بغداد ـ كشف المخرج العراقي محمد جبارة الدراجي تفاصيل رحلته مع فيلمه ‘إركالا حلم كلكامش’، الذي يواصل حضوره في المهرجانات السينمائية الدولية، بعدما توّج بالجائزة الكبرى في مهرجان الفيلم العربي بمدينة فاميك الفرنسية، مؤكدا، أن قيمة الأعمال السينمائية لا تُقاس بعدد الجوائز التي تحصدها، وإن كانت تمثل وسيلة مهمة لتعزيز انتشارها والوصول إلى جمهور أوسع.
وأوضح الدراجي، خلال مداخلة مع قناة ‘القاهرة الإخبارية’، أن تقييم الفيلم يتجاوز الاعترافات التي يحصل عليها في المهرجانات، إذ تتداخل في تحديد قيمته أبعاد إبداعية وثقافية ومادية، غير أن الجوائز تظل عاملا مؤثرا في تسويقه والتعريف به خارج حدود بلده.
وأشار إلى أن فيلمه، الذي يحمل أيضا عنوان ‘جمال العراق الخفي: حلم جلجامش’، حصد نحو 20 جائزة خلال مشاركاته السينمائية.
واعتبر المخرج أن الحضور المتنامي للسينما العراقية في المحافل الدولية منذ عام 2003 يعكس تطورا في قدرتها على تقديم قصص محلية تحمل أبعادا إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وفي هذا السياق، استعاد محطات مشاركة الفيلم في عدد من أبرز التظاهرات السينمائية، إذ كانت انطلاقته الدولية الأولى من مهرجان لوكارنو السينمائي، قبل أن ينتقل إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ثم يواصل جولته في مهرجانات أخرى حول العالم.
وعلى مستوى التوزيع، أوضح الدراجي، أن الفيلم لم يقتصر على العروض المهرجانية، بل وصل إلى صالات السينما التجارية في العراق، فيما يجري العمل على نقله إلى أسواق عربية أخرى، من بينها الأردن، بالتعاون مع شركة ‘فيلم كلينك’ التي يديرها المنتج المصري محمد حفظي.
ويمثل هذا المسار خطوة نحو توسيع دائرة مشاهدته وإتاحة الفرصة لجمهور عربي أكبر للتعرف إلى حكايته.
وعن البذرة الأولى التي انطلقت منها فكرة الفيلم، روى الدراجي أن المشروع بدأ بمشهد شاهده في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية ‘بي بي سي’، تناول قصة امرأة هندية تقود حافلة قديمة في شوارع العاصمة نيودلهي، وتخصص جزءا من وقتها لتعليم أطفال الشوارع القراءة والكتابة.
استوقفته المبادرة، ودفعته إلى البحث في واقع التعليم داخل العراق، ولا سيما بعد سنوات الحرب وما خلفته من أضرار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وخلال هذا البحث، اكتشف، بحسب روايته، أن البلاد تعاني نقصاً يتجاوز ستة آلاف مدرسة، وهو رقم أثار لديه تساؤلات بشأن فرص الأطفال في الحصول على التعليم، في بلد يمتلك إرثاً حضاريا ارتبط تاريخيا بنشأة الكتابة والمعرفة.
ومن هذه المفارقة تشكل المحور الفكري للفيلم؛ فالعراق الذي شهدت أرضه بدايات الكتابة واحتضن واحدة من أقدم الملاحم الأدبية في التاريخ، وهي ملحمة جلجامش، يواجه واقعاً يحرم أعداداً كبيرة من أطفاله من أبسط مقومات التعلم.
وبين الإرث الحضاري العريق والتحديات التي فرضتها الحروب، أراد المخرج بناء حكاية تستحضر العلاقة بين الماضي والحاضر، وتطرح أسئلة حول مستقبل الأجيال الجديدة.
ولم يكن استحضار ملحمة جلجامش مجرد إحالة إلى التاريخ والأساطير، بل جاء مرتبطا برغبة في إبراز التناقض بين الصورة الحضارية للعراق وما يعيشه المجتمع من آثار الصراعات المتعاقبة.
ويضع الفيلم التعليم وحقوق الأطفال في صلب هذا التناقض، ويعيد طرح مسألة الخسائر الإنسانية التي تتركها الحروب بعيداً عن الحسابات السياسية والعسكرية.
وشدد الدراجي على أن الأطفال والنساء يتحملون في كثير من الأحيان نصيباً كبيراً من تبعات النزاعات، رغم أنهم ليسوا طرفاً في إشعالها أو اتخاذ قراراتها.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز الفيلم حدود الحكاية المحلية ليقترب من قضية إنسانية أوسع، تتعلق بمصير الفئات الأكثر هشاشة عندما تتحول الحروب إلى واقع يومي يهدد التعليم والأمان وفرص الحياة.
وبين مشاركاته الدولية ومسار توزيعه العربي، يقدم ‘إركالا حلم كلكامش’ مقاربة سينمائية تربط الذاكرة الحضارية للعراق بتحدياته الراهنة، مستندا إلى قضية التعليم وما تفرضه الحروب من أعباء على الأطفال.
وتعكس الجوائز التي حصدها الفيلم اهتمام المهرجانات بقصص تنطلق من بيئة محلية، لكنها تطرح أسئلة إنسانية تتجاوز سياقها الجغرافي.
