الشارقة 24:
أن يشاهد شخص الفيلم نفسه 100 أو حتى 200 مرة، فلا بدّ أن هناك ما هو أبعد من مجرد متابعة أحداثه؛ بل تجربة أتاحها فيلم تفاعلي يمنح الجمهور فرصة التأثير في مجرى القصة واختيار نهايتها. هذه واحدة من التجارب التي كشف عنها شوزو شيوتا، الرئيس التنفيذي لشركة “بوليغون بيكتشرز” اليابانية، خلال مشاركته في مؤتمر الشارقة للرسوم المتحركة والقصص المصورة 2026، مستعرضاً كيف قادت أربعة عقود من التجريب والابتكار الشركة إلى تطوير أعمال تعيد تعريف العلاقة بين صُنّاع الرسوم المتحركة وجمهورهم.
وخلال جلسة بعنوان “أكثر من 40 عاماً من بوليغون بيكتشرز”، روى شيوتا محطات من مسيرة الشركة التي تأسست عام 1983، لم تقتصر على نجاحاتها التقنية والفنية، بل شملت إخفاقات إنتاجية كلّفت ملايين الدولارات، وتحولات في أساليب الإدارة والإنتاج، وصولاً إلى التعاون في أعمال عالمية مثل “غودزيلا” و”بوكيمون” و”سبايدرمان” و”حرب النجوم”.
فيلم يختار الجمهور أحداثه ونهايته
ومن أبرز التجارب التي تناولها شيوتا مشروع “هيبنوسيس مايك”، الذي عملت الشركة على تطويره على مدى ثماني سنوات، وتدور فكرته حول منافسات موسيقى الراب بين فرق تمثل مدناً يابانية، قبل أن يتحول عام 2025 إلى فيلم سينمائي تفاعلي يمنح المشاهدين دوراً في تحديد مسار الأحداث.
وأوضح أن الجمهور يستطيع التصويت عبر تطبيق خلال العرض، لتتغير القصة تبعاً لنتائج التصويت، ما أتاح 48 نسخة مختلفة من مسار الأحداث وسبع نهايات محتملة. وقد دفعت هذه التجربة بعض المعجبين إلى العودة لمشاهدة الفيلم عشرات المرات، ووصل عدد المشاهدات لدى بعضهم إلى 100 أو 200 مرة، في نموذج يُظهر كيف يمكن للتفاعل أن يحوّل الجمهور من متلقٍّ للأحداث إلى مشارك في تشكيلها.
30 مليون دولار مقابل 3 دقائق
وفي مقابل هذه التجارب، توقف شيوتا عند أحد أصعب الدروس في تاريخ الشركة، حين شرعت في إنتاج فيلم سينمائي بميزانية مخططة بلغت 80 مليون دولار، لكن المشروع انتهى بعد إنفاق 30 مليون دولار، من دون إنجاز سوى ثلاث دقائق من اللقطات النهائية.
وأوضح شيوتا أن سبب تعثر المشروع إلى تأخر السيناريو وصعوبات إدارة الإنتاج، موضحاً أن هذه التجربة دفعت الشركة إلى إعادة النظر في طريقة عملها، وإعادة تنظيم عملياتها، والتركيز على إنتاج المسلسلات التلفزيونية.
وفي إطار هذا التحول، اعتمدت “بوليغون بيكتشرز” منهجية “كايزن” اليابانية القائمة على التحسين المستمر، ما أسهم في رفع كفاءة الإنتاج بنسبة 28%، وساعدها على مواصلة العمل في مسلسلات من بينها “ترانسفورمرز: برايم” و”ترون: أبرايزينغ” و”حرب النجوم: حروب المستنسخين”.
من ابتكار أدوات الإنتاج إلى الوصول للعالمية
وعاد شيوتا إلى البدايات الأولى للشركة في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت أدوات إنتاج الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد محدودة، ما دفع فريقها إلى تطوير برمجياته وتقنياته الخاصة، ومنها نظام “ميسوزويك”.
وتحدث عن الأعمال التجريبية التي مهّدت لتطور الشركة، ومنها فيلم قصير عُرض عام 1990 في مؤتمر “سيغراف” المتخصص في الرسومات الحاسوبية، قبل أن تتوسع تجاربها إلى استثمار الشخصيات في مشاريع تجارية.
ومن هذه التجارب شخصيات بطاريق “روكر هوبر”، التي ظهرت في إعلان لشركة “شيسيدو” عام 1995، وحققت المنتجات المرتبطة بها عوائد بلغت 150 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، في مثال على قدرة الشخصيات المبتكرة على تجاوز الشاشة إلى منتجات وأسواق جديدة.
كما استعرض شيوتا توجه الشركة إلى تطوير أسلوب بصري يجمع بين تقنيات الرسوم المنشأة بالكمبيوتر والطابع التوضيحي، بدلاً من السعي إلى محاكاة الواقع بصورة كاملة. وأسهم هذا التوجه في تقديم مسلسل “فرسان سيدونيا”، الذي أصبح أول عمل أنمي ياباني أصلي ترخّصه منصة “نتفليكس”، ما أتاح للشركة فرصاً أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية.
450 فناناً يعملون على 20 مشروعاً
وأوضح شيوتا أن “بوليغون بيكتشرز” تضم اليوم نحو 450 فناناً موزعين على مكاتبها في اليابان وماليزيا والهند، ويعملون على قرابة 20 مشروعاً في الوقت نفسه، تشمل إنتاجات أصلية تستهدف فئات عمرية مختلفة، إلى جانب التعاون في أعمال مرتبطة بعلامات عالمية معروفة.
وأشار إلى أن فلسفة الشركة تقوم على إنجاز أعمال لم يسبق للآخرين تقديمها، بمستوى عالٍ من الجودة يصل إلى الجمهور حول العالم، مؤكداً أن نجاح صناعة الرسوم المتحركة لا يتوقف عند إنجاز العمل فنياً، بل يرتبط أيضاً بقدرته على جذب المشاهدين وتحقيق عوائد من حقوق الترخيص والاستثمار في الحقوق الثانوية، بما يضمن استدامة الإنتاج.
قيادة تشبه إيقاع الموسيقى
وفي حديثه عن إدارة المؤسسات الإبداعية، أكد شيوتا أن ثقافة الشركة وقيمها تتشكل منذ تأسيسها، وأن مسؤولية القيادة تتمثل في الحفاظ على هذه الهوية وتوجيه العاملين نحو هدف مشترك.
وأشار إلى دور القصص في نقل الأفكار وتعزيز التفاهم بين أعضاء فرق العمل والعملاء، مستلهماً من الموسيقى والإيقاع صورةً لطريقة إدارة المؤسسة الإبداعية، حيث يعتمد نجاح العمل على تناغم جهود المشاركين فيه وتكامل أدوارهم.
واختتم شيوتا حديثه بالإشارة إلى أن كلمة “أنيميشن” تعود إلى أصل لاتيني يرتبط بمعنى الروح، معتبراً أن جوهر صناعة الرسوم المتحركة هو قدرة الفنانين على بث الحركة والحياة في العناصر الجامدة، وابتكار حكايات تحرّك مشاعر الجمهور وتبقى في ذاكرته.
