قد ينظر البعض إلى قضايا العالم الملتهبة، من منظور أزمة مضيق هرمز في إيران، أو باب المندب في اليمن، أو الحدود الروسية الأوكرانية، أو من تصريحات رجُل البيت الأبيض في واشنطن، أو حتى مناورات الصين حول تايوان.. وقد يتابع البعض أزمات المنطقة، من خلال حرب الإبادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، أو تراجع حزب الله في لبنان، أو المواجهات العسكرية في السودان، والتوترات في ليبيا، وغموض المستقبل في سوريا، والانفجارات المريبة في الأردن، والبحث عن الاستقرار في العراق، والتأهب الحاصل في تركيا، وصولاً إلى التسليم بالأمر الواقع في دول الخليج العربية.
وسط هذه الأزمات، وتلك المواجهات، قد لا يرى البعض مصر على خريطة الأزمات اليومية، بعد أن بدا أن كل الملفات والقضايا كانت وما زالت تتفاعل في صمت، من خلال الأطراف المعنية، وسواء كانت هذه الملفات والقضايا، داخلية أو خارجية، اقتصادية أو سياسية، مدنية أو عسكرية، فجميعها أصبحت الآن على صفيح ساخن، لم تعد تحتمل الوعود والانتظار، كما لم يعد ممكنا احتواؤها بالالتفاف والمراوغة، ولم يعد مقبولاً معها أيضاً الغش والتدليس، حتى لو بالأيمانات المغلظة، بعد أن استنفدت هذه وتلك مبتغاها.
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، قام بتفجير الموقف بنفسه، حينما أعلن أخيراً، أنه لن يستمر في منصبه، بعد انتهاء فترة ولايته عام 2030، بمعنى أنه لن يترشح بعدها، في محاولة لامتصاص حالة الغضب والغليان بذلك الإعلان، خصوصاً أنه رافقه بالإفصاح عن شروط مثيرة للجدل، تتعلق بالترشح المقبل، ما تم تفسيره أنه قد اختار أحداً بعينه، أو أنه يريد استبعاد آخرين، أو هما معاً، إذا سلمنا جدلاً بأنه لن يترشح بالفعل، وهو الاحتمال الذي نستبعده تماماً، لأسباب عديدة، يتداولها العامة والخاصة، ما يعني أن الأمر ليس ملتبساً. وفي الوقت الذي أردف فيه السيسي، الحديث حول هذا الموضوع، بحديث آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالموافقة على إرسال قوات مسلحة للدفاع عن المملكة العربية السعودية، حال صدور (توجيهات) من الملك أو ولي العهد بذلك، حسب تعبيره، فإن الرؤية تصبح واضحة حول ارتباط الأزمات الداخلية بالخارجية إلى حد كبير، وأيضاً تداخل السياسة مع الاقتصاد، الأمر الذي يضع النظام في موقف لا يحسد عليه، رغم أن سياسات وخطط 13 عاماً، كانت كفيلة بصنع وتفاقم الكثير من هذه الأزمات، في الوقت الذي يلقي فيه الرئيس اللوم، على الأنظمة السابقة، ليس ذلك فقط، بل مشيراً إلى أنه لم تكن هناك دولة من الأساس، مستخدماً تعبير «شبه الدولة» في كثير من الأحيان. ويمكن الإشارة، إلى أنه في ختام ستة أيام من الحشد والكلام والخُطب والبيانات والمواعظ والشعارات والتصفيق والدموع والنفقات، بحضور آلاف المدعوين، إلى جانب الرئيس، وكل مسؤولي الدولة تقريباً، فيما أُطلق عليه منتدى مصر الأول، كانت النتيجة السريعة والمباشرة على أرض الواقع، انخفاض كبير في قيمة الجنيه، مقابل العملات الأجنبية، (56 جنيهاً مقابل الدولار الواحد)، وخسائر كارثية في سوق الأوراق المالية، أدت إلى تعليق العمل بها، بعد أن بلغت ما يزيد على 5% بقيمة 102 مليار جنيه، خلال انعقاد المنتدى، ثم 171 مليار جنيه مع نهاية الانعقاد مباشرة، ثم 63 ملياراً في اليوم التالي، نتيجة موجة بيع واسعة للأسهم من جانب مستثمرين محليين وأجانب، إضافة إلى مخاوف المستثمرين من التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ناهيك من نقص السيولة المتاحة للاستثمار في الأسهم، وعمليات البيع الإجباري لبعضها، نتيجة استخدام التمويل بالهامش. المؤكد أن المنتدى لم يقنع الجمهور عموماً، مستثمرين وغيرهم، بأن المستقبل يحمل الكثير من الإيجابيات، بل على العكس، كان الإعلان مفاجئاً عن إرسال قوات للحرب، وهو ما يرفضه معظم الشعب جملة وتفصيلاً، وعن انخفاض الروح المعنوية للحكومة، كما قال السيسي، نتيجة الانتقادات الشعبية، حتى أنه أعلن أن الهدف من المنتدى، هو رفع الروح المعنوية للحكومة، التي تريد الرحيل، على حد قوله، وهو ما ساهم في هذه الحالة من التردي على الأصعدة الاقتصادية كافة، في الوقت الذي لم يعلن فيه رئيس الوزراء، أو وزير المالية، عن كيفية تدبير نحو 60 مليار دولار، ديون خارجية واجبة السداد خلال العام المالي الحالي، بخلاف الديون الداخلية.

منتدى مصر لم يقنع الجمهور عموماً، مستثمرين وغيرهم، بأن المستقبل يحمل الكثير من الإيجابيات، بل على العكس، كان الإعلان مفاجئاً عن إرسال قوات للحرب، وهو ما يرفضه معظم الشعب جملة وتفصيلاً

الغريب في الأمر، أن السيسي، لم يعلن عن أي أفق لانفراجة سياسية داخلية، من شأنها الإفراج عن عشرات الآلاف من المعتقلين والسجناء السياسيين، معظمهم منذ 13 عاماً، رغم التهام مصلحة السجون وحدها نحو 6.6 مليار جنيه، من ميزانية العام المالي الحالي 2026/2027، في الوقت الذي تعاني فيه الموازنة عجزاً قدره 4.9%، بل على العكس من ذلك، قال السيسي، إن مبادرة الرئيس الراحل أنور السادات، في سبعينيات القرن الماضي، بالإفراج عن المعتقلين من ذوي التوجهات الدينية، كانت سبباً في اغتياله، عام 1981، ما يشير إلى أنه لن يفكر أبداً في هذا الاتجاه، وهو التصريح الذي لاقى انتقاداً شديداً ومعارضة واسعة على «السوشيال ميديا» بشكل عام، ذلك أن السادات قُتل بأيدي عسكريين، خلال عرض عسكري، شاهده العالم، حيث كان يذاع على الهواء مباشرة. الأكثر إثارة فيما طرحه السيسي، هو أن الشروط التي وضعها للترشح لرئاسة الدولة مستقبلاً، لا تنطبق على أي من المرشحين السابقين، ولا حتى الأسماء المطروحة حالياً، ذلك أنه حددها بفئة عمرية تتراوح بين 40 و50 عاماً، وأن يكون حاصلاً على درجة الدكتوراه، وأن يقضي نحو 30 شهراً للتدريب فيما يطلق عليه الأكاديمية، في إشارة إلى الكلية الحربية، وغيرها من الشروط، التي لم تكن تنطبق عليه هو نفسه وقت الترشح للمرة الأولى، ولا تنطبق عليه الآن، بل إن كل رؤساء مصر السابقين لم يكن بينهم من يحمل درجة الدكتوراه، سوى الرئيس الإخواني الأسبق، محمد مرسي، الذي تم الترويج إعلامياً بعد الإطاحة به، أنه لم يكن مؤهلاً لقيادة دولة، ومن هنا فلم تجد هذه الشروط استحساناً جماهيرياً بين أي من الأوساط، السياسية والثقافية، أو حتى بين العوام.
نحن إذن أمام حالة من السيولة الكلامية في الشارع، على كل الأصعدة، الداخلية والخارجية، ساهمت فيها الأوساط الرسمية، فيما بدا أن الهدف الرئيسي، هو امتصاص شحنة التأهب والتحفز الشعبية، التي كانت تتفاعل، لدرجة أن كل التوقعات، كانت تشير إلى أن الشهور الثلاثة الأخيرة من هذا العام، قد تحمل الكثير من التقلبات الساخنة، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية، والتدني الواضح في قيمة العملة المحلية، وتكدير الحياة السياسية، بالاعتقالات في صفوف الصحافيين بشكل خاص، وسط وعود برفع الحد الأدنى للرواتب في موازنة 2029/2030، وهي القضايا التي أصبحت تطرح نفسها بقوة، إلى جانب موضوع الرئاسة، الذي وضعه الرئيس بنفسه مبكراً على قائمة الاهتمامات. رغم ذلك يطرح السؤال نفسه، ما الذي يضمن للسيسي ونظامه الاستمرار في الحكم، حتى عام 2030، مع تفاعلات الداخل والخارج في آن واحد، وإذا حدث ذلك، فمن الذي سوف يقبل بشروطه للترشح للرئاسة، واستمراره وصياً على المترشحين، فيما يشبه ولاية الفقيه، وما هو حجم ردود الأفعال على استمراره في الحكم، حال نكوصه عن وعده بالانسحاب من المشهد السياسي، وما هو مصير العديد من القضايا والاتفاقيات، ومن بينها اتفاقيتا ترسيم الحدود البحرية في كل من البحرين الأحمر، مع المملكة السعودية، والأبيض المتوسط مع كل من اليونان وقبرص وإسرائيل، إضافة إلى اتفاق إعلان المبادئ مع إثيوبيا حول النيل، ناهيك من كثير من اتفاقيات بيع الأراضي والأصول والمواني وخلافه.
أعتقد أن الأوضاع في مصر تحتاج إلى إعادة صياغة عاجلة، وليست آجلة، صياغة تعتمد على التنفيذ لا على الوعود، صياغة تتصدرها المصالحة ولم الشمل، بدلاً من الخوف من تصفية الحسابات، صياغة ترتكز على العمل والفعل، بدلاً من الكلام والسفسطة لسبب ودون سبب، ما يؤدي إلى هذه الحالة من السيولة الكوميدية غير المسؤولة، والتصريحات الدرامية غير المفهومة، وإيلاء كل الإخفاقات إلى الماضي القريب والبعيد، في غياب عدالة اجتماعية حقيقية، وفي غياب تصد واضح للفساد، وأيضاً في غياب رؤية مقنعة أو مبشرة للمستقبل.
*كاتب مصري