كنتُ مدعوّة قبل أيام إلى عيد ميلاد إحدى صديقاتي. ولأن وقتي كان ضيقاً لظروف شخصية، لم أتمكّن من شراء هدية مناسبة في الوقت المناسب، فخطر لي أن أهديها نسخة من كتبي المتوفرة عندي، سأوقعها لها، قلت لنفسي، وسأغلفها بورق هدية مناسب. وفي اللحظة الأخيرة عدلت عن هذه الفكرة، إذ ماذا لو ظنّت صديقتي أنني بهديتي هذه أفرض عليها أن تقرأ كتبى وهي قد لا تريد هذا؟ أو ماذا لو ظنت أنني لا أقدّرها بما يكفي بحيث أهديها كتباً لي بدلاً من شراء هدية قيّمة؟ أشعرني هذا التفكير بالحرج المسبق، ففضّلت الاعتذار عن عدم حضور عيد ميلادها على أن أذهب دون هدية أو أن أهديها كتبي.

لديّ مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية التشكيلية والنحتية الأصلية مهداة إليّ من أصدقاء في مناسباتٍ عديدة، وأحياناً دون مناسبة، لمجرّد المحبّة والصداقة، ولا أستطيع أن أخبركم بمقدار فخري وسعادتي واعتزازي بهذه الأعمال، ليس فقط لأن بعضها ذو قيمة مادّية مرتفعة، بل لأن هؤلاء الأصدقاء خصّوني ببعض إبداعاتهم، وآمنوا بأن جدران منزلي تستحقّ أن تكون حاملةً لهذا الإبداع، وأنني أستحقّ أن أمنح بعضاً من عوالمهم الخاصة، بعضاً من تجاربهم الفنية والشخصية، بعضاً من وقت ثمين قضوه وهم يُنجزون عملاً تكمن قيمته الحقيقية في مقدار الشغف الذي عاشه صاحبه في أثناء إنجازه، وفي ذلك الزمن الذي قضاه الفنان وهو يلاعب اللون والخيال والفكرة.

لكن ما الفرق بين اللوحة والكتاب؟ لماذا يشعر الفنان بأنه يقوم بعمل عظيم حين يُهدي صديقاً عملاً له، بينما يشعر الكاتب بحرج كبير حين يُهدي أصدقاء له بعض كتبه؟ كثيراً ما فكّرتُ بهذا السؤال، ولم أجد ما يفيد سوى أن اللوحة أو العمل الفني اليدوي شيء فريد، نسخة وحيدة من تمازج الشغف والفكرة والخيال في لحظة معينة أوجدت هذا العمل الفني أو ذاك. هذا لا يمكن تكرار نسخه، فقد ينسخ الفنان اللوحة نفسها عبر الطباعة أو عبر إعادة رسم اللوحة، لكنها لن تكون مشابهة للأصل مطلقاً. هناك نسخة وحيدة موجودة في مكان ما، وهنا ربما تكمن فرادة العمل الفني، بينما يمكن إنتاج آلاف النسخ المطابقة من الكتاب، ويمكن العثور عليه في أماكن مختلفة ومتعدّدة، الكتاب متوفر وموجود في كل وقت وفي كل مكان. الفرق إذاً في الندرة، اللوحة الأصلية نادرة، بينما الكتاب متاح. لكن هذا الفرق ليس وحيداً، فإهداء الكتب قد يكون فيه طلب القراءة وبذل الجهد والوقت لأجل هذا، وحوار مع القارئ، بينما تتخفف اللوحة من هذا، هي تتحدّث عن نفسها وحدها.

تكمن المفارقة في المقارنة بين اللوحة والكتاب في معاييرنا الخاضعة لمنظومة التسويق، ثمّة سوقٌ للعمل الفني يضع مقياساً حاسماً في الأهمية المادية للوحة يعرفه الفنانون جيداً، ويتعاملون مع أعمالهم بالقياس له، فسوق الفن التشكيلي تمتلك آليات تمنح أعمالاً كثيرة قيمة تبادلية عالية لا يملكها الكتاب الذي تعاني سوقه من ضعف العائد المادي. اللوحة تشبه الذهب، يرتفع سعرها مع الزمن، واقتناؤها يشبه الاستثمار، بينما لا أهمية مادية للكتاب. مهما ارتفع ثمنه، يمكن لأي كان اقتناؤه بطرق متعددة. سوق الكتاب متواضعة، مباحة ومتاحة وعمومية وعامية، تنتشر في كل مكان، في الأماكن المغلقة مثلما في الشوارع والأماكن المفتوحة، بينما سوق اللوحة محاطةٌ بجدرانٍ محميّة ومؤمنة ومغلقة وغير متاحة إلا للنخبة. الكتاب قد يقرأه أي شخصٍ يعرف القراءة، بينما اللوحة لا يراها إلا متذوّق نخبوي قادر على فهم العلاقة المشاكسة بين اللون والخط والفكرة والخيال، الكتاب لتوفره يذهب إلى الجميع، بينما اللوحة لندرتها ثابتة في مكانها غير عابئةٍ بمن يأتيها، هذا أيضاً فارق ينعكس على علاقة الفنان بلوحته وعلاقة الكاتب بكتابه. ويكشف الفارق في المعيار الذي يجعل اللوحة هدية عظيمة والكتاب هدية بلا قيمة، رغم أن تأثير الكتاب في الوعي الجمعي أعمق بكثير من تأثير اللوحة.