حاز فيلم “فيورد”، المعروض بمهرجان الجونة السينمائي، إعجاب المشاهدين على رغم طول مدة عرضه، إذ يمكن وصفه بتجربة استثنائية صنعها مخرجها الروماني المخضرم كريستيان مونجيو على نار هادئة، بعدما وضع الجمهور في حالة من التوتر منذ الدقائق الأولى للفيلم وحتى تتر النهاية.

وفي فيلم “فيورد” ساد التوتر والقلق والجدل طوال الشريط السينمائي الذي تجاوز أكثر من ساعتين، وسيطرت الأجواء الرمادية على صورة شاحبة تعمّدها المخرج، لتخدم قسوة القضية الإنسانية التي يطرحها، وهي الازدواجية التي يشهدها المجتمع الأوروبي وعنصريته ضد المختلفين عنه دينياً، ومنح العالم المتقدم لنفسه حق ممارسة السلطة المطلقة ضد من هم أقل قوة منه بفرض قوانين قاسية تصادر أبسط حقوق الإنسان.

تبدأ حكاية الفيلم بانتقال عائلة جورجيوس وهي من رومانيا مكونة من أب وأم وخمسة أطفال إلى قرية نرويجية هادئة تقع على مضيق بحري بارد وجميل. ويقوم بدور الأب ميهاي الممثل الأميركي سيباستيان ستان، الذي فاجأ الجمهور بصورة مختلفة ظاهرياً، إذ ظهر حليق الرأس، ومن حيث الأداء كان بعيداً تماماً من أدواره السابقة، وجسّدت دور الزوجة ليزبيت الممثلة رينات راينسفي.

فور انتقال العائلة الرومانية المتعصبة دينياً أو التي يمكن أن يقال إنها شديدة الالتزام تبدو الأمور جيدة بالنسبة إلى الجميع من حيث التمتع بالحرية والديمقراطية والمناخ الأوروبي المتحضر، وداخل القرية النرويجية التقدمية يتعامل الجميع بلطف ويدرس الأولاد في مدارس منظمة. وعلى الجانب الآخر يكشف الفيلم عن أن الجيران والمحيطين بالعائلة النازحة شديدي الود والرقي، وسرعان ما جمعت أواصر الصداقة بين العائلة الجديدة والمحيطين.

حملت عائلة ميهاي معها على رغم نزوحها إلى مجتمع أوروبا عاداتها الدينية المتشددة وتقاليدها الصارمة وسط أبناء المجتمع الأوروبي شديد الانفتاح. وعلى رغم الاختلافات الحضارية التي تتضح بصورة لا يمكن إنكارها يصر ميهاي أن يعيش أبناؤه في نظام صارم يشمل صلاة يومية، وقراءة في الكتاب المقدس، وابتعاد عن الهواتف وألعاب الفيديو والموسيقى الدنيوية، وانضباط عائلي لا يترك مساحة كبيرة للعفوية، إضافة إلى غرس معتقدات قد تبدو معادية لبعض الأعراف والتقاليد وطرق الحياة في النرويج مثل تحريم الزواج المثلي، وأن الضرب إحدى وسائل التربية، والعقاب واجب مع أي فعل من أجل التقويم، وكذلك إباحة استخدام الترهيب والثواب والعقاب في تنشئة العائلة.

ومنذ المشاهد الأولى اتضح أن هناك صداماً متوقع الحدوث بين العائلة الرومانية الصارمة والمحيطين بهم، بخاصة عندما خرج الأبناء للدراسة والاحتكاك بأبناء أسر أخرى تربت على عدم العقاب الجسدي أو الترهيب، وعدم التلويح بالعواقب الدينية والتعذيب وما إلى ذلك. يبدأ المحيطون والمقربون من هذه العائلة الشعور بالتوجس والإحساس بأن عائلة ميهاي لها طباع غير مريحة، ويمارسون أنشطة أقليات قد تبدو غير مألوفة.

9415fada-3d7f-4394-9013-8f0bf01f9f2c.jpg

حاز فيلم “فيورد”، المعروض بمهرجان الجونة السينمائي إعجاب المشاهدين على رغم طول مدة عرضه (إدارة المهرجان)

 

اعتمد المخرج والسيناريو على تقديم جفاف واضح في شخصيات الأسرة، إذ يتميز الأب ميهاي بوجه جاف وصارم ومعاملات حادة ويختار كلمات مباشرة خالية من الود، بينما تتميز زوجته ليزبيت بأنها أكثر ليونة ولطف، لكنها تقف دائماً على الحافة بين الإيمان والخوف، ولا تبدو أنها تمتلك أي شجاعة في مقاومة تقاليد زوجها ودينها.

تنقلب الأحداث رأساً على عقب بشكل قاسٍ وغير عادل أو متوقع ضد العائلة الرومانية على رغم ثقتها بأنها تعيش في مجتمع يبدو آمناً ورائعاً ومتحضراً، لكن المفاجأة أنه يكشف عن جانب مرعب ومتناقض ومتعنّت بالنسبة إلى الأقليات والنازحين، وفي إحدى الجلسات الرياضية التي تمارس فيها الابنة الرومانية الكبرى ليا رياضتها بالمدرسة تفاجأ مدربتها بوجود كدمات في جسدها، وتتحرّك المدرسة التي تنتمي إلى مؤسسة رسمية لحماية الطفولة، لتكشف سر كدمات الفتاة فتسألها عن وجود تعنيف بأسرتها فتجيب الفتاة أن هذا يحدث أحياناً.

تتخذ مؤسسة حماية الطفل في النرويج تحركاً سريعاً بمجرد الإبلاغ عن كدمات الفتاة، والاعتقاد أنها ناتجة عن تعنيف أسري، وتقرر إبعاد الأطفال الخمسة عن والديهم حتى تنتهي التحقيقات، سواء بالسلب والإيجاب، ويتفاجأ ميهاي وزوجته بأن الأطفال انتزعوا منهما بقوة الشرطة، ووضعوا تحت رعاية أسر بديلة اختارتها السلطات الرسمية.

يتعجب ميهاي من تسلط الدولة النرويجية التي تمثل أوروبا وحضارتها وادعاءاتها المدعمة للحرية على حياته الخاصة وفرض سيطرتها على أبنائه الخمسة، وانتزاعهم من دون وجود دليل. وفي البداية يظن ميهاي أن ما يحدث مجرد سوء فهم مؤقت، لكنه يكتشف أنه وقع في براثن منظومات استبدادية لا ترحم بحجة التحضر والدفاع عن الأطفال.

يتصاعد الضغط على العائلة الرومانية بعد انتزاع الأطفال، ويتعرض ميهاي وزوجته لتحقيقات رسمية مكثفة، ويجيبان بعفوية عن بعض المعلومات، ويعترف الأب أنه يمارس أحياناً الضرب الخفيف على مناطق غير مؤذية في جسد أطفاله، وأنه يعاقبهم بطرق مختلفة إذا أخطأوا، وكذلك أكد أنه متمسك بالتزام أبنائه بتعاليم الكتاب المقدس، والقراءة في مواد دينية طوال الوقت، وإقامة الصلوات بدلاً من اللعب، وأقر بأنه يعرضهم للحرمان الكامل من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو أي منصة إلكترونية أو حتى تلفزيون.

تزعج إجابات الأب السلطات، ويعد المسؤولون عن الطفولة ما يمارسه ميهاي أمراً إجرامياً تمنعه السلطات والقوانين النرويجية، وبناءً عليه يجد الرجل نفسه في ورطة، ولا يستطيع التصرف على رغم تبريره أن ما تراه قوانين النرويج المتحضرة فعلاً إجرامياً في حق الأطفال يمارسه الناس بصورة طبيعية في رومانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتخلى المحامية النرويجية المكلفة بالدفاع عن ميهاي وزوجته عنهما في قضيتهما ضد السلطات الرسمية، فتلجأ الزوجة ليزبيت إلى صديقة لها تبدي بعض التعاطف وتعمل محامية. تتصاعد الأحداث في إطار شديد القتامة والبرود والبطء لإضفاء حالة متعمدة من الجمود على المشاهد تعبيراً عن قسوة اللحظات على الأسرة التي انتزع البلد المتحضرة العادلة أبناءها وهم بلا قوة وسط غربة كشفت عن زيف مجتمع يدّعي احترام الأقليات والحقوق الشخصية للجميع.

اعتمد المخرج الروماني كريستيان مونجيو على وضع المشاهدين طوال الوقت في منطقة محيرة وشديدة التعقيد والرمادية، ورفض أن يمنح المتلقي راحة تامة تجاه الشخصيات حتى التي بدت مظلومة. ففي الوقت الذي ستتعاطف فيه مع الأسرة الرومانية وأزمتها وعدم أحقية أي جهة انتزاع أطفال من ذويهم، ستجد نفسك في بعض الأوقات تشعر بالغضب من تلك العائلة المتزمتة التي تربي أبناءها بصورة قاسية، وإن اتخذ الشكل الديني الذي قد لا يتناسب مع تحضر المجتمع الذي يعيشون فيه حالياً، فتجد أنه ربما من مصلحة الأبناء وجود أسرة لها منهج أكثر حداثة ولطفاً.

وربما لأن المخرج أراد ألا يلون الشخصيات بالأبيض أو الأسود جعل الجميع غارقاً في منطقة رمادية بين التعاطف والرفض، والدموع والغضب، ووقعت جميع الشخصيات في منطقة لا يمكن كرهها أو حبها أو الحكم عليها، وربما من تلك النقطة استمد الفيلم قوته، لأننا عشنا داخل مساحة قلقة، رمادية ومتناقضة تتداخل فيها العدالة مع القسوة، والتحضر مع التزمت، والحرية مع التسلط.

نجح العمل في تقديم قصة قد تبدو مجرد إساءة محتملة لأسرة نازحة، لكنه كشف عن الوجه الآخر للمجتمع المتحضر الذي يلوح بدعمه الكامل لكل الحقوق والحريات والأقليات، ويدعي مناصرته لكل الفئات، وانتزع المخرج الروماني الإعجاب، لأنه بصورة سينمائية وحوار هادئ ومشاهد خالية من الألوان والموسيقى عبر عن فكرة الصدام الكامل بين ثقافتين، ونظامين أخلاقيين، وفهمين مختلفين لمعنى التربية والحرية والسلطة.