شاهدته من أعمال في متحف في هولندا.. أعمال لفان كوخ. وبول كليه.. وبيكاسو… وغيرهم كثير. الهدف هو تخليص اللوحة من زوائدها الغير ضرورية… احيانا اجد الكثير من الأعمال الفنية تنجز لا رضاء الأخر وهذه كارثه على الفن والفنانين… عندما يدخل الفنان. في هذا الخانق… يصبح الإبداع واللوحة، بضاعة رخيصة…
ميلي للتجريد سببه ميلي للفلسفة.. خلال سنوات تدريسي لماده علم الجمال. وجدت بان الأعمال التجريدية. أقرب ما تكون لروح الموسيقى. الزمان فيها مفتوح، وممتد. غير محدد كالأعمال الواقعية،
في مقالة حديثة قلت إنك “تدخل في علاقة وجودية مع القماشة البيضاء” — كيف توصف هذه العلاقة من وجهة نظرك؟
اكيد هناك علاقة وجودية. في ممارسة الرسم… ما نعيشه في الحياة اليومية.. اغلبه لا حقيقه فيه، عبث، ممارسات يوميه للبقاء علي قيد الحياه.. انا احاول باستمرار أن اعيش يومي على قيد محاولات الإبداع وتجريب ما هو أفضل في الفن. اي حقيقة هذه الذي يستهلك فيها الإنسان طاقته الروحية في زحمه السير او في انتظار طابور الحصول على وقود السيارة. او الاستماع إلى حديث تافه في مناسبه عابره تدفع إليها مناسبات الحياة الكثيرة. كل هذه الأمور وغيرها دفعتني الى التخلي عن مناصب كثيره عرضت عليّ. بل حتى تلك التي اشتغلت فيها كعميد كليه فنون او مدير عام دائرة الفنون كانت اضطرارا وتقديرا لطلب أصدقاء أعزاء ان اتولى هذه المسؤولية… من يحترف الفن ويخلص له ويجب لذائذه الخفية فيه. يصبح المنصب وشكليات الحياة وبهرجتها… بعيده كل البعد عن توجهاتي. خلال السنين الأخيرة. استأجرت مرسما في بغداد اقضي فيه يوميا ساعات طويله بوحدة تامه وبانفصال تام عن المحيط الخارجي. فبعد كل هذه السنين وما رأيناه من كوارث حرقت الأخضر واليابس. أصبح الركون مع الألوان والخطوط وفضاء المرسم… علاجا للأرواح المتعبة… انا من اللذين لايؤمنون بتغيير المجتمع… المجتمع والانسان لا تغيره اللوحة. بقدر ما تغيره التحولات الاقتصادية والحروب الكبيرة.. الفنانون كائنات تقترح أسئلة عن مشاكل الوجود وازمه الإنسان بطرائق جمالية.. ربما يلعب الجمال دورا في تغيير الحساسيات الفردية للإنسان في نظرته للأشياء… من خلال مقومات الخيال والتأمل…. ولكن الفن لا يمنع الكوارث التي حصلت للبشرية خلال ال٥ الاف عام الماضية… لوحه الجورنيكا لم تمنع الحرب العالمية الثانية التي قدمت البشرية فيها ٤٦ مليون ضحية.
وكل ما قدمه الفن العراقي منذ عبد القادر رسام ومحمد صالح زكي وعطا صبري وأكرم شكري وفائق حسن وجواد سليم وشاكر حسن ال سعيد وحافظ الدروبي واسماعيل الشيخلي ومن جاد بعدهم.. الفن والثقافة العراقية خلال ال٧٠ عام لم تمنع حروب ال١٩٨٠ ولا حرب ال١٩٩٠ ولا ٢٠٠٣. ولا كوارث المفخخات والعبوات الناسفة والقتل على الهوية… انجاز الفنانين العراقيين لم يمنع تدمير المتحف وسرقه َحرق أعمال متحف الفنون شارع حيفا… الفنانون ينجزون اعمالهم. ليوهموا أنفسهم بأنهم أحياء ومازالوا موجودون على هذه البقعة من الأرض… وجودهم الحقيقي. فيما ينجزون مع أدواتهم السحرية. التي يعرفون مسالك طرقاتها.
في أعمالك الأخيرة، ما هي الموضوعات أو الرموز التي تشعر أنها باتت أكثر حضورًا؟ (مثل الحرب، الذاكرة، السلطة، …)؟
٤.. لا يمكن عزل الفنان عن َمحيطه الاجتماعي او السياسي. الفنان ذا حساسيه عالية لالتقاط الأحداث وتحويلها إلى أعمال فنيه بطرائق مختلفة… انا من جيل الخروب وعاطشت ثلاث حروب. ١٩٨٠… ١٩٩٠.٢٠٠٣.وما تبعها من مفخخات وعبوات ناسفة وقتل طائفي… كلها وغيرها كثير تركت جروح كثيرة عندي وعند الكثير من الفنانين العراقيين فانا ابن هذا المجتمع ولدت على الأرض وفيها نموت. الكثير من أعمالي سابقا وحاليا فيها لرموز ملوك.. مع مراكب يحملون طيرا او كلبا. وكأنهم راحلون او مهاجرون… نوع من الخلاص. الجانب الروحي والتعبير في هذه الأعمال يلعب دورا فاعلا… رسمت الكثير من الأعمال فيها طائرات حربية. هليكوبتر.. وتحتها راس مقطوع. او كرسي… هناك ذاكره مستعادة لكل ما حصل… الفنان يختلف عن مصور السينما. انه يقتنص لقطه َمحددة، رمز ليمنحه بعدا تأويليا متعدد القراءات… كل فناني العالم لو اجتمع لا يستطيعون تصوير ما حصل للعراقيين خلال ال٤٥ عام الماضية… وانا ليس من مسؤوليتي الوصف. او الشرح. إنا ابث أسئلة او اشير لموضوع امنحه بعدا تأويليا، ايضا الفن يمنح الامل. فهو حتى لو صور أحداث قاتمه الا ان فكره الجمال وصناعه الامل والحياة تشكل الجوهر الجمالي للفن. وهذا ما ابتغيه.
“عوالم بابلية” عنوان يحيل مباشرة إلى الذاكرة الحضارية والرموز والأساطير الرافدينية، لكن لوحاتك لا تبدو مجرد استعادة للماضي بقدر ما هي إعادة خلق له بلغة تشكيلية معاصرة. كيف تشكّلت لديك فكرة هذه العوالم البابلية، وما الذي أردتَ أن تقوله من خلال استحضار بابل بوصفها ذاكرة حضارية وجمالية في مقابل واقعنا العراقي الراهن؟
للأسف الكثير من العراقيين، لا يعلمون على اي أرض. يسيرون. هذه الأرض أنجبت ارقى الحضارات وأكثرها رقيا وتطورا. في زمن كانت الكثير من القارات لم تكتشف بعد… هذه الأرض أنجبت الأساطير والاحم الكبرى وكتبت أسرار الوجود ووثقت حياه الإنسان الاقتصادية والسياسية ابدعوا فنا لا يجارى. الي الان الروح الساكنة في تماثيل كوديا والألها السومرية وتماثيل الألماسو او الثور المجنح تلهب خيال علما الاثار.. الكثير من أعمالي مستمده من هذه الروح.. الرمز والتجريد البعيد عن التكلف. أجمل ما تعلمته من هذه الأشكال
اداره مثل هذه المواضيع تحتاج صياغه أخرى بعيده التكوينات المدرسية او الأكاديمية، ففي الرسم المعاصر. لم تعد اللوحة لتشرح مضمونها كبوستر اعلاني.. الزمن تغيير كثيرا عما كان في القرن الثامن عشر او التاسع عشر بل حتى قبل ٤٠ عاما… الان زمن تكنولوجيا متقدمة والذكاء الصناعي… وشاشات الأيباد والموبايل ووسائط الاتصال المتقدمة…. السؤال هو اين سيكون موقع الفن مع هذا التطور الهائل…. هذا السؤال اردده مع نفسي كثيرا…. مؤخرا اكتفيت بزوايا َمحدده أجد فيها ذاتي في الرسم. سواء كانت أشكال مجرده او أعمال فيها مرموزات إنسانيه او حيوانيه او رموز مطلقه كالشمس والقمر والنجوم…. هذه الوحدات التصويرية تجد فيها روابط قويه بين جذوري الحضارية.. والزمن الحالي. انا ولدت في بيئه زراعيه، نهر، أرض خضراء، وتل اثري اسمه ابو الزعر، عمره ثلاثة الاف عام.. حيوانات وطيور.. ناس لا يعرفون هيغل او شوبنهاور او نيتشه.. هذه البيئه على بساطتها جعلت من مخيلتي مرجل لمواضيع لا تنتهي، احيانا أشعر بأن رسومي هذه فيها نوع من السعادات. او اكسير. علاج لجروح كثيرة. عشناها في الحياه بسبب الظرف السياسية والأمنية والاقتصادية.
كيف توازن بين اللون كعنصر بصري وبين المعنى العميق العاطفي أو الفلسفي الذي تحاول إيصاله؟
الفن خبرة كما يقول الفيلسوف الأمريكي جون دوي… وبناء العمل الفني يحتاج تجميع العناصر بطريقه. تصبح اللوحة قابله للولادة بلا عمليه قيصريه. ففي أعمال كثيره اختيار ألوان معينه تتفق مع رمزيه اللوحة.. َمثلما يشترك الخط ايضا في بناء الشكل.. ولكن هذه العناصر يجب أن تستخدم بطريقه تنقذها من َمحدوديتها الوظيفية. لتكون قادره على التعبير عن اللانهائي. الذي يبتغيه. الفنان، الكثير من أعمالي فيها سطوح محذوفة. او ٠خطوط والوان يمكن مشاهدتها خلف السطح الاول للوحه، تعجبني كثيرا بعض السطوح التي تشكلت بفعل. العفوية او من خلال تحييد العقل.
نعم اللون يلعب دور كبير في اثارة المخيلة. بل له الدور الكبير في استقرار العمل الفني ومنحه شخصيه مستقله… ما تختزنه الذاكرة من مشاهد يوميه احيانا يلعب دور كبير في استخدام الألوان كنت ومازالت استخدم اللون الاسود. الأخضر لكثرة ما راينا من عباءات سود، وسقوط الظلال. لان الإضاءة في بيتنا شديدة في طفولتنا عايشنا الظلمة وشاهدنا نجوم السماء عندما كان اغلب العراقيين ينامون فوق السطوح…. مازالت مشاهد البساتين في ذاكرتي، الأخضر ودرجاته. الأوكر ولون التراب. هذه الألوان لها. علاقة بكل ما نرسم. …ولكن وبعد كل هذه السنين أصبح معالجه الألوان تتخذ وسائل وطرق أخرى حسب طبيعة العمل المرسوم وموضوعه.
كيف تجد العلاقة بين التراث العراقي والحضارة في لوحاتك؟ وكيف تحاول أن تمزج بين القديم والحديث؟
من يطلع على تاريخ بلاد ما بين. النهرين يجد بأن هذه الأرض ملى بالكنوز التي يمكن الاستفادة منها وفي كل أجناس، المعرفة والفن، فالأساطير وطقوس الحياه وحدها كافيه لإنتاج الالاف الأعمال الفنية. عندما أشاهد وقفه آبو وزوجته او العيون الواسعة او أشكال الشخوص المتعبدين وحركات الايدي تثير في الكثير من الأفكار والمواضيع التي حققت من خلالها الكثير من الأعمال. هناك طاقه من السحر والخيال الخفي والروح الداخلية لمنحوتات أكد ويوم وبابل واشور. هناك طاقة تبثها هذه الأعمال. اضافه إلى موضوع وحده الوجود والتفاعل بين الإنسان والحيوان والبيئة الزراعية. أشعر بأن هناك خيط واحد يجمع هذه السلسلة كلها، الكثير من أعمالي خلال ال٣٥ سنه الماضية تناولت تداخل الشكل الإنساني مع الحيواني، ومعايشه الأشكال مع بعضها، الشمس والقمر والطبيعة قوى مطلقه في الفكر الرافديني. هذه القوى لها تأثيرها على حياتهم كثيرا، منحوها صفه الآلهة. فاستخدمت في نتاجاتهم. الأشكال الفنية في العراقي القديم خاصه السومرية فيها تجريد.. فيها سمو روحي… غايتهم كانت روحيه وليس وصفيه سطحيه… اندريه مالرو الوزير الفرنسي يصف عيون تمثال ابو.. بأن هاتين العينين لا يمكن أن يرى الا بعين الخيال… هذه الأفكار وهذه الماضية تشغل كثيرا مع الفن المعاصر الان
كيف تجد العلاقة بين التراث العراقي والحضارة في لوحاتك؟ وكيف تحاول أن تمزج بين القديم والحديث؟
لتحولات الكبرى التي حصلت في َكال التكنولوجيا والفن الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي جعل من اللوحة والعمل الفني امام تحد كبير.. فنحن الان نعيش بزمن يختلف عن زمن بيكاسو وبول كليه وكاندنسكي.. بل أيضا يختلف عن زمن جواد سليم وفائق حسن.. الفنان بحاجة الان ان يسال ماذا ينتج ولمن… وماءهو دور اللوحة في هذا الزمن السيبراني، والربوتات…اكيد هناك تحدي كبير.. على الفنان مواجهته… الان فنون ما بعد الحدائة…جاءت بمظاهر واتجاهات اساءت للفن كثيرا… جعله في وضع المشكوك بأمره. الكثير من الأعمال التي تشاهدها الان عبث، لا قيمة لها… سببه ضياع البوصلة الثقافية بل والحضارية… العالم متجه نحو نقطه اللاعودة، والحط من قيمه الإنسان.. االمهم تبقى عجله المال والاقتصاد تدور حتى إذا كانت على حساب الحضارة الإنسانية… بالنسبة لي الان انتج أعمال أجد ذاتي او تجربتي فيها بكل حريه ذاكرتي كموجود بشري عاش في بيئة معينه.. لذائذ َمكتسبة. في اللعب على سطح الكانفاس.. تنسينا ألمو ت الذي اخطانا مرات عديدة… انا لا تهمني كم بيعت فنان الموزة الملصوقة.. ولا على الفنان الذي نام على فر اش وسط القاعة. مع تصفيق الجمهور… انا انتمى الى فن ينتمي الى الانسان…. ما علاقتي بالشركات الكبرى التي تحدد اسعار الفنانين في مزادات العالم. ومن يقتنيها… وجودي الحقيقي عندما ازاول الرسم في مرسمي لأشعر أنني ما زلت حيا.
١٢..بلا شك.. كانت الجماعات الفنية اوائل الخمسينات تحول مهم في الحركة التشكيلية العراقية. فجماعه الرواد وبغداد للفن الحديث… قدمت نموذج متطور ليس في العراق فقط بل في المنطقة العربية جمعت الفنانين ورسموا في سفرات مشتركه جمعتهم الرؤية بعد أن اطلعوا على تجارب اور با أثناء دراستهم هناك.. وسفرهم المستمر خلال العطلة الصيفية هذا التأسيس. لعب دور كبير في ارساء قواعد استفاد منها الفن العراقي كثيرا… ففي مجتمع متواضع في التذوق والتربية الجمالية.. طبيعي ان تكون هناك مجموعه تجمعهم الموسيقى والحداثة وروح الشباب وتحدي السائد من الأفكار.