قد تنتهي المأساة في لحظة، لكن آثارها تظل حاضرة في حياة من نجوا منها، تعيد تشكيل ذاكرتهم وعلاقتهم بأنفسهم والعالم من حولهم. ومن هذه المساحة الإنسانية ينطلق المخرج المصري محمد حماد في فيلمه “خروج آمن”، متأملا أثر العنف في الهوية والذاكرة، ومصائر شخصيات تبحث عن النجاة وهي تحمل داخلها جراحا لم تلتئم بمرور السنوات.
ويشكل الفيلم عودة حماد إلى السينما الروائية الطويلة بعد غياب يقارب عشر سنوات منذ فيلمه “أخضر يابس”، مقدما عملا يمزج بين التشويق النفسي والدراما الإنسانية، مستلهما تداعيات مجزرة الأقباط المصريين في ليبيا، دون إعادة تصوير الحادثة نفسها، وإنما ما تركته من آثار نفسية وإنسانية.
قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
الفيلم الذي انطلق من مهرجان برلين السينمائي شارك مؤخرا في المسابقة الرسمية للدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، وحصل على النجمة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، ليصبح أول فيلم مصري يحصد الجائزة الكبرى في المهرجان.
وفي حوار خاص مع الجزيرة نت، يتحدث محمد حماد عن انشغاله بما وراء الأحداث، وبناء شخصيات تعيش على حافة الانهيار، وتحديات صناعة الفيلم، وعلاقته بالحرية الإبداعية والجمهور، إلى جانب أصداء عرضه في مهرجاني برلين والجونة.
ماذا يمثل الخروج الآمن بالنسبة لك على المستويين السينمائي والشخصي؟ وكيف انعكست هذه الفكرة على بناء الشخصيات وتطورها داخل الفيلم؟
جاءني عنوان “الخروج الآمن” بعد الانتهاء من المونتاج، حين كان الفيلم قد اقترب من الاكتمال. شعرت وقتها بأن الشخصيات الرئيسية جميعها تبحث عن مخرج آمن، وتتساءل كيف يمكنها الخروج بأقل قدر من الخسائر، أو ربما من دون خسائر على الإطلاق، وهل هذا ممكن من الأساس؟
من هنا جاء العنوان، فكل شخصية في الفيلم، سواء سمعان أو فاطمة أو حتى عبد الله، تبحث بطريقتها عن خروج آمن. لكن المفارقة، في اعتقادي، أن أيا منهم لم يجد هذا الخروج.
بناء على بصمتك الإخراجية التي تميل إلى الواقعية، كيف تطورت لغتك السينمائية في هذا الفيلم؟ وما المساحات البصرية الجديدة التي استكشفتها؟
في هذا الفيلم، لم يكن الشكل البصري هو أكثر ما يشغلني، بقدر ما كانت الدراما والفكرة والحكاية هي العناصر التي تحرك الشكل وتحدده.
لم أنطلق من اختيارات شكلية مسبقة، وأعتقد أن الفيلم صُنع بتلقائية أكبر، ربما تشبه شخصياته، مثل سمعان وفاطمة وغيرهما من المهمشين، الذين يتمتعون بقدر كبير من النقاء.
لذلك، أصبح الأسلوب البصري ممتزجا بالحكاية إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، بل إنه يتراجع إلى الخلف، ليترك المساحة الأكبر للقصة نفسها.
كيف تعاملت مع إيقاع الفيلم، خاصة أن الهدوء يسيطر على كثير من مشاهده، لكنه يحمل في الوقت نفسه إحساسا مستمرا بالتوتر والترقب؟
هذا الهدوء هو هدوء ما قبل العاصفة. الفيلم يمزج بين أكثر من نوع سينمائي، ففيه التشويق والإثارة النفسية، إلى جانب الدراما النفسية والاجتماعية، وهذه العناصر تتداخل معا لتشكل طبيعة الفيلم.
أحب أن أبدأ أفلامي من فكرة أن يكون البطل على حافة الانهيار، كأنه وصل إلى اللحظة الأخيرة قبل السقوط من فوق جبل. هذه اللحظة الحرجة هي التي تثير اهتمامي، وأجدها نقطة مناسبة لبدء الحكاية.
وهذا ما ينطبق على شخصية سمعان، وكذلك عبد الله وفاطمة، فجميعهم يقفون على حافة الانهيار، ولا نعرف ما إذا كانوا سيسقطون أم سيتمكنون من النجاة. وهذا في حد ذاته يخلق توترا نفسيا مستمرا.
أما على مستوى الإيقاع، فقد اعتمدت على الهدوء المشوب بالحذر والترقب، لأن هذا النوع من الهدوء قد يكون أكثر إثارة للتوتر، فالشخصيات تظل في حالة حذر وانتظار لما يمكن أن يحدث.
كيف عملت على بناء الشخصيات وتوجيه الممثلين خلال فترة التحضيرات التي امتدت تسعة أشهر، خاصة مع التباين بين هدوء سمعان وتحفظه، وتلقائية فاطمة وحيويتها؟
لكل شخصية من الشخصيات الرئيسية مدخل أو مفتاح خاص بها.
سمعان مثلا شخصية تتسم بالعدوانية السلبية (Passive-Aggressive)، وهو شخصية شديدة التعقيد والتركيب، وقد تكون عنيفة للغاية، ولا يمكن توقع ردودها.
كذلك يعاني من الخوف من التورط في المشاعر، أو ما يعرف بـ”الفيلوفوبيا” (Philophobia)، إلى جانب اضطراب ما بعد الصدمة المزمن، نتيجة حادثة عنيفة تعرض لها في طفولته. وكل هذه السمات لها مظاهر وخصائص يمكن العمل عليها مع الممثل لفهم الشخصية وتجسيدها.
أما فاطمة، فهي شخصية عفوية وصريحة، تعبر عما تشعر به دون تحفظ. تجمع بين الطيبة والمشاكسة، وقد تبدو قاسية أحيانا، لكنها في جوهرها شخصية طيبة. إنها امرأة تكافح من أجل الاستمرار، فرغم قسوة الحياة عليها، تحاول دائما أن تبدو وكأنها هي التي تسيطر على ظروفها، لا العكس.
حصل “خروج آمن” على النجمة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان الجونة (غيتي)كيف تجنبت تقديم سمعان باعتباره مجرد ضحية لصدمة طفولته، وكذلك فاطمة التي تواجه ظروفا قاسية، من دون اختزال أي منهما في معاناته؟
لا أحب فكرة تقديم الشخصيات باعتبارها ضحايا. وأذكر أن من أهم الأشياء التي تحدثت عنها مع الممثلة التي أدت دور فاطمة أن الشخصية، رغم كل ما تمر به، لا تدرك أصلا أنه من المفترض أن تشفق على نفسها.
أنا لا أحب توجيه الممثلين بطريقة مباشرة، كأن أقول للممثل: احزن أو افرح أو انهَر. لكنني تحدثت معها عن هذه الفكرة تحديدا، وقلت لها: تخيلي أن فاطمة، رغم كل ما تعيشه، لا يخطر ببالها أن تشفق على نفسها. كانت هذه الجملة وحدها مفتاحا للشخصية، وشعرت بأنها أثرت فيها.
لم تتناول مجزرة الأقباط المصريين في ليبيا بوصفها حدثا، وإنما ركزت على آثارها النفسية والإنسانية بعد مرور سنوات. لماذا اخترت هذه الزاوية بدلا من إعادة تصوير المأساة نفسها؟
أنظر إلى السينما باعتبارها وسيلة للتواصل مع الجمهور، وليست لنقل الأخبار. ما يهمني هو ما وراء الحدث، واللحظات التي تسبقه أو تليه، والتي يعتبرها البعض زمنا ميتا، بينما أراها الأكثر ثراء من الناحية الإنسانية.
ما يشغلني هو مصير أبناء الضحايا الذين عرفوا وهم أطفال أن آباءهم قتلوا بهذه الوحشية لمجرد أنهم مسيحيون. كيف سيكبرون ويتعاملون مع الآخرين؟ وكيف سيستعيدون شعورهم بالأمان؟ حتى بعد الرد المصري على الحادثة، ستظل لديهم شكوك تجاه الآخرين ونظرتهم إليهم، وتصبح هذه المشاعر جزءا من تكوينهم النفسي.
نلتقي سمعان بعد نحو عشر سنوات من الحادثة، وقد أصبح شابا في العشرينيات يواجه الحياة محملا بآثار طفولته. وكذلك عبد الله الذي تعرض للعنف منذ صغره، وتكشف تفاصيل مثل الحزام الذي يعلقه وطريقته في تناول الطعام عن نشأته في المعسكرات، حتى أصبح شخصا أعيد تشكيله وفقد إحساسه بهويته.
الفيلم في جوهره يتناول أزمة الهوية، فالشخصيات جميعها تتساءل عن حقيقتها، حتى فاطمة لا تمتلك بطاقة هوية. ولهذا فضلت تناول ما بعد المأساة، فهناك أفلام أخرى يمكنها إعادة تصوير الحدث بصورة عظيمة، لكن ما يعنيني هو أثر العنف الذي يبقى تحت الجلد، وقد يكون أشد خطورة وتعقيدا من لحظة وقوعه.
أومن بأن الزمن هو العنصر الأقوى، إذ لا يمحو الصدمات بالضرورة، بل قد يزيدها تعقيدا. ومن هذه الزاوية أرى سمعان أشبه بقنبلة تحمل داخلها تراكمات تلك السنوات.
ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال صناعة “الخروج الآمن”، خاصة مع اعتمادك على التمويل الذاتي؟ وهل فرضت الجهات التي دعمت الفيلم لاحقا أي شروط على رؤيتك الفنية؟
استغرق العمل على كتابة الفيلم والتحضير له نحو أربع سنوات، واعتمدنا على إمكاناتنا الخاصة، مستفيدين من خبرة شركتنا في إدارة الموارد. وأومن بأن محدودية الإمكانات قد تدفعنا إلى حلول أكثر إبداعا، وأن وجود هدف واضح يمنحنا القدرة على الاستمرار.
فلا أملك رفاهية التوقف عن صناعة الأفلام. فبدء الإنتاج يشبه النزول إلى منطقة غارقة بالمياه، لا خيار أمامك سوى مواصلة السباحة حتى تصل أو تغرق، وقد تكون خسائر التراجع أكبر من الاستمرار.
أما الدعم، فقد حصلنا عليه بعد الانتهاء من المونتاج، قبل تصحيح الألوان، ولم تفرض أي جهة شروطا أو تتدخل في الفيلم. كنت مؤمنا بما قدمته، ولم أكن مستعدا لتغييره مقابل التمويل. كان موقفي ببساطة: هذا هو الفيلم، إذا أعجبكم فمرحبا بالدعم، وإن لم يعجبكم فلا مشكلة.
كيف ترى الفجوة بين لغة السينما المستقلة التي تقدمها وذائقة جمهور شباك التذاكر؟ وهل تحاول تقليصها في أعمالك؟
هناك فارق جوهري بين السينما التجارية والجماهيرية. فالفيلم التجاري، من وجهة نظري، جمهوره الحقيقي هو المنتج والموزع، لأنهما صاحبا القرار في تنفيذه، بينما السينما الجماهيرية لا تقاس بعدد المشاهدين، سواء كانوا عشرة أو مليونا، وإنما بمدى تفاعلهم مع الفيلم. أما حجم الجمهور فيرتبط بالتسويق وشهرة الأبطال.
أومن بأن السينما وسيلة للتواصل، لكن لكل فيلم جمهوره، فلا يوجد عمل يناسب الجميع. لهذا أرى أن الفيلم يختار جمهوره.
و”خروج آمن” ليس منفصلا عن الناس، بل يسعى إلى التواصل معهم بإيقاعه وعالمه الخاصين. وأحرص على الاحتفاظ بحريتي في صناعة عالم سينمائي يعبر عن شخصيتي، وإلا فما الذي يميز أفلامي عن غيرها إذا أصبحت جميعها متشابهة؟
كيف تقارن بين تفاعل الجمهور مع “خروج آمن” في مهرجاني الجونة وبرلين السينمائيين؟ وهل كشفت لك الردود عن جوانب جديدة في الفيلم لم تكن تتوقعها؟
المثير بالنسبة لي أن تفاعل الجمهور في مهرجان الجونة كان مشابها إلى حد كبير لما شاهدته خلال عروض الفيلم في برلين.
فقد لاحظت أن الجمهور يصفق في اللحظات نفسها تقريبا، ويتفاعل بصورة فطرية مع الأحداث، بعيدا عن كونه جمهور مهرجان سينمائي أو من عشاق السينما المتخصصين. فهناك لحظات يشعر فيها المشاهد بالحزن أو يضحك أو يتعاطف مع البطل ويشجعه، وقد تكررت هذه الانفعالات في برلين والجونة.
وفي برلين، عُرض الفيلم سبع مرات، إلى جانب عرض للصحفيين والنقاد، ليصل الإجمالي إلى ثمانية عروض، وهو عدد كبير، حتى إنني كنت أحضر عرضا كل يوم تقريبا. ومع زيادة عدد العروض، شعرت بأن الفيلم يحظى بإعجاب الجمهور رغم إيقاعه الخاص، وهو ما أسعدني كثيرا.
كما أن إضافة عروض جديدة تعني وجود طلب متزايد على مشاهدة الفيلم، خاصة أن التذاكر كانت تنفد بالكامل، وهو ما أكد لي أن الجمهور يتفاعل مع إيقاعه وطريقته في السرد.
