يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي منذ الاستقلال، ووثّق في أعماله الأدبية التحولات الاجتماعية والثقافية، وما رافقها من صراعات بين الموروث والحداثة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وبعد مسيرة إبداعية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، ظل خلالها منشغلاً بأسئلة الإنسان والمجتمع وتحولاتهما، يتمسك صاحب «الطيبون»، و«رفقة السلاح والقمر»، و«الريح الشتوية»، و«بدر زمانه»، و«برج السعود»، و«درب السلطان»، و«طوق اليمام» بأولوية الفن، ويرفض وضع الرواية المغربية في موقع التابع للرواية المشرقية أو الغربية، مؤكداً أنها جزء من الإبداع الروائي العربي والعالمي، ولها خصوصيتها التي تستمدها من بيئتها وتجارب كتابها. وهنا نص الحوار معه:

* أنت من الجيل الذي أسهم في تأسيس الرواية المغربية الحديثة؛ بعد أكثر من ستة عقود من التجربة الإبداعية، كيف تقرأ التحولات التي شهدتها الرواية المغربية؟

– في تصوري أن الرواية لا ينبغي أن تهدف إلى أن تكون على مثال رواية بلد آخر. من الناحية التاريخية، من الواضح أن الرواية العربية وليدة الرواية الغربية الحديثة، وقد عُرفت في المشرق قبل المغرب، حيث يمكن الحديث عن خمسينات القرن الماضي بوصفها مرحلة من البدايات. ففي فترة الاستعمار وبداية الاستقلال كان عدد الكتاب محدوداً، وكانت نسبة الأمية مرتفعة.

ومن الطبيعي أن يتأثر الروائيون بما يقرأونه، وأن يتأثر الكتاب المغاربة بالرواية المشرقية، خصوصاً المكتوبة بالعربية. لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية المشرقية معياراً نقيس به الرواية المغربية، أو أن ننظر إلى تاريخ الرواية باعتباره انتقالاً من أعمال ناقصة إلى أعمال مكتملة.

الرواية إما أن تكون رواية أو لا تكون. وحين نتحدث عنها بوصفها فناً، فإننا نتحدث عن عمل تتوفر فيه مقتضيات هذا الفن وشروطه. والأمر يشبه الفن التشكيلي، فإما أن نكون أمام لوحة فنية أو لا نكون.

والرواية المغربية، بوصفها رواية قائمة بذاتها، لها صلات بالرواية المشرقية، لكن لها يضاً علاقة بالرواية الغربية والعالمية، سواء عبر القراءة بلغاتها الأصلية أو من خلال الترجمة. لكن لا ينبغي أن نحاكمها بمقارنتها بهذه الروايات، أو أن نسأل إن كانت قد بلغت مستواها. فتلك رواية وهذه رواية، وكلها تنتمي إلى عالم الفن الروائي.

* ماذا عن الخصوصية؟ هل استطاعت الرواية المغربية أن تؤسس هويتها وخصوصيتها بعيداً عن تأثير النماذج المشرقية والغربية؟

– بشأن الخصوصية، الرواية المغربية لها مظهران. الأول يتعلق بالموضوعات التي تعبر عن البيئة المحلية من حيث الموضوعات، والثاني يتعلق بالكيفية الفنية التي يعالج بها الروائي تلك الموضوعات. فالرواية ليست مجرد موضوع أو حكاية عن مجتمع معين، وإنما هي الشكل الفني الذي تتحول به تلك الحكاية إلى عمل روائي.

ومن هذه الناحية، تمتلك الرواية المغربية خصوصيتها، سواء في تعبيرها عن البيئة المغربية أو في بعض مظاهر التجديد والتجريب. لكنها تظل جزءاً من الرواية العربية وهي جزء من الرواية العالمية، ولا ينبغي أن ننظر إليها من خلال معيار يجعل رواية بلد ما نموذجاً للحكم على غيرها.

الاستعمار والاستقلال.. والتجربة الروائية

* عاصرت مرحلة الاستعمار والاستقلال وما رافقهما من تحولات سياسية واجتماعية. كيف انعكست هذه التجارب على مشروعك الروائي؟

– السؤال عن كيفية انعكاس الأحداث في العمل الروائي هو، من جهة، شأن المتلقي أو القارئ أو الناقد، ومن جهة أخرى يرتبط بالموضوعات التي يتناولها الكاتب.

وأستطيع القول إن تلك الأحداث انعكست على بعض أعمالي. فقد عشت مرحلة مقاومة الاستعمار، وعانيت منها شخصياً وعائلياً، وكان بين زملائي في الدراسة من استشهدوا وهم يحملون السلاح في المقاومة.

وقد تأثرت بهذه المرحلة بطبيعة الحال، خصوصاً أن الأمر وصل إلى نفي الأسرة الملكية. فلم يكن حدثاً بسيطاً، بل كان تحولاً هزّ البلاد كلها.

* هل كانت الرواية المغربية شاهدة على تلك التحولات، أم أسهمت في صناعتها؟

– صانعة لها؟ لا. لا أعتقد أن الرواية تصنع التحولات الاجتماعية أو السياسية. قد يأتي من يقرأ الرواية ويؤولها، ويحاول تحويل ما تتضمنه إلى تطبيق عملي، لكن هذا شأنه وفهمه هو.

أما الرواية فهي فنية قبل كل شيء، ولا تهدف إلا إلى جماليتها. وحتى عندما تسجل موقفاً اجتماعياً أو وطنياً أو سياسياً، فإن جوهرها يظل في جماليتها الفنية، لا أكثر.

* في أعمالك من رواية «الطيبون» إلى «الريح الشتوية» و«درب السلطان» و«غرب المتوسط»، ظل المجتمع المغربي حاضراً بتحولاته وصراعاته في أعمالك. ما القضية التي ظلت تشغلك طوال هذه المسيرة، وما الذي تغيّر في نظرتك في الإنسان والمجتمع؟

– يمكن اعتبار هذه الأعمال تعبيراً عن انعكاسات الواقع المجتمعي، وعن الواقع الفني في الرواية بصفة خاصة. لكن ما أريد التأكيد عليه أن التحولات المجتمعية، بوصفها مادة ملهمة، قد تثيرني أنا ولا تثير غيري، بينما تستوقف كاتباً آخر أحداث لا تستوقفني.

فالمنظور الذي ينظر به الروائي إلى الإنسان في لحظة معينة، أو إلى موقف أو مشهد، هو الذي يحدد فنية الرواية.

أما نظرتي إلى الإنسان، فهو الإنسان في عظمته العليا، حين يرتقي إلى أعلى درجات الخير والنبل، وهو أيضاً الإنسان في حضيضه، حين يكون خسيساً وتصدر عنه كل أنواع الخسائس.

ومن القمة إلى الحضيض، يظل دائماً إنساناً. والروائي يختار اللحظة، أو تفرض عليه اللحظة نفسها، التي يقتنص فيها الإنسان عند مستوى من هذه المستويات.

علم النفس والمخيلة الأدبية

* أنت روائي وأكاديمي متخصص في علم النفس. أيهما أقدر على فهم الإنسان والكشف عن دوافعه وصراعاته، المعرفة العلمية أم المخيلة الأدبية؟ وإلى أي مدى استفدت من دراستك لعلم النفس في كتابة الرواية؟

– علم النفس، كغيره من العلوم الإنسانية، يتيح فرصة لفهم الإنسان. لكن في علاقتي بكتابة الرواية، لا يكفي علم النفس ولا علم الاجتماع ولا دراسة الأدب العربي أو الأجنبي لتأهيل الإنسان لكتابة الرواية، إذا لم تكن لديه المؤهلات والاستعداد الشخصي.

يمكن أن يكتب الرواية من لم يدرس علم النفس أو علم الاجتماع أكاديمياً. بل إن علم النفس نفسه موجود في الأدب.

يكفي أن نتذكر كيف استفاد فرويد من الأدب والأساطير اليونانية، وخصوصاً أسطورة أوديب، في تطوير بعض مفاهيم التحليل النفسي. فالأدب كان مصدراً من مصادر فهم النفس الإنسانية.

وكذلك حين نقرأ القصائد في الأدب الجاهلي، نستطيع أن نحللها نفسياً، وأن نجد فيها معرفة بالنفس ودوافعها وانفعالاتها. هذا ما يمكن تسميته علم النفس الفطري أو الطبيعي أو العفوي، في مقابل علم النفس الأكاديمي الذي يقوم على المنهج والتقنين والدراسة الميدانية.

لكن دراسة علم النفس لا تؤهل وحدها لكتابة الرواية، بدليل أن أطباء ومهندسين وشعراء كتبوا روايات.

نعم، تفيد المعرفة النفسية الروائي في جانب مهم، وهو فهم الشخصيات وتجنب بعض التناقضات في بنائها. فعندما يصف شخصية تعاني الاكتئاب، مثلاً، تساعده معرفته العلمية على ألا يقدم صفات تتعارض مع طبيعة هذه الحالة، بينما قد يقع في مثل هذا الخطأ من لا يعرف علم النفس الأكاديمي.

لكن حتى هذا الخطأ قد يكون مقبولاً فنياً، لأن الروائي لا يكتب كتاباً علمياً، وإنما يكتب عملاً أدبياً. فالعلم بالنسبة إليه خلفية ثقافية ومعرفية، وليس مجموعة من القواعد الملزمة في بناء الشخصيات.

وحتى إذا قال الأكاديمي إن مواصفات شخصية روائية لا تتفق مع المعطيات العلمية، فإن الكاتب يظل حراً في ابتكار شخصياته وتشكيلها وفق مقتضيات العمل الفني.

الحرية وتحولات المجتمع

* ارتبط الأدب المغربي في مراحل من تاريخه بأسئلة الحرية والسلطة والعدالة الاجتماعية. هل أصبحت الرواية المغربية اليوم أكثر جرأة في مساءلة السلطة والمجتمع، أم أنها باتت أكثر انشغالاً بالتجريب الفني والهموم الفردية؟

– صحيح أن المشاغل اليومية تغيرت، وأن التحولات الرقمية ووسائل الاتصال أصبحت تستحوذ على اهتمام الإنسان، بما في ذلك الكاتب. وهذه الظواهر تفرض حضورها، وقد تصبح جاذبة وملهمة للكتابة الروائية.

لكن ذلك لا يعني أن قضايا الحرية والكرامة وسائر القيم التي تقوم عليها الإنسانية قد غابت عن الرواية أو عن اهتمام الروائيين. هذه قضايا إنسانية لا تنمحي ولا تزول، سواء عالجها الكاتب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وإنما تختلف قدرات الكتاب وإمكاناتهم وتقنياتهم في التعبير عنها.

* هل نجحت الرواية المغربية في التعبير عن التحولات التي شهدها المجتمع؟

– لا نستطيع أن نصدر حكماً عاماً على الرواية بهذه الطريقة. يمكن أن نأخذ عملاً معيناً ونقول إنه عبّر عن ظاهرة اجتماعية أو سياسية، لكن هذا الحكم يتعلق بموضوع الرواية ومحتواها، وليس بالضرورة بقيمتها الفنية.

فإذا كنا أمام مقال أو دراسة، نستطيع أن نقول إنهما نجحا في تحليل وضعية معينة. أما الرواية فهي أكثر من ذلك. وكثيراً ما يتركز الحديث عن الرواية، بل وعن الشعر أيضاً، على الموضوعات والمضامين، بينما الفنية الشعرية أو الفنية الروائية تكمن في الشكل الذي يعبّر به الكاتب عن هذا المضمون. وهذا هو العنصر الأهم بالنسبة إليّ.

الهوية المغربية وتعدد الروافد

* يتميز المغرب بتعدد روافده الثقافية واللغوية، العربية، والأمازيغية، والأفريقية، والأندلسية. هل استطاع هذا التنوع أن ينتج هوية أدبية مغربية جامعة؟

– إذا انطلقنا من هذه الروافد باعتبارها مكونات جوهرية في الشخصية المغربية، فينبغي أن نضيف إليها الرافد العالمي. فالمغرب، بحكم موقعه وتاريخه، عرف منذ القدم اختلاط الثقافات والجماعات البشرية، والعالم اليوم أكثر انفتاحاً وتداخلاً. هذه الروافد أسهمت في تكوين الإنسان المغربي، ومن الطبيعي أن يظهر أثرها فيما ينتجه من أدب وفكر وفن.

وهناك خصائص تاريخية واجتماعية وسياسية تميز المغرب، مثل عراقة المؤسسة الملكية وتجذر المذهب المالكي، والحضور التاريخي لليهودية المغربية، وغياب الكيان المسيحي مثلاً. وهذه كلها عناصر تدخل في تكوين المجتمع وشخصيته. والإنسان يتأثر بهذه المكونات من دون أن يشعر بالضرورة، لأنها أصبحت جزءاً من تكوينه.

فلو سألتني عن العنصر الأندلسي أو العبري أو الإيبيري في شخصيتي أو في رواياتي، فلن يكون من السهل تحديده بصورة منفصلة. أنا أكتب باللغة العربية، وفكري يتشكل داخل قوالبها وبيانها وبلاغتها. واللغة عنصر مهم جداً في تكوين الإنسان وتفكيره. وإذا كانت هناك مؤثرات أندلسية أو عبرية أو إيبيرية أو عالمية، فإنها تدخل في هذا التكوين وتتفاعل داخله.

لكن هناك مكوناً آخر كثيراً ما نغفل عنه عند الحديث عن الهوية، وهو المستقبل. فالإنسان ليس نتاج ماضيه وحده، وإنما يتشكل أيضاً من نظرته إلى المستقبل، ومن الأشياء التي يريد تحقيقها. المستقبل، بهذا المعنى، عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية.

* كيف تنظر إلى العلاقة بين الأدب المغربي المكتوب بالعربية ونظيره المكتوب بالفرنسية والأمازيغية؟

– الأدب المكتوب بالأمازيغية لا أعرفه إلا من خلال ما أقرأ عنه، لأنني لا أقرأ الأمازيغية، وأتأسف لذلك. وقد قلت سابقاً إنه لو كتبت الأمازيغية بالحرف العربي لكان تعلمها أيسر بالنسبة إلينا. لكن الأمازيغية اليوم لغة وطنية ورسمية، وتكتب بحرف تيفيناغ، وهذا هو الواقع.

أما الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية، فإنني أقرأها وأتفاعل معها، وكذلك الرواية المكتوبة بالعربية. وفي النهاية، نحن أمام أدب مغربي تتعدد لغات التعبير عنه، سواء كانت العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية.

ولا أستطيع الحكم على القيمة الفنية للرواية المكتوبة بالأمازيغية من دون قراءة نصوصها، لكن الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية بلغت مستوى فنياً رفيعاً.

وهناك عامل آخر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن الكتابة بالفرنسية تتيح فرصاً للانتشار، لأن هذه اللغة تمتلك مؤسسات تدعم انتشارها وثقافتها مادياً ومعنوياً. وهذا الدعم لا يتوفر بالدرجة نفسها للأدب المكتوب بالعربية. أما الكتابة بالإنجليزية، مثلاً، فتتيح فرصاً أوسع للوصول إلى القراء.

إذن، هناك فرق بين القيمة الفنية للعمل الأدبي، وبين الظروف اللغوية والمؤسساتية التي تساعد على انتشاره.

الرواية المغربية في المشرق

* على ذكر الانتشار، كيف تقيم حضور الرواية المغربية في المشهد الأدبي العربي؟ وهل تحظى بالانتشار الذي تستحقه؟

– حضورها ليس مرضياً ولا كافياً، ولا يوازي حضور الرواية المشرقية في المغرب.

ويمكن ملاحظة ذلك في الدراسات الجامعية والبحوث والحوارات الثقافية المغربية، حيث نجد أن النصيب الأكبر منها يتناول الرواية المشرقية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن المسألة تتجاوز ذلك إلى صناعة النشر نفسها. فأكبر دور النشر العربية توجد في المشرق، وتمتلك إمكانات وشبكات توزيع تساعدها على إيصال إنتاجها إلى البلدان العربية.

وفي المقابل، لا تتوفر في المغرب، حتى الآن، دور نشر تمتلك القوة والكثافة نفسيهما لإيصال الكتاب المغربي إلى القارئ المشرقي. لذلك يمكن القول إن الرواية المغربية، والأدب المغربي عموماً، معروفان لدى النخب الأكاديمية والثقافية، وخصوصاً الباحثين والمشاركين في المؤتمرات والندوات، لكنهما لا يتمتعان بالحضور نفسه لدى جمهور القراء. وهناك نقص في وصول الأدب المغربي إلى القارئ العربي خارج الدوائر المتخصصة.

المثقف العربي وتراجع الدور السياسي

* يثار اليوم سؤال عن تراجع دور المثقف العربي لمصلحة السياسي والإعلامي. هل فقد المثقف مكانته بوصفه منتجاً للأفكار وناقداً للسلطة والمجتمع، أم أن طبيعة دوره تغيرت؟

– هناك تحولات كبيرة شهدها العالم العربي خلال ربع القرن الأخير، بل خلال نصف القرن الماضي، على المستويات الاجتماعية، والتكنولوجية، والفكرية، والعالمية. والمثقف جزء من هذه التحولات، ومن الطبيعي أن تتغير نظرته إلى العالم والقضايا التي تشغله.

فالقضايا التي كانت تستحوذ على اهتمام المثقفين، مثل الاشتراكية والقومية، تغير موقعها، وأصبح تفكير المثقف اليوم أكثر اتصالاً بالقضايا العالمية. وهذا ليس أمراً سلبياً.

أما إذا كان السؤال هو: هل فقد المثقف دوره؟ فأعتقد أنه لم يفقده. لكن ينبغي أن نميّز بين الإنتاج الثقافي ودور المثقف بوصفه فاعلاً ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً. فالكاتب حين يكتب عملاً أدبياً يمارس فعلاً إبداعياً، أما حين يشارك في التغيير السياسي أو الاجتماعي، فإنه يمارس دوراً آخر، لا ينبغي الخلط بينه وبين وظيفته الأدبية. وقد تدخلت عوامل محلية وعالمية كثيرة أسهمت في تقلص هذا الدور السياسي والاجتماعي، لكن الدور الثقافي ما زال مستمراً، وهو الأساس والجوهر.

الجوائز الأدبية ومعايير الجودة

* نشهد اليوم توسعاً في إصدار الروايات العربية وانتشاراً للجوائز الأدبية. هل يعكس ذلك ازدهاراً إبداعياً حقيقياً، أم أننا أمام زيادة في الإنتاج لا تواكبها بالضرورة جودة فنية؟

– ينبغي التمييز بين كثرة النشر وجودة الإنتاج. قبل نصف قرن، كان صدور كتاب حدثاً بحد ذاته، لأن عملية الكتابة والطباعة والنشر كانت تمر بمراحل عديدة، وكانت تتطلب إمكانات وجهداً ووقتاً. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب كتاباً ويطبعه وينشره خلال وقت قصير. وهذه السهولة تتيح انتشار الكتابة، لكنها لا تعني بالضرورة ارتفاع مستواها الفني. ومع ذلك، لا يجوز أن نتخذ من كثرة المنشورات ذريعة للحكم بأن كل ما ينتج اليوم رديء أو بلا قيمة. هناك أعمال متميزة بالتأكيد، لكن الجودة تظل خاضعة لمعايير فنية، من بينها الجمالية والابتكار والتميز. ولا بد أن تخضع هذه الوفرة لعملية فرز نقدي تكشف الأعمال التي تستحق البقاء.

* ماذا عن الجوائز الأدبية؟ هل أصبحت معياراً للجودة والتميز؟

– أرى أن انتشار الجوائز الأدبية ظاهرة إيجابية في حد ذاته، ولا أعتبرها أمراً سلبياً. لكن ينبغي أن تبقى في حدود وظيفتها. فالجوائز، منذ وجودها، لم تكن دائماً تعبيراً عن الجودة الفنية، وليس كل عمل يفوز بجائزة هو بالضرورة أفضل الأعمال. فهناك لجان تحكيم، ولكل لجنة رؤيتها ومعاييرها، كما أن للجوائز أهدافاً وشروطاً قد تؤثر في نتائجها، وهذه ليست كلها عوامل موضوعية. وفي المقابل، هناك كتاب لا يتقدمون إلى الجوائز، أو لا يهتمون بها، أو لا تتوافق أعمالهم مع شروطها، وقد تكون أعمالهم أكثر تميزاً من الأعمال الفائزة. إذن، الجوائز مؤسسات إيجابية من حيث المبدأ، لكنها ليست المعيار النهائي للحكم على القيمة الأدبية.

الأجيال الجديدة والتجريب الروائي

* كيف تنظر إلى الأجيال الجديدة من الروائيين المغاربة؟ وهل تعتقد أنهم أضافوا شيئاً إلى التجربة الروائية المغربية؟

– أقرأ أعمال الكتاب الشباب بطبيعة الحال، لكنني لا أحب أن أدخل في قضايا التقييم بوصفـي ناقداً محترفاً. أقرأ بوصفـي قارئاً يتفاعل مع العمل، وتستوقفني جمالياته وطريقة بنائه وزاوية النظر التي يقدمها. هناك إمكانات جيدة جداً لدى الكتاب الشباب في المغرب، وأعتقد أنهم يقدمون إضافات إلى التجربة الروائية.

* هل أضافوا شيئاً جديداً للتجربة الروائية المغربية؟

– هذه الإضافات تظل في معظمها اجتهادات فردية، ولا أرى ضرورة لأن تتبلور في مدرسة روائية واحدة. ولكل كاتب شخصيته ورؤيته وطريقته في الكتابة، وهذا التنوع هو ما يساعد على تطور الرواية. لسنا بحاجة إلى نموذج محدد يلتزم به الجميع، أو إلى قواعد تجعل الكاتب يسير على خطى غيره. تطور الفن يتحقق من خلال التجارب الفردية والابتكار، وليس من خلال إخضاع الكتابة لقالب واحد.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرواية

* مع صعود الذكاء الاصطناعي وتحولات النشر والقراءة، هل تخشى أن تتراجع مكانة الرواية والكاتب، أم أن هذه التقنيات ستفتح آفاقاً جديدة للإبداع؟

– يمكن أن نقول إننا نخشى الكثير، ولا نخشى شيئاً في الوقت نفسه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب رواية في دقيقة، إذا طلبت منه ذلك وحددت له المواصفات التي تريدها. ويمكنه أيضاً أن يكتب قصيدة أو نصاً أدبياً. وهذا أمر يثير القلق بطبيعة الحال، لكنه لا يلغي حقيقة أن الإنسان هو الذي صنع هذه الآلة، وهو الذي يتحكم فيها ويوجهها. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية في المجال الأدبي، لكنه يستطيع أيضاً أن يقدم خدمات للكاتب. فالروائي لا يقرأ الروايات وحدها، بل هو قارئ لما يؤدي إلى كتابة الرواية، فهو يحتاج إلى الاطلاع على التاريخ والسياسة، والاجتماع، والمعاجم، والصحف، والأرشيف. إذا أراد أن يكتب رواية عن حرب معينة، مثلاً، فعليه أن يقرأ ما يتعلق بتلك الحرب من مصادر تاريخية وسياسية واجتماعية، حتى يستطيع بناء عالمه الروائي. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعده في الوصول إلى المعلومات والمراجع، وأن يؤدي دوراً يشبه الموسوعة.

لا الماضي ولا التراث وحدهما… المستقبل عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية

الروائي المغربي مبارك ربيع

مشروع روائي لم يكتمل

* سؤالي الأخير: بعد هذه المسيرة الطويلة في الرواية والبحث الأكاديمي؛ ما الذي لم تقله بعد؟ وما الأسئلة التي لا تزال تشغلك عن الإنسان والمجتمع والحرية؟

– ينبغي أن نميز بين ما لم أقله، وبين الأسئلة التي لا أزال أبحث عن إجابات لها.

فالإنسان موضوع لا حدود للبحث فيه، ولن يتوقف البحث فيه. والمجتمع في تحول مستمر لا نهاية له، وما كنا ننظر إليه بطريقة معينة قبل خمسين عاماً، ننظر إليه اليوم بطريقة مختلفة، وقد ننظر إليه بعد خمسين عاماً من زاوية أخرى. ولهذا لا أعتقد أن الفن الروائي، أو الفن عموماً، يمكن أن يصل إلى نهاية في تعامله مع الإنسان وتحولاته. فالفنان نفسه جزء من هذا العالم المتغير، وتتغير رؤيته تبعاً لتجاربه وللظروف التي يعيشها.

* وما الذي لم تقله بعد… هل هناك مشروع روائي ما زلت تطمح إلى إنجازه؟

– هناك الكثير مما لم أقله. فالكاتب أو الفنان بصفة عامة، حين يحقق مستوى معيناً، لا يتوقف عنده، بل يظل يتطلع إلى مستوى آخر. وقد يكون هذا المستوى الذي يسعى إليه محدداً أو متخيلاً، لكنه يظل حافزاً للاستمرار. وأستطيع أن أعترف بأن لدي موضوعاً معيناً يشغلني منذ سنوات، وأشعر حتى الآن بالعجز عن كتابته، وهذا شيء شخصي ولا أريد أن اكشف عنه، فهو أمر معقّد وأريد أن أعبِّر عنه روائياً، فأنا لا أتحدث عادة عن أعمالي، سواء التي كتبتها أو التي لم أكتبها، بل لا أعلن حتى عناوينها قبل صدورها. لكنني أستطيع القول إن هذا الموضوع يراودني بإلحاح منذ سنوات، وأتمنى أن أستطيع إنجازه، وأشعر أنه يتطلب إمكانات فنية وسردية لا أمتلكها حتى الآن، أو لم أتمكن من الوصول إليها بالصورة التي أريدها، ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست استثناءً، وأعتقد أن كل فنان لديه مستوى يطمح إلى بلوغه، وعمل لم ينجزه بعد، لأن التجربة الإبداعية لا تقف عند حد معين.