في لبنان، لا تنقص القوانين، بل تنقص القدرة على تنفيذها. واليوم يعود لبنان لطاولة مجموعة العمل المالي “فاتف” في باريس، حاملاً ملفاً ثقيلاً من الإصلاحات غير المكتملة، والملاحقات القضائية المحدودة، والأموال التي تتحرك خارج أعين الرقابة.
منذ الانهيار المالي الكبير عام 2019، تغيرت خريطة المال في لبنان وانهارت العملة الوطنية بصورة تاريخية، من 1500 ليرة في مقابل الدولار الواحد إلى أكثر من 140 ألفاً، أقفلت المصارف أبوابها أمام المودعين وسحب ودائعهم وفقدت الثقة بها واتسعت أيضاً الأسواق الموازية.
وخلال أسبوع اجتماعات “فاتف” الممتد من الـ26 إلى الـ30 من أكتوبر (تشرين الأول) في العاصمة الفرنسية باريس، الذي تتخلله الجلسة العامة بين الـ28 والـ30 منه، لا يمتحن لبنان في قدرته على كتابة القوانين، بل في قدرته على تطبيقها، فالخطر لا يكمن فقط في استمرار إدراجه على اللائحة الرمادية، بل في ترسخ الأسباب التي تحول من دون خروجه منها.
وكان لبنان أدرج ضمن اللائحة الرمادية في أكتوبر عام 2024، بسبب وجود أوجه قصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد.
“فاتف” تراقب النتائج لا الوعود
تنتقل معايير تقييم “فاتف”، وهي مجموعة العمل المالي، من الاكتفاء بالإطار التشريعي والتنظيمي إلى قياس فعالية تطبيقه، بما يشمل التحقيقات والملاحقات القضائية والمصادرات وتنفيذ العقوبات.
وخلال الجلسات القائمة حالياً في باريس، سيخضع لبنان لتقييم مدى تقدمه في معالجة أوجه القصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، على أن يكون البيان الرسمي في الـ30 من أكتوبر المرجع الأساس لمعرفة ما أنجزته السلطات اللبنانية، وما بقي مطلوباً منها، وما إذا كانت البلاد قد اقتربت فعلياً من الخروج من اللائحة الرمادية.
في السياق، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة هارفارد رند غياض، في حديث خاص لـ”اندبندنت عربية”، أن “لبنان أصبح بارعاً في إعلان الإصلاحات، لكن المؤسسات الدولية أصبحت بدورها أكثر قدرة على التمييز بين الوعود والنتائج الفعلية”، موضحاً أن “لبنان اتخذ منذ إدراجه على اللائحة الرمادية إجراءات تنظيمية جديدة لتعزيز الامتثال، إلا أن هذه الخطوات لا تكفي وحدها، إذ إن مجموعة العمل المالي لا تقيس التقدم بعدد التعاميم الصادرة، بل بالتحقيقات والملاحقات القضائية ومصادرة الأصول غير المشروعة والتطبيق الفعلي للعقوبات”.
ويعتبر أن “إقرار القوانين أسهل نسبياً من تنفيذها في مواجهة مصالح تتمتع بحماية سياسية”، مستبعداً خروج لبنان من اللائحة الرمادية في المرحلة الراهنة، ويقول “لم يعد السؤال ما إذا كان لبنان يعرف ما ينبغي القيام به، فهو يعرف ذلك جيداً، بل ما إذا كان النظام السياسي مستعداً لتنفيذه”.

في السنوات الماضية انهارت الليرة اللبنانية بشكل غير مسبوق (أ ف ب)
“القرض الحسن” وثغرة الرقابة المالية
ومن ضمن ما يعرف بالاقتصاد الموازي أو “اقتصاد الكاش” الذي تصعب جداً ملاحقته، وبخاصة من المؤسسات الدولية، جمعية “القرض الحسن” التابعة لـ”حزب الله” التي تخضع للعقوبات الأميركية منذ تموز (يوليو) 2007. وفي شباط (فبراير) 2026، جددت وزارة الخزانة الأميركية اتهاماتها للجمعية بالعمل ضمن الشبكة المالية لـ”حزب الله”، معتبرة أنها تقدم خدمات شبيهة بالخدمات المصرفية تحت غطاء تسجيلها كجمعية غير حكومية، غير أن هذه المواقف الأميركية تبقى منفصلة عن خطة عمل “فاتف” المنشورة للبنان، التي لا تذكر الجمعية بالاسم، وإنما تركز على فعالية الرقابة على الأنشطة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي السياق يعتبر غياض أنه “لا يمكن الحديث عن نظام مالي يتمتع بالصدقية في ظل السماح لمؤسسة مالية موازية بالعمل خارج إطار الرقابة الفعلية”، مشيراً إلى أن “الجمعية تؤدي وظائف مصرفية خارج الإطار التنظيمي التقليدي”، لافتاً إلى أن “مصرف لبنان اتخذ خطوات لعزل المصارف المرخصة عن الأخطار المرتبطة بالجمعية، لكن معالجة الملف تتجاوز صلاحيات المصرف المركزي وتتطلب تحركاً حكومياً”.
ويشبه الوضع بـ”خزنة مصرفية محكمة الإغلاق، لكن أحد أبوابها مفتوح، مما يعني أن وجود ثغرة واحدة قد يقوض فعالية جميع إجراءات الرقابة الأخرى”.
خطر الانفصال عن النظام المالي العالمي
لا يقتصر أثر التصنيف الرمادي على السمعة المالية، إذ قد يدفع المؤسسات الأجنبية إلى تشديد إجراءات الامتثال وإعادة تقييم علاقاتها المصرفية مع لبنان.
ويحذر غياض من أن “الخطر الأكبر لا يكمن في الإحراج الناتج من التصنيف، بل في احتمال تزايد عزلة لبنان عن النظام المالي العالمي”، موضحاً أن “المصارف الأجنبية ضرورية لتنفيذ المدفوعات بالدولار وتمويل التجارة والاستثمارات، إلا أن ارتفاع الأخطار قد يدفعها إلى زيادة كلفة المعاملات، وطلب مستندات إضافية، أو وقف التعامل مع المؤسسات اللبنانية”.
ويرى أن “هذه القيود قد تدفع مزيداً من النشاط الاقتصادي نحو التعامل النقدي، مما يزيد صعوبة مكافحة غسل الأموال، فيما يتحمل المواطنون الكلفة من خلال ارتفاع نفقات المعاملات وتراجع فرص الاستثمار والتعافي”، معتبراً أنه “لا يستطيع لبنان إعادة بناء اقتصاد معاصر فيما يبتعد تدريجاً من النظام المالي العالمي الحديث. والخروج من اللائحة الرمادية لن يعالج الأزمة الاقتصادية تلقائياً، لكن البقاء عليها سيجعل التعافي أكثر صعوبة”.
أزمة الودائع تعمق مأزق الامتثال المالي
في ملاحظات “فاتف” على لبنان، لا تقتصر أوجه القصور على المصارف، بل تشمل المؤسسات القضائية والرقابية والأمنية وقدرتها على الكشف عن الجرائم المالية وملاحقة مرتكبيها.
في السياق، يعتبر الباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، وخبير الأخطار المصرفية الدكتور محمد فحيلي، أن “إدراج لبنان على اللائحة الرمادية قبل سنتين لا يشكل إدانة للقطاع المصرفي وحده، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بفعالية الدولة ومؤسساتها”، موضحاً أن “الملاحظات الدولية تشمل ضعف الملاحقات القضائية، ومحدودية استرداد الأصول غير المشروعة، والقصور في تحديد المستفيدين الحقيقيين من الشركات، فضلاً عن اتساع الأنشطة المالية خارج النظام المصرفي”.
ويشير فحيلي إلى أن “الاستقرار النسبي لسعر صرف الليرة لا يعني انتهاء الأزمة، إذ تحقق في ظل انكماش اقتصادي وتراجع الائتمان وانحسار الدور التقليدي للمصارف”، معتبراً أن “المودع الذي فقد القدرة على الوصول إلى أمواله لن يعود بسهولة للتعامل مع المصارف، حتى لو استقرت الأوضاع النقدية”، مشدداً على أن “معالجة الودائع بصورة عادلة وشفافة تشكل شرطاً لاستعادة الثقة”.
ويرى أن “توسع اقتصاد الظل لم يكن خياراً طوعياً لدى جميع اللبنانيين، بل نتيجة مباشرة لتعطل وظائف النظام المصرفي. فالتاجر الذي يتعامل نقداً والمواطن الذي يحتفظ بمدخراته في المنزل لا يسعيان بالضرورة إلى التهرب من القانون، بل يبحثان عن بديل لنظام فقدا الثقة به”. ويضيف أن “الاقتصاد النقدي أسهم في استمرار النشاط الاقتصادي خلال سنوات الانهيار، لكنه خلق في المقابل تحديات تتعلق بالشفافية والرقابة والعدالة الضريبية”، معتبراً أن “تقليصه يتطلب إعادة بناء الثقة، لا الاكتفاء بتشديد القيود”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صندوق النقد بين التعافي واحتواء الأخطار
يرتبط مستقبل الإصلاح المصرفي أيضاً بقدرة لبنان على استقطاب التمويل الخارجي، في وقت تشكل فيه الحوكمة والشفافية وفعالية المؤسسات عناصر أساسية في تقييم الجهات الدولية للأخطار.
ويحذر فحيلي من أن “أي تدهور إضافي في التصنيف المالي قد ينعكس على طبيعة العلاقة مع صندوق النقد الدولي والجهات المانحة، بحيث يتحول أي برنامج تمويلي محتمل من أداة لدعم التعافي إلى آلية لاحتواء الأخطار ومنع تفاقم الانهيار”، لافتاً إلى أن “هذا السيناريو قد يفرض شروطاً أكثر تشدداً تتعلق بالرقابة وإعادة هيكلة المصارف والتحقق من تنفيذ الإصلاحات، فضلاً عن تعقيد استقطاب التمويل اللازم للاستثمار وإعادة الإعمار”.
ويخلص إلى أن “الخروج من اللائحة الرمادية يجب أن يكون نتيجة لمسار يعيد بناء المؤسسات والثقة، لا هدفاً شكلياً بحد ذاته”، محذراً من “ترسخ واقع تصبح فيه المصارف هامشية والودائع معلقة، واقتصاد الظل هو القاعدة بدلاً من الاستثناء”.
ثغرات الرقابة تتجاوز المصارف
تحدد خطة العمل المنشورة للبنان لدى “فاتف” ثغرات تشمل ضعف ضبط النقل غير المشروع للنقد والمعادن والأحجار الثمينة عبر الحدود، والحاجة إلى تحديث معلومات المستفيدين الحقيقيين من الشركات، وتعزيز الرقابة على القطاعات غير المالية، وهي متطلبات تربط مكافحة غسل الأموال بقدرة الدولة على تتبع حركة الأموال وتطبيق العقوبات عند وقوع المخالفات.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي روي بدارو أن “لبنان لم يستكمل تنفيذ عدد من الالتزامات المطلوبة منه”، مشيراً إلى أن “التقدم المحقق لا يزال جزئياً، ولا سيما في ضبط حركة الأموال النقدية والذهب عبر الحدود، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات، وتعزيز الرقابة على القطاعات غير المالية”.
ويلفت إلى أن “معالجة هذه الثغرات تتطلب تفعيل التعاون الدولي وتطبيق العقوبات المالية وتحسين آليات الإفصاح والرقابة، واستمرار القصور في هذه المجالات قد يعرقل خروج لبنان من اللائحة الرمادية”.

لبنان لم يستكمل تنفيذ عدد من الالتزامات المطلوبة منه (أ ف ب)
“القرض الحسن” والبعد الاجتماعي للحل
وفي ملف جمعية “القرض الحسن”، يطرح بدارو بعداً اجتماعياً يتجاوز الجدل القانوني والرقابي، إذ يعتبر أن “أية معالجة لوضع الجمعية يجب أن تراعي أوضاع المستفيدين من خدماتها، وألا تترك المقترضين أمام أزمة مالية إضافية”.
ويشدد على “ضرورة توفير بدائل مالية وآليات مساعدة تتيح للمستفيدين تسوية التزاماتهم، خصوصاً في ظل ارتباط الجمعية بشريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية”.
ويرى أن “معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة سياسية ومالية واجتماعية متكاملة، تجمع بين إخضاع الأنشطة المالية للرقابة وحماية المستفيدين من تداعيات أي إجراءات محتملة”.
وتكشف قضية جمعية “القرض الحسن” عن وجه آخر من أزمة الرقابة المالية في لبنان، يتجاوز وجود القوانين إلى تحديد الجهة المسؤولة عن تطبيقها. فبين القضاء ومصرف لبنان ووزارة الداخلية، يبرز تضارب في الصلاحيات يطرح تساؤلات عن قدرة الدولة على التعامل مع المؤسسات التي تمارس أنشطة مالية خارج الإطار المصرفي التقليدي.
وفي هذا السياق، يشير الصحافي الاقتصادي منير يونس إلى أن “وزير العدل طلب من النيابة العامة التحرك في ملف الجمعية، إلا أن المسار اصطدم بتبادل المسؤوليات بين الجهات المعنية. فالنيابة العامة طلبت معلومات من مصرف لبنان، فيما أحال الأخير إلى وزارة الداخلية باعتبار أن الجمعية مسجلة لديها، بينما يرتبط تحرك هيئة التحقيق الخاصة بتوافر أخبار أو معطيات تستدعي التحقيق”.
ويرى يونس أن “هذه الحلقة تكشف عن مشكلة أعمق من ملف جمعية واحدة، تتمثل في غياب الحسم المؤسسي حول الجهة المخولة التدخل، مما يترك الأنشطة المالية المثيرة للتساؤلات في منطقة رمادية بين الاختصاصات”.
العقوبات الأميركية و”فاتف”.. مساران مختلفان
يميز يونس بين المقاربة الأميركية لملف “القرض الحسن” ومتطلبات مجموعة العمل المالي “فاتف”، ويقول إن العقوبات الأميركية المفروضة على الجمعية تنطلق من اعتبارات مرتبطة بنظام العقوبات الأميركي، بينما تركز “فاتف” على فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقدرة السلطات على إخضاع الأنشطة المالية للرقابة والتحقيق عند وجود شبهات. وبالتالي، فإن استمرار الجمعية في العمل لا يعني تلقائياً أن “فاتف” تشترط إغلاقها، لكنه يطرح سؤالاً عن مدى قدرة الدولة على تطبيق القواعد الرقابية بصورة متساوية، بصرف النظر عن طبيعة المؤسسة أو الجهة التي تقف خلفها”.
ولا يفصل يونس هذا المأزق عن الأزمة المصرفية المستمرة منذ عام 2019، معتبراً أن “إعادة هيكلة المصارف تشكل المدخل الأساس لاستعادة الثقة بالنظام المالي وتقليص الاعتماد الواسع على النقد. فمع تراجع دور المصارف في استقبال الأموال وتمويل الاقتصاد، اتسعت التعاملات النقدية خارج القنوات المصرفية، مما جعل تتبع بعض التدفقات المالية أكثر صعوبة”.
ويرى أن “الإجراءات الرقابية، مهما بلغت صرامتها، ستبقى محدودة الأثر ما لم تترافق مع معالجة أزمة الودائع، وإعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استقطاب الأموال وتقديم الخدمات والائتمان”.
ومن هنا، يربط يونس بين مسار الإصلاح المصرفي وتحسين قدرة لبنان على الامتثال للمعايير الدولية، مؤكداً أن “استعادة الثقة لا تتحقق بالتشريعات وحدها، بل بإعادة تفعيل المؤسسات التي يفترض أن تطبقها”.
تتقاطع هذه القراءات عند خلاصة واحدة، وهي أن أزمة لبنان مع “فاتف” ليست في نقص القوانين، بل في تعثر تنفيذها. ويكشف ملف “القرض الحسن” عن تضارب الصلاحيات بين المؤسسات، فيما تبقى إعادة هيكلة المصارف ومعالجة الودائع وضبط اقتصاد الكاش شروطاً أساسية للإصلاح.
فيما التحدي لا يكمن في الخروج من اللائحة الرمادية فحسب، بل في معالجة الأسباب التي أدت إلى إدراج لبنان عليها.
