رواية «باسرا المهاجر» للكاتب طاهر علوان، الصادرة عن مؤسسة لندن تاور في المملكة المتحدة، تطرح العديد من أسئلة الهجرة وألم الاغتراب، في رحلة مضنية وشاقة بين تضاريس الجغرافيا وعقدة اللجوء. تبدأ الرحلة من البصرة، ثغر العراق على الخليج العربي، حيث ينطلق بطلها قاصدا النجاة من ظروف الحرب وسطوتها وجبروتها ومأساتها، تلك الحرب التي أطبقت على الحياة بكل ألوان العذابات النفسية والجسدية، حتى أصبح الفقد فيها حالة انتظار لا غير.
وهذا النوع من الهجرة تناولته أعمال عراقية عديدة، خرجت من أتون الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية الخانقة، الأمر الذي خلق جوا بائسا تتداعى فيه الأشياء، وتهدد المصائر بصورة مباشرة، وتمس معنى الوجود والحياة. والنفاذ بجلدك من الموت لا يعني أنك بلغت الخلاص، ولا يعني بالضرورة التبرؤ مما علق في الذاكرة عن الوطن؛ فالوطن هو الأم الرؤوم، وهو المكان الذي لا يضاهيه شيء في الكون. ولهذا، فإننا لا نرى الهجرة، في كثير من التجارب الروائية، متعة أو تسلية أو نزهة سياحية تعيد ترتيب الذات في ظل بهرجة العوالم الجديدة، وإنما هي رد فعل عكسي، أشبه بصرخة مكبوتة تحاول أن تطلق ما استقر في أعماقها.
إنها، ببساطة، حجاج نفسي حين لا تلوح في الأفق وسيلة للخلاص من القهر والذل والحرمان والتشرذم والإكراه، وأحيانا يصل الأمر إلى حد التشكيك في الهوية والانتماء. فالهجرة هنا تأتي اضطرارا لا اقتناعا، وتتحول إلى أمر حتمي لا بد منه.
وقد تجلت في العديد من الأعمال العراقية محاولات لأرشفة طبيعة الهجرة وأشكالها وعوالمها، وبأساليب مختلفة، غالبا ما يكون أبطالها من الشخصيات المهمشة، المشحونة بانفعالات الحرب والحصار والاحتلال المقيت وإفرازاته البغيضة على الواقع. وهكذا نرى أن أغلب تلك الشخصيات نافرة وموجعة ومتألمة وضائعة في موجة الهجرة، تبحث عن الاستقرار ولا تجده. إنها هجرة عانى أصحابها كثيرا من أجل اجتياز عقباتها، وظل التوجس منها يشكل استفزازا داخليا لا مفر منه؛ فلا الوطن استطاع أن يمنحها الأمان، ولا الهجرة احتوتها وأبعدت عنها شبح الغربة النفسية. هذا الإشكال الذي يحيط بالشخصيات المهاجرة لا ينفصل عن لوثة الصراع التي تفرضها غربة المكان والبيئة، واختلاف العادات والتقاليد، وما تتركه من إسقاطات غير مألوفة؛ فقد يتقبلها بعضهم على مضض، في ما يتحول البعض الآخر إلى سجل للأحداث، تضاهي تجربته عملية التوثيق ورصد الوقائع التي تصادفه.
فالشخصية هنا لا تريد أن تؤرخ لما جرى من سلسلة المواجع فحسب، وإنما تنقل إلينا صورا تتجاوز مضايقات الهجرة غير الشرعية، وأفواج الاعتقالات، والنازحين المحشورين داخل مخيمات اللاجئين. ومن هذه الأعمال تأتي رواية «باسرا المهاجر» بوصفها مدونة عصرية لمنطقة الصراع الإنساني؛ ذلك الإنسان الذي يحمل في جسده شظيتين: واحدة في رأسه وأخرى في رئته. وللعلاقة الرمزية بين الشظايا والجسد دلالة لا تخلو من الإيحاء؛ فالإصابة في الرأس والرئة تضعنا أمام معادلة رمزية ذات أبعاد متعددة، وربما تحيل إلى الملف المضمر لذاكرة الحرب وأمكنتها. فالرأس يمكن أن يستحضر التفكير والذاكرة، فيما تحيل الرئة إلى النفس والحياة؛ وكلاهما يغذي الآخر. وبهذه الحالة تصبح الشظايا رمزًا من رموز المحاكاة مع الألم والهجرة والمنفى، لنعيش مع باسرا تلك المعاناة بوصفها جرحا جسديا ونفسيا في آن واحد.

من هو باسرا؟

الغريب في هذه الشخصية أنها لا تتسم بالسوداوية أو الاستسلام للمأساة، رغم تعرضها للعديد من النكبات. فهو طموح إلى الحياة، والحياة بالنسبة إليه ينبغي أن لا تتوقف عند حدود الزمان والمكان والجغرافيا. باسرا هو الجندي غضنفر عبد الحميد سلامي، البصري من أهالي خمسة ميل في الحيانية. يجيد العزف على آلة الناي، وعلى ساعده وشم لتنين صيني ترى فيه الفيتنامية شو أنه يمنح صاحبه طاقة سحرية تساعده على تحدي العقبات.
شاءت الأحداث أن تعصف بهذا الكائن، باسرا، وتقذف به في المنافي، حتى أصبح دائم التنقل من مخيم للاجئين إلى آخر. المعاملة سيئة، والتصرفات غير لائقة، والانتظار مجحف، رغم أنه جريح يحتاج إلى العناية. لكنه، في الوقت نفسه، لا يشعر بأنه أحسن حالًا من الآخرين؛ فالجميع هنا أسرى المصير ذاته، ومطاردون بشبح المنفى.
وبعد خروجه من المخيم لا تنتهي المواجهات؛ إذ يقع في قبضة أفراد عصابة بوبو، الذين يتخذون من الخطف والابتزاز وسيلة للسيطرة على ضحاياهم. وهناك يفقد صديق الرحلة راهي الأغم، ولا يعرف مصيره بعد أن تفرقهما العصابة وتنقلهما إلى داخل الغابة. في هذه الرحلة يتعرف باسرا على المتمردة الألبانية الكوسوفية فيونا، التي هربت من حرب صربيا بحثا عن ملاذ آمن، فإذا بها تقع في المحظور. يطلب بوبو الفدية، أو أي شيء من أعضاء الجسد، مقابل الخلاص. تقدم فيونا كل حليها التي كانت بحوزتها، ليس من أجل نجاتها فحسب، وإنما لتخليص باسرا معها أيضا، وفاءً لمواقفه الإنسانية في الدفاع عنها أمام رجال بوبو.
ثم تذهب فيونا إلى أختها في هامبورغ، بينما يعيش باسرا في غرفة تطل نافذتها على مطعم سايغون الفيتنامي، وعلى جداره يمتد التنين الذي يعتقد أنه التنين نفسه الموشوم على ذراعه؛ ذلك التنين الذي يرى باسرا أنه شاركه حربا طاحنة في البصرة، وانتشله من الموت. هذا الشعور يدفعه إلى التعلق بأصحاب المطعم، فيصبح، في ما بعد، واحدا من أفراد المكان. وهناك يتعرف إلى الجنرال الفيتنامي ثاو، الذي يطلق عليه اسم «باسرا». ومن هنا يتحول الاسم إلى علامة وهوية جديدة، فيما يصبح المطعم ملتقى للثقافات التي لفظتها الحروب.

باسرا وذاكرة الشخصيات المهاجرة

تستعيد شخصية باسرا، في بعض جوانبها، شخصيات روائية لا تكاد تُنسى، وتبقى عالقة في الذاكرة، مثل بطل «الخبز الحافي» لمحمد شكري، ومصطفى سعيد في «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، وشخصية الرمز الأسطوري في رواية «حرودة» للطاهر بن جلون، التي تقترب من رحلة الذاكرة والخيال. كما تلتقي الشخصية، من زاوية أخرى، مع يونس ونهيلة في رواية «باب الشمس» لإلياس خوري، حيث تصبح الحكاية شكلا من أشكال مقاومة النسيان، أو مع شخصية القس ستيفن كومالو في رواية «ابكِ، يا بلدي الحزين» أو مع شخصيات رواية «الإشارة القرمزية» للكاتب الجنوب افريقي آلان باتون. غير أن هذا التلاقي لا يعني التشابه أو التطابق؛ وإنما هو تلاقح في ردود الأفعال الإنسانية، وفي الطريقة التي تواجه بها الشخصيات مصائرها. فالشخصية الروائية لا تستمد رمزيتها من تشابهها الظاهري مع شخصية أخرى، بقدر ما تستمدها من قدرتها على تجاوز الحقيقة التي وُلدت منها، وإعادة إنتاجها داخل فضاء سردي جديد.

المشهد والفلاش باك

اهتمت رواية «باسرا المهاجر» بأسلوب المشهد والفلاش باك في تفكيك الحدث وإعادة تشكيله من خلال اللغة. فالكاتب يعتمد رسم الأحداث عبر بنية صورية لا تعني التسلسل التاريخي للحدث بقدر ما تسعى إلى إلقاء الضوء عليه، وإعادة توزيع أجزائه داخل الذاكرة السردية.
ومع كل انتقالة سردية نجد خلف القراءة صورة، أو مشهدا، أو ومضة تستقر في الذاكرة، بحيث لا يمكن أن تمحي بسهولة صورة باسرا المهاجر؛ ذلك الإنسان الذي لم تختفِ البصرة من ذاكرته، بوصفها وعاءً يضم أمه وأباه، ولا سيما تلك الفتاة الجميلة التي فقدت أخاها وأمها، ودفعَتها الظروف الاستثنائية إلى العيش في بيتهم البصري.
المهم أن باسرا، رغم الوجع، ظل ينشد الحياة ويتأملها، كما لو أنها تتحدى الفراغ من حوله، ولهذا يصبح الناي أكثر من آلة موسيقية في الرواية؛ إنه صوت الداخل، وصدى المكان الأول، وذاكرة لا تستطيع المنافي اقتلاعها.
إن باسرا لا يعزف على الناي لكي يهرب من واقعه، وإنما لكي يستعيد شيئا من ذاته. فكلما اتسعت جغرافيا المنفى، ضاقت المسافة بينه وبين البصرة في داخله. ومن هنا يمكن النظر إلى العزف بوصفه سيمفونية المهاجر؛ سيمفونية تجمع وجع الفقد، ومرارة اللجوء، وذاكرة الحرب، وحلم النجاة، والرغبة العنيدة في مواصلة الحياة.
وهكذا تبدو رواية «باسرا المهاجر» محاولة لاستعادة الإنسان من بين ركام الجغرافيا، وإعادة تعريف المنفى لا بوصفه مكانا بعيدا عن الوطن فحسب، وإنما بوصفه حالة نفسية تلاحق الإنسان أينما حلّ. وفي هذه المسافة بين البصرة والمخيم والمطعم الفيتنامي، وبين الجرح والنجاة، وبين الذاكرة والحاضر، يواصل باسرا عزفه؛ وكأن الناي وحده قادر على أن يقول ما عجزت اللغة عن قوله، إن الإنسان قد يغادر وطنه، لكنه لا يستطيع أن يغادر الوطن الذي يسكنه.

كاتب عراقي