الجمعة 23 أكتوبر 2026 4:58 مساءً –
بتوقيت القدس

ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جديدة

صدر حديثاً عن دار نلسن في بيروت كتاب جديد للفنان التشكيلي ريمون شويتي بعنوان «ما رآه أورفيوس قبل أن يلتفت»، وهو عمل يقع في 596 صفحة من القطع الكبير. تولى قراءة السيرة وتنقيحها الشاعر والروائي محمد شمس الصوالحة بالتعاون مع الروائية تبارك الياسين، حيث يسرد الكتاب تجربة شويتي الطويلة في عالم الرسم والديكور والتصميم الفني.

تتقاطع سيرة شويتي الذاتية مع ذاكرة مدينة بيروت منذ عصرها الذهبي في أواخر السبعينيات وصولاً إلى مراحل الانهيار والحروب التي دفعته للهجرة. ويقدم الفنان في كتابه اعترافات صريحة حول مراحل الحرمان والبؤس التي عاشها، وكيف صاغت هذه المآسي شخصيته الفنية وحضوره الاجتماعي المتميز بالتواضع والصدق العاري من ادعاء البطولة.

بدأت رحلة شويتي من بلدة بسكنتا عام 1947، حيث نشأ في عائلة عانت من ضيق الحال والحرمان، وكان الفن في نظر عائلته آنذاك مضيعة للوقت. وبالرغم من هذه التحديات، وجد الفنان ملجأه في الطبيعة ومكتبة والده، متأثراً بشخصيات أدبية وفلسفية عالمية شكلت وعيه المبكر قبل أن يواجه مسؤولية إعالة عائلته عقب وفاة والده.

اضطر شويتي للعمل في مهن متعددة لتأمين لقمة العيش، فعمل في متاجر الأقمشة ومكاتب الهندسة وشركات السفريات، بينما كان يتابع دراسته ليلاً في مجالات المحاسبة والتصميم الداخلي. هذه التجارب الحياتية القاسية علمت الفنان الصبر وكيفية التعامل مع مختلف شرائح المجتمع، وصقلت موهبته في تحويل المعاناة إلى فن بصري ملموس.

يركز الكتاب على حقبة «الزمن الجميل» في بيروت، حيث كان شارع الحمرا مركزاً للحراك الثقافي والإبداعي، وكان مقهى «الهورس شو» ملتقى لكبار الفنانين والنقاد. استعاد شويتي ذكرياته مع شخصيات بارزة مثل رفيق شرف ووجيه نحلة، مشيراً إلى أن تلك اللقاءات كانت نافذة حقيقية على التجارب الفنية العربية والعالمية.

تطرق الفنان إلى علاقته الوثيقة بالشاعر يوسف الخال، الذي كان صديقاً ومرشداً روحياً له، وتولى معه إدارة شؤون «غاليري وان». ووصف شويتي تلك المرحلة بأنها كانت شاهداً على رحلته الفنية التي امتزجت فيها الروح بالعاطفة، حيث تعرف في تلك الأروقة على نخبة من المثقفين الذين تركوا بصمة واضحة في مسيرته.

تحدثت السيرة عن فواجع الحرب التي عاشتها بيروت، ومنها استشهاد الفنان إبراهيم مرزوق أمام فرن للخبز، ورحيل الناقد هاني أبي صالح الذي وجد مقتولاً ومنكلاً بجثته تحت جسر على خطوط التماس. هذه الأحداث الأليمة دفعت شويتي للاعتقاد بأن الفن هو الملجأ الوحيد لمواجهة قسوة الموت وفقدان الأحبة في زمن النزاعات المسلحة.

35af7bac-070f-48a8-95d8-65f886c7476e.jpg

35af7bac-070f-48a8-95d8-65f886c7476e.jpg

32897502_1611910865598527_2685035423985565696_n.jpg

32897502_1611910865598527_2685035423985565696_n.jpg

كشف شويتي عن تفاصيل رحلته إلى الهند وتأثره بالفلسفات الشرقية التي ساعدته على مواجهة الهموم اليومية، حيث استلهم من الطبيعة هناك أبعاداً روحية جديدة. وقد انعكس هذا التأثير على أعماله الفنية التي نفذها بالحبر الصيني، والتي نالت إعجاب نقاد عالميين وفتحت له أبواب العرض في نيويورك وبومباي.

تناول الكتاب أيضاً علاقة شويتي بالفنانة جوليانا ساروفيم، أيقونة الفن السريالي في لبنان، وكيف أثر أسلوبها الغرائبي على خياله الفني. ووصف زياراته لمحترفها في بيروت وباريس بأنها كانت إبحاراً في عالم سحري لا يمت للواقع بصلة، مما عزز من نزعته السريالية في الرسم والتصميم.

وثق الفنان لحظات قاسية تعرض فيها لعملية «خطف على الهوية» على يد عناصر ميليشياوية مسلحة خلال الحرب في بيروت، قبل أن يتم الإفراج عنه بأعجوبة. كما أشار إلى تعرض منزله في الأشرفية للتحطيم وسرقة مجموعته الفنية، مما دفعه للدخول في مرحلة من العزلة الفنية هرباً من الرعب السائد آنذاك.

انتقل شويتي في سيرته إلى مرحلة العمل في المملكة العربية السعودية التي بدأت عام 1984، حيث استقر في الرياض وعمل في مجال تنسيق الأزهار والديكور. استطاع الفنان ببراعته أن يحقق شهرة واسعة في تصميم المناسبات الكبرى، محولاً القاعات إلى فضاءات فنية مستوحاة من القصور التاريخية والحدائق العالمية.

لم تخلُ مسيرة النجاح في الغربة من التحديات، حيث واجه شويتي الحسد وغدر بعض المقربين، مما دفعه للهجرة مؤقتاً إلى أستراليا قبل العودة مجدداً إلى الرياض. وتولى لاحقاً إدارة مؤسسات فنية كبرى، حيث تخصص في الهندسة الفراغية للمكان وعلاقتها بأنواع الأزهار النادرة التي كان يستوردها من مختلف أنحاء العالم.

أصدر شويتي كتاباً باللغة الإنجليزية يوثق تصاميمه الفنية للمناسبات الخاصة، مؤكداً أن عمله في السعودية منح الأفراح معاني جديدة مستمدة من سحر الطبيعة. ويستمر الفنان حتى اليوم في الجمع بين إنتاجه التشكيلي وإقامة المعارض الشخصية في الرياض، معتبراً أن رحلته الإبداعية لم تنتهِ بعد.

ختم شويتي سيرته بالتأكيد على أن بيروت تظل «الجرح الذي لم يلتئم» في قلبه، رغم سنوات الغربة الطويلة والنجاحات التي حققها في الخارج. ويرى الفنان أن كتابة هذه المذكرات هي محاولة للاتصال بالحياة التي عشقها، واستحضار لوجوه الأصدقاء الذين غابوا، وتوثيق لمدن ومهرجانات ألوان شكلت محور حياته.

images.jpg

images.jpg