بيروت ـ «القدس العربي»: بين تسوية أجّلت الإحالة إلى المجلس العدلي، واعتراض “القوات اللبنانية” من خلال الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء، ورسائل واشنطن المتشددة، يجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد لهيبة الدولة وقدرتها على فرض قراراتها، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من توسيع إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية في الجنوب، ومن ردود فعل “حزب الله” على أي استهداف لإيران أو أي إجراءات تستهدف بنيته العسكرية والأمنية.
وقد كشفت جلسة مجلس الوزراء حجم التناقض بين مقتضيات حماية الأمن الوطني وحسابات التوازنات السياسية التي لا تزال تتحكم بقرارات الدولة اللبنانية. من هنا، يمكن فهم التسوية بالتأجيل بوصفها محاولة لاحتواء خلاف حكومي مع الثنائي الشيعي كان يهدد بتوسيع الشرخ بين مكونات السلطة، لكن احتواء الخلاف لا يعني بالضرورة حل المشكلة، وتأجيل القرار لا يبدد الأسئلة المتعلقة بالوجهة الحقيقية للمتفجرات، والمسؤوليات التي ينبغي أن يكشفها التحقيق.
وتبرز هنا مفارقة أساسية: إذا كانت الدولة تؤكد أن قرار حصرية السلاح قد اتُّخذ، فكيف ستترجم هذا القرار إلى إجراءات ملموسة عندما يتعلق الأمر بملف سلاح حزب الله؟ وهل تستطيع الحكومة الفصل بين مقتضيات القانون وبين الخشية من ردود الفعل؟ وماذا عن رد الفعل الأمريكي بعد اتصال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزف عون؟ حيث أن التريث في الإحالة إلى المجلس العدلي الذي نوّه به “حزب الله” قد يثير تساؤلات أمريكية بشأن قدرة الحكومة على الانتقال من إعلان القرارات إلى تنفيذها، من دون أن يتم الجزم بأن واشنطن ستردّ بإجراءات محددة.
يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، بعد تلويح وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإمكان توسيع المنطقة الأمنية لتشمل مناطق إضافية باتجاه النبطية والليطاني، وربط ذلك باحتمال انخراط “حزب الله” في مواجهة أوسع بين إسرائيل وإيران.
ولا يجوز التعامل مع هذه التهديدات على أنها مجرد تهويل، بل هي تفرض على لبنان أخذ احتمالات التصعيد على محمل الجد، خصوصاً في ظل استمرار التحركات الميدانية في مناطق جنوبية. وإن توسيع المنطقة الأمنية، إذا حصل، لن يكون مجرد تعديل في خطوط الانتشار العسكري، بل سيحمل تداعيات مباشرة على القرى والسكان والنازحين، وعلى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها في الأراضي التي تتعرض للاحتلال أو العمليات العسكرية.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة في اتجاهين متلازمين: أولاً، تعزيز دور الجيش اللبناني والأجهزة الشرعية في ضبط الأمن ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لتوسيع الحرب؛ وثانياً التخلي عن التردد الرسمي في عملية نزع سلاح “حزب الله”.
وتكمن الخطورة في أن إسرائيل تستخدم استمرار وجود سلاح “حزب الله” للبقاء في المنطقة الأمنية ولتبرير توسيع عملياتها، فيما قد يعتبر الحزب أي توسع إسرائيلي سبباً إضافياً للتمسك بسلاحه، وتجد الدولة نفسها محاصرة بين ضغط دولي يدعوها إلى التشدد، وضغط داخلي يحذّرها من اتخاذ إجراءات ضد المقاومة.
وهكذا تدخل البلاد في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها، وتستحضر ما حصل يوم قرّر “الحزب” إدخال لبنان في الحرب مع إسرائيل التي لا تريد تكرار تجربة الانسحاب من لبنان عام 2000 أو حتى تجربة حرب تموز/يوليو 2006 طالما بقي هناك سلاح وصواريخ مع “حزب الله”. ويبدو أن “الحزب” لا يقرأ المتغيرات ولا التأييد الأمريكي على لسان الرئيس دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذذي يلوّح بحرب ثالثة ضد إيران قد تؤدي إلى إسقاط النظام.
وعلى الرغم من فقدان “حزب الله” قوته العسكرية وقدرته على الردع ومواجهة الجيش الإسرائيلي، إلا أنه يستقوي على الداخل متمسكاً بما بقي لديه من سلاح خلافًا للقرارات الوزارية ولإرادة غالبية اللبنانيين، مهدداً بالتعامل مع أي محاولة لنزع سلاحه باعتبارها اعتداءً إسرائيليًا. وهذا المنطق التهديدي إنما يعكس اعتقاد “الحزب” بأن البلد ما زال في مرحلة ما قبل 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن باستطاعته تكرار سيناريو 7 أيار/مايو. فيما الواقع أن الدولة اللبنانية وتحديداً رئيس الجمهورية لن يسمح بأي شكل من الأشكال بأي إخلال بالأمن في الداخل، وإن انتشار الجيش اللبناني في الضاحية وبعض شوارع العاصمة قبل أيام غداة العراضات التي قام بها مناصرو “الحزب” على دراجاتهم النارية، دليل واضح على أن الدولة التي تمارس سياسة الاحتواء في بعض الأحيان، لا تتهاون في ما يخص تهديد السلم الأهلي والتعدي على أي منطقة لبنانية.
يبقى أن رفع رئيس الحكومة نواف سلام سقف خطابه داخل جلسة مجلس الوزراء لا يعوّض التراجع عن إحالة شحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي، حيث نجح “حزب الله” في الانتقال من منع الدولة من تنفيذ قراراتها على الأرض إلى منعها من اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء بعدما اعتبر الإحالة بمثابة “إعلان حرب” وتهديد بتفجير البلد. وإن الدولة التي تؤجل الملفات الحساسة كلما ارتفعت كلفة المواجهة السياسية قد تربح الوقت، لكنها تخاطر بخسارة الثقة. ولبنان، في ظل التهديدات الراهنة، لم يعد يملك ترف التسويات المفتوحة التي تؤجل الحلول فيما تتراكم الأخطار على حدوده وفي مؤسساته.