في مطلع سبعينيات القرن العشرين الماضي، وتحديدًا في عام 1973، قدّم الفنان التشكيلي الفلسطيني الرائد إسماعيل شموط، عبر فيلمه الوثائقي القصير “النداء الملحّ” (The Urgent Call)، نموذجًا بصريًا بالغ الخصوصية لكيفية التقاء العين التشكيلية بالحسّ السينمائي النضالي. فالفيلم، الذي أُنتج من قِبَل “قسم الثقافة الفنية في دائرة الإعلام والتوجيه القومي” التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وحُفظت بكراته الأصلية (16 ملم) لدى شبكات التضامن الأممي في طوكيو، قبل أن يعيد مشروع “شرائط طوكيو”، الذي تقوم عليه مجموعة “تحريض للأفلام”، بث الحياة فيه، لا ينتمي إلى البناء الوثائقي الكلاسيكي الذي يرتهن فقط لسطوة السرد الإخباري، بل ينخرط في تجربة تجسير فريدة بين اللوحة التشكيلية، والنشيد التضامني “الفولك-سياسي”، والبيان الأيديولوجي المباشر.

تنبثق المادة البصرية للفيلم من بنية مونتاجية شديدة الكثافة والرمزية، تولاها المونتير إبراهيم بشير تحت إشراف شموط، مستندة إلى استراتيجية القطع التناوبي الصادم. وتتأسس هذه البنية على حوارية مستمرة بين ثلاثة فضاءات إيقاعية: فضاء الغناء الحميمي الذي تقوده الفنانة الشابة زينب شعث بصوتها وجيتارها بين أشجار الزيتون، وفضاء الأرشيف المأساوي المحتقن بفظائع النكبة والتهجير وجثامين الضحايا المصابين بحروق الفوسفور والنابالم، وفضاء الرمز التجريدي والغرافيكي المشتق من رسومات شموط لغصون الزيتون والبنادق.

إسماعيل شموط وملصق الفيلم

هذا التناوب الحاد بين رقة النشيد الغربي الطابع وقسوة الموت واللجوء يخلق صدمة إدراكية للمتلقي، حيث تنكسر عذوبة اللحن فجأة أمام قسوة المأساة، ليتحول المونتاج من أداة وصل زمني إلى أداة تفجير سياسي وأخلاقي، تجعل من الفن وثيقة إدانة تاريخية.

تتبدّى بصمة إسماعيل شموط التشكيلية بوضوح طاغٍ في التكوين البصري والسينوغرافيا؛ فالكادر السينمائي هنا يُعامل كسطح لوحة تُوزع فيها الكتل والظلال بعناية فائقة، إذ استعان شموط بمدير التصوير سمير نمر لترجمة هذه الرؤية البصرية، فجاء تأطير جذوع شجر الزيتون الملتوية والمعمّرة كمعادل تشكيلي لأجساد الفلسطينيين الضاربة في الأرض، وكأن لحاء الشجر امتداد لتجاعيد وجوه اللاجئين.

أما سينوغرافيا المشهد الذي تغني فيه زينب شعث، فجاءت خالية من أي افتعال ديكوري، إذ تتموقع في حضن الطبيعة الجبلية الفلسطينية؛ فالحجارة الوعرة، وشجيرات الزيتون، والكوفية الملفوفة بتلقائية حول عنقها، تشكل عناصر بيئية تمنح الغناء جذرًا ماديًا صلبًا، بينما يتكفل الفضاء المعماري في مشاهد القدس والبلدة القديمة ومآذنها وقبابها بمنح الفيلم أفقًا تاريخيًا ومقدسًا يؤكد هوية المكان وسياقه الحضاري المغتصب.

أما على مستوى الإضاءة واستخدام وسيط الفيلم الأبيض والأسود (16 ملم)، فإن العمل يوظف التباين الضوئي والضوء الطبيعي الحادّ لخلق شحنة درامية مضاعفة؛ فالإضاءة الخارجية المنبثقة من شمس الفضاء المفتوح تعكس حيوية الجسد والشباب والمقاومة، في حين يتلاشى هذا الضوء في لقطات المخيمات والأرشيف ليحل محله رمادي معتم يغلف جثامين الضحايا ووجوه الأطفال المتعبة وراء النوافذ. وهذه اللعبة البصرية تنقل المتلقي من إشراق الطبيعة المقاومة إلى عتمة المعاناة والدمار، وصولًا إلى فضاء الغرفة المغلقة.

يحتل البعد الصوتي والموسيقي قلب الفيلم، إذ تدور التجربة برمتها حول أغنية “The Urgent Call” التي لحّنتها وأدّتها زينب شعث باللغة الإنكليزية، في أسلوب ينتمي صراحة إلى حركة أغاني الاحتجاج العالمية التي سادت ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، متأثرة برواد الفولك مثل جوان باييز وبوب ديلان. إذ كان اختيار الغناء بالإنكليزية قرارًا استراتيجيًا واعيًا تجاوز حدود النداء الداخلي إلى استهداف الضمير الغربي وحركات التضامن الطلابية والأممية في أوروبا وأميركا واليابان، فتقاطيع الجيتار الأكوستيكي الهادئة وصوت زينب العميق والممتلئ بالحزن والصلابة لا يفرضان نبرة ندبية بكائية، بل يرفعان التساؤل الفلسفي والإنساني: “هل تستطيع سماع النداء الملحّ لفلسطين؟”، إلى مصاف الصرخة الأخلاقية العابرة للقوميات.

يتحدث كمال ناصر مباشرة إلى الكاميرا بلغة إنكليزية متقنة وصريحة تفكك جوهر الصراع

ويمثل فيلم “النداء الملحّ” لإسماعيل شموط (1973) واحدًا من أقدم وأوضح النماذج المبكرة في السينما العربية والفلسطينية لما اصطلح عليه لاحقًا بـ”الفيديو كليب”، ليس فقط من حيث التوقيت التاريخي الذي سبق ولادة عصر قنوات الأغاني المصوّرة بنحو عقد كامل، بل أيضًا من حيث المنطق البصري والبنائي الذي شيّد به المخرج عمله. فالفيلم لم يكن مجرد تسجيل حي لأداء غنائي، بل تجربة بصرية أُسست خصيصًا على بنية أغنية موسيقية، حيث تصبح الكلمات واللحن هما المحرك الأساسي للمونتاج والسيناريو البصري، وليس العكس.

كان السائد في التوثيق الغنائي العربي خلال تلك الفترة ينحصر غالبًا في قالبين: إما الاستعراض السينمائي المدمج داخل الأفلام الروائية، وإما التصوير التلفزيوني (الاستوديو الكلاسيكي ذو الكاميرا الثابتة التي تلتقط المطرب وفرقته الموسيقية). لكن شموط كسر هذين القالبين بالكامل؛ إذ قام بـ”بصْرنة” الأغنية وتحويلها إلى متوالية مشهدية متزامنة إيقاعيًا ودلاليًا مع الانتقالات الموسيقية.

وتظهر زينب شعث وهي تؤدي مقاطع الأغنية مع جيتارها في الطبيعة الحرة كعنصر رابط، ثم ينتقل المونتاج عبر القطع إلى مشاهد أرشيفية وتشكيلية ورمزية تمثل المتخيل البصري للكلمات، وهي المعادلة ذاتها التي أصبحت لاحقًا القالب القياسي المعرّف لصناعة الفيديو كليب عالميًا.

“الانتقال من شجن الغناء إلى عقلانية الحوار السياسي يمنح الفيلم ثقلًا أيديولوجيًا”

كما أن توظيف الأغنية في الفيلم تجاوز فكرة الترفيه أو التطريب نحو الفيديو كليب المفهومي؛ فالأغنية صُممت كـ”نداء” ورسالة تضامنية أممية استهدفت الفضاء الطلابي والغربي بحس موسيقى الفولك والاحتجاج، وترافقت معها رسوم غرافيكية متحركة ومباشرة لرموز الكفاح والزيتون من أعمال شموط نفسه. وهذا التمازج جعل الأغنية مدخلًا بصريًا تفاعليًا يحمل هوية ممسوكة، تمهد للمرافعة السياسية الفكرية التي طرحها القائد الفلسطيني الشاعر الشهيد كمال ناصر، ليخرج العمل من إطار التسجيل الوثائقي البحت إلى حيز الكليب البصري الملتزم والمكثف.

إن تصنيف “النداء الملحّ”، علاوة على كونه فيلمًا وثائقيًا، كفيديو كليب فلسطيني طليعي يمنحه موقعًا استثنائيًا في تاريخ الصورة الفلسطينية؛ فهو يوثق اللحظة التي أدركت فيها السينما النضالية مبكرًا قوة الصوت واللحن عندما يقترنان بكادر سينمائي حركي متقن، مؤكدًا ريادة إسماعيل شموط ووحدة أفلام الثورة في ابتداع أشكال بصرية هجينة كانت تسبق زمنها التقني والجمالي في سبيل إيصال الرواية والنداء إلى العالم.

وفي حديث بالفيديو عبر يوتيوب، قبل عامين، أشارت شعث، المقيمة في الولايات المتحدة، إلى أنها، قبل أكثر من نصف قرن، سجّلت مجموعة من أغاني الفولك الثورية، التي اعتُبرت أول أغانٍ باللغة الإنكليزية ترفع صوت القضية الفلسطينية وتصل بها إلى أرجاء العالم الأوسع، استلهامًا من موسيقى الاحتجاج التي واكبت حقبة حرب فيتنام لروّاد مثل بوب ديلان وجوان باييز، وأن الهدف من أسطوانة “نداء فلسطين الملحّ” (The Urgent Call of Palestine) كان مشاركة قصص ورسائل المقاومة الفلسطينية مع جمهور عالمي.

كانت الأغنية الأولى التي ألّفتها شعث في منزل والديها هي الأغنية التي حملت الأسطوانة اسمها: “نداء فلسطين الملحّ”، وهي مستوحاة من كلمات الشاعرة الهندية لاليتا بنجابي. ففي سن السادسة عشرة فقط، بدأت شعث بالعزف على جيتار أحضرته شقيقتها بعد عودتها من دراستها في الولايات المتحدة، وبينما كان الشباب في مختلف أنحاء الغرب يخرجون إلى الشوارع احتجاجًا على الحرب الإمبريالية الأميركية، رأت شعث، على حد تعبيرها، أوجه تشابه عميقة مع معركة التحرر الفلسطيني، فعزمت على الاحتفاء بذلك النضال وتجسيده في شعرها الموسيقي.

لقطات من الفيلم 

وتتكامل هذه الموسيقى مع هندسة الصوت المتقشفة والذكية لشركة (Uniart)، حيث تتراجع كل المؤثرات الطبيعية لصالح نقاء الصوت البشري والوتر، قبل أن يُقطع التدفق الموسيقي بصورة حاسمة ومباغتة بصوت الرصاص أو بصوت كمال ناصر.

يبلغ الفيلم ذروته الفكرية والمضمونية عندما يُبتر النشيد فجأة ليحتل كادر الشاشة وجه كمال ناصر، الذي يتحدث مباشرة إلى الكاميرا بلغة إنكليزية متقنة وصريحة تفكك جوهر الصراع. ففي هذا المقطع المفصلي، يصوغ ناصر مرافعة إنسانية وثورية بالغة العمق، مؤكدًا أن الفلسطينيين لا يقاتلون حبًا في الحرب ولا يرغبون في القتال لأجل القتال، بل لأنهم أُجبروا على الدفاع عن وجودهم بعد اقتلاعهم وتهجير مليون ونصف مليون لاجئ إلى الخيام، ومليون آخر تحت وطأة الاحتلال.

وتتجلى عبقرية الخطاب في تفكيكه الحاسم بين “اليهودية” كدين و”الصهيونية” كحركة استعمارية، معلنًا بوضوح رؤية الثورة الفلسطينية التقدمية آنذاك لإقامة دولة ديمقراطية علمانية تضم الجميع بسلام ومحبة.

هذا الانتقال من شجن الغناء إلى عقلانية الحوار السياسي يمنح الفيلم ثقلًا أيديولوجيًا يحصّن العاطفة بالمنطق ويخاطب العالم بنديّة فكرية وأخلاقية.

وما يجعل “النداء الملحّ” وثيقة سينمائية نادرة وغير مسبوقة هو ذلك التداخل التراجيدي بين زمن الإنتاج وزمن الشهادة؛ فالفيلم الذي خرج عام 1973 تحوّل في ذلك العام إلى مرثية بصرية لشخوصه وأفكاره. فبعد وقت قصير من تسجيل كلماته في الفيلم، اغتيل كمال ناصر في بيروت على يد فرقة كوماندوز إسرائيلية في 10 نيسان/ أبريل 1973، ليُعاد إدراج جملة مكتوبة على الشاشة توثق استشهاده، فتتحول لقطات حديثه إلى شهادة حية سابقة للغياب، ويصبح صوته الهادئ شاهدًا على دموية المحو الذي استهدفه.

وفي هذه اللحظة بالذات، يتخطى الفيلم كونه مجرد شريط دعائي تضامني، ليصبح فعلًا من أفعال المقاومة الأرشيفية؛ إذ تلتقي فيه ريشة شموط التي رسمت شمس فلسطين وأغصانها، وأوتار زينب شعث التي خاطبت العالم الحر، ودم كمال ناصر الذي ختم الكلمة بالشهادة، ليظل “النداء الملحّ” وثيقة فيلمية ترفض الاندثار وتواصل مخاطبة التاريخ.