تتزامن المواجهات العسكرية بين قوات الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، وتصدي المملكة للاعتداءات الحوثية على مطاراتها ومنشآتها الحيوية، مع سجال إعلامي تدور مساحته الأوسع على منصات التواصل الاجتماعي، ويمتد إلى بعض القنوات التلفزيونية.
وتتداول في هذا السجال روايات وتفسيرات متباينة للأحداث؛ فبعضها يستند إلى معلومات غير دقيقة، وبعضها يبالغ في الوقائع أو ينتقي منها ما يخدم موقفا بعينه، فيما ينطلق بعضها من وقائع صحيحة، لكنه يعرضها خارج سياقها أو يستخلص منها نتائج لا تسندها الأدلة.
قصص مقترحة list of 2 itemsend of list
ويمكن تمييز ثلاث سرديات بارزة في هذا السجال، تستحق التحليل لما تنطوي عليه من افتراضات بشأن طبيعة التهديد الحوثي، ومكانة المملكة في علاقاتها الإقليمية والدولية، والخيارات المتاحة أمامها.
أولا.. الحوثيون بوصفهم تهديدا وجوديا لا تجدي معه الهدنة
تتبنى بعض الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب كتّاب ومعلقين يمنيين سردية تصف الحوثيين بأنهم جماعة عقائدية متطرفة، ذات مشروع توسعي يتجاوز حدود اليمن ويرتبط بالمشروع الإيراني.
وتستند هذه السردية إلى المعتقدات الدينية للجماعة، وفي مقدمتها مفهوم “الولاية” وما يمنحه لقيادتها، ممثلة في عبد الملك الحوثي، من شرعية دينية وسياسية تتجاوز حدود الدولة اليمنية.
ووفقا لهذه السردية، لا تقف طموحات الحوثيين عند السيطرة على اليمن، بل تمتد إلى ما وراءه، ولا سيما الجزيرة العربية، وتُعد المملكة العقبة الرئيسية أمام تحقيق هذا المشروع.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الجماعة لن تتوقف عند حدود معينة، وأن أي هدنة أو تسوية سياسية لن تمنحها سوى فرصة لإعادة بناء قدراتها والاستعداد لمواجهة جديدة. لذلك يعدّون التهدئة خطأ إستراتيجيا، ويرون أن إزالة التهديد تقتضي اجتثاث الجماعة وإنهاء وجودها كقوة عسكرية وسياسية.
لكن تقدير التهديد الذي تمثله الجماعة لا يمكن أن يستند إلى طموحاتها وحدها؛ حيث يقتضي التمييز بين أهدافها، وقدراتها الفعلية، والقيود التي تحد من قدرتها على تحقيق تلك الأهداف.
التمييز بين البراغماتية والانتهازية مهم في تقييم فرص التسوية مع جماعة الحوثي؛ فالبراغماتية قد تتيح التوصل إلى تفاهمات قابلة للاستمرار، لأنها تعكس استعدادا لتكييف الأهداف مع الواقع والالتزام بتسويات تحقق مصالح متبادلة. أما الانتهازية فقد تعني تغيير الوسائل وإبداء مرونة تكتيكية في التفاوض مع استمرار التمسك بالأهداف الأصلية
وتظهر تجارب تاريخية أن المشاريع العقائدية لا تتحقق بالضرورة وفق طموحات أصحابها؛ فقد قبل فلاديمير لينين معاهدة بريست-ليتوفسك مع ألمانيا عام 1918، رغم ما فرضته من تنازلات إقليمية واسعة، حفاظا على النظام البلشفي الناشئ، ثم تبنى جوزيف ستالين مبدأ “الاشتراكية في بلد واحد”، مقدّما بناء الدولة السوفياتية على أولوية الثورة العالمية.
وفي العراق، تقدمت اعتبارات بقاء نظام البعث وترسيخ سلطته على مشروع الوحدة العربية الذي تبناه الحزب (أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة)، في سياق تراجع المشروع الوحدوي عموما أمام رسوخ الدولة الوطنية.
كما واجه مشروع تصدير الثورة الإيرانية عقبات حالت دون تحقيق كثير من طموحاته، واصطدم مشروع المحافظين الجدد لفرض الديمقراطية بالقوة بتعقيدات كشفت محدودية الافتراضات التي استند إليها.
ولن تكون جماعة الحوثي استثناء من هذه القاعدة؛ فقد يكون لديها مشروع يتجاوز حدود اليمن، وقد تسعى إلى توسيع نفوذها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على تحقيق أهدافها، أو أن نجاح مشروعها أمر محتوم.
ولذلك ينبغي أن يستند تقدير التهديد الذي تمثله إلى قدراتها الفعلية، والقيود التي تواجهها، والسلوك الذي أظهرته في مراحل مختلفة من وجودها، وليس على افتراض بأن كل مشروع عقائدي سيتحول بالضرورة إلى واقع.
ويتطلب ذلك دراسة تاريخ الجماعة منذ نشأتها، مرورا بحروبها الست التي خاضتها مع علي عبد الله صالح، وتحالفاتها وصراعاتها اللاحقة مع القوى اليمنية الأخرى، وصولا إلى تعاملها مع الأطراف الإقليمية والدولية.
مجرد تبني جماعة مسلحة مشروعا يتجاوز حدود اليمن لا يثبت قدرتها على تحقيقه. ومن ثم، فإن وصف الحوثيين بأنهم تهديد وجودي للمملكة، من دون تقدير واضح لقدراتهم يسند هذا الوصف، لا يبالغ في تقدير قوة الجماعة فحسب، بل ينطوي ضمنا على استخفاف بقدرات المملكة
والسؤال هنا يتعلق بمدى استمرار العامل العقائدي محددا رئيسيا لقراراتها، ومدى استعدادها لتعديل مواقفها وفق حسابات المصالح وموازين القوى؛ وهل تعكس التحولات في سلوكها براغماتية سياسية تقوم على إدراك حدود القوة والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة، أم انتهازية تستخدم الاتفاقات والتحالفات لتحقيق مكاسب مرحلية ثم تتخلى عنها عندما تتغير الظروف؟
والتمييز بين البراغماتية والانتهازية مهم في تقييم فرص التسوية مع جماعة الحوثي؛ فالبراغماتية قد تتيح التوصل إلى تفاهمات قابلة للاستمرار، لأنها تعكس استعدادا لتكييف الأهداف مع الواقع والالتزام بتسويات تحقق مصالح متبادلة. أما الانتهازية فقد تعني تغيير الوسائل وإبداء مرونة تكتيكية في التفاوض مع استمرار التمسك بالأهداف الأصلية.
ولا يمكن التمييز بينهما بالإحالة للخطاب السياسي أو العقائدي للجماعة وحده، وإنما بدراسة سلوكها، ومدى التزامها بتعهداتها، والظروف التي دفعتها إلى تقديم تنازلات أو تغيير مواقفها. وعلى هذا التمييز يتوقف الحكم على القول بأن أي هدنة لن تمنح الجماعة سوى فرصة لإعادة بناء قدراتها.
وتبرز في هذا السياق شهادة علي البخيتي، الذي كان من أبرز المتحدثين باسم الحوثيين قبل أن يختلف معهم ويتحول إلى معارض شديد للجماعة. ففي تغريدة مطولة نشرها عقب انطلاق عملية “فجر اليمن”، وصف الحوثيين بأنهم يمثلون خطرا وجوديا على المملكة، وحذّر من أي تسوية معهم، معتبرا أن مشروع الجماعة يتجاوز حدود اليمن، وأنها ستستغل أي هدنة لاستكمال استعداداتها وشن هجمات جديدة على المملكة.
وفي التغريدة نفسها، قدّر أن نسبة المؤمنين بعقيدة الجماعة لا تتجاوز 1-2%، وأن معظم أتباعها يرتبطون بها بدافع المصلحة أو تأييدا لشعاراتها الوطنية.
وإذا صح هذا التقدير، فإنه يثير سؤالا بشأن قدرة الجماعة على تحويل مشروعها العقائدي إلى واقع. ولا شك أن ضعف الانتماء العقائدي لدى غالبية أتباعها لا يعني بالضرورة ضعف الجماعة؛ فقد تتمكن نواة عقائدية محدودة من إحكام السيطرة على مراكز القرار والأجهزة الأمنية والعسكرية وأدوات التعبئة.
غير أن اعتماد الجماعة على أتباع تحركهم المصالح أو الشعارات الوطنية يجعل ولاءهم أكثر ارتباطا باستمرار تلك المصالح، ويجعل قدرتها على تعبئتهم أكثر تأثرا بارتفاع تكاليف الصراع وتراجع الموارد، ولا سيما إذا تطلب مشروعها خوض صراعات خارج اليمن لا ترتبط بمصالح هؤلاء الأتباع مباشرة.
ومن ثم، فإن تماسك الجماعة وقدرتها على الاستمرار لا يتحددان بالعامل العقائدي وحده، بل يتأثران أيضا بالمصالح والظروف السياسية والاقتصادية التي تواجهها.
أما وصف البخيتي الحوثيين بأنهم يشكلون خطرا وجوديا على المملكة، فيقتضي التمييز بين طموحات الجماعة وقدراتها؛ فالتهديد الوجودي يعني تهديد بقاء الدولة، وهو يختلف عن القدرة على شن هجمات وإيقاع خسائر.
ومجرد تبني جماعة مسلحة مشروعا يتجاوز حدود اليمن لا يثبت قدرتها على تحقيقه. ومن ثم، فإن وصف الحوثيين بأنهم تهديد وجودي للمملكة، من دون تقدير واضح لقدراتهم يسند هذا الوصف، لا يبالغ في تقدير قوة الجماعة فحسب، بل ينطوي ضمنا على استخفاف بقدرات المملكة.
فالاعتراف بخطورة الحوثيين وضرورة التصدي لاعتداءاتهم لا يستلزم منحهم وزنا إستراتيجيا يتجاوز قدراتهم الفعلية.
لا يصح قياس قوة العلاقات والتحالفات بمدى استعداد كل دولة للمشاركة العسكرية في مواجهة الحوثيين؛ فقرارات الحرب تخضع لاعتبارات عسكرية وسياسية ودستورية تختلف من دولة إلى أخرى، حتى بين الدول التي تربطها تحالفات دفاعية وثيقة، ومن ثم، فإن عدم المشاركة العسكرية لا يعني التخلي عن المملكة، كما أن اختلاف المواقف بشأن إدارة الصراع لا يعني الانحياز إلى خصومها
ثانيا.. تصوير المملكة وكأنها بلا أصدقاء
تروّج سردية أخرى لفكرة أن المملكة تواجه خصومة من أطراف إقليمية ودولية عديدة، وأن بعضها يقدم الدعم للحوثيين. وقد اكتسبت هذه السردية زخما عقب تصريحات المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية بشأن مساعدة أطراف إقليمية للجماعة في الحصول على تقنيات عسكرية متقدمة.
ورغم أن هذه التصريحات يمكن فهمها في سياق الدعم الإيراني المعروف للحوثيين، سواء بصورة مباشرة أو عبر الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في لبنان والعراق، فإن بعض المعلقين ذهبوا إلى تفسيرها على نحو أوسع، وتكهنوا بوجود أطراف أخرى تقدم الدعم للجماعة، حتى شملت اتهاماتهم قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، وكأن المملكة تواجه مؤامرة دولية واسعة تستهدف أمنها واستقرارها.
من الطبيعي أن تتحرك الدول وفق مصالحها، وأن ترى بعض القوى الإقليمية والدولية في الصراعات فرصة لإضعاف خصومها أو استنزاف قدراتهم. لكن هذا لا يبرر تصوير المملكة وكأنها تواجه تحالفا واسعا من الخصوم، أو أن شركاءها قد تخلوا عنها.
فهناك فرق بين تباين المصالح والمواقف، وبين وجود عداء أو تآمر. وحين يتكرر الحديث عن عزلة المملكة، مع تجاهل الوقائع التي تناقض هذه الصورة، يصبح من الصعب تفسير ذلك بمجرد سوء التقدير، ويغدو أقرب إلى الترويج لسردية تستهدف التشكيك في مكانة المملكة وعلاقاتها الدولية.
والواقع أن المواقف الإقليمية والدولية تناقض هذه السردية؛ فقد أدان مجلس الأمن الاعتداءات الحوثية على المملكة، وأعرب عن تضامنه معها، وأكد حقها في الدفاع عن نفسها.
كما صدرت إدانات واسعة من دول في مختلف أنحاء العالم للاعتداءات على المطارات السعودية. هذه ليست مجرد مواقف رمزية، بل تعكس إدراكا دوليا لأهمية أمن المملكة، وارتباطه بالاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والمصالح الاقتصادية الدولية.
ولا يصح قياس قوة العلاقات والتحالفات بمدى استعداد كل دولة للمشاركة العسكرية في مواجهة الحوثيين؛ فقرارات الحرب تخضع لاعتبارات عسكرية وسياسية ودستورية تختلف من دولة إلى أخرى، حتى بين الدول التي تربطها تحالفات دفاعية وثيقة، ومن ثم، فإن عدم المشاركة العسكرية لا يعني التخلي عن المملكة، كما أن اختلاف المواقف بشأن إدارة الصراع لا يعني الانحياز إلى خصومها.
ثم إن المملكة لا تحتاج إلى مشاركة عسكرية دولية للتصدي للحوثيين؛ فهي تمتلك القدرات العسكرية اللازمة لمواجهة تهديداتهم، وإن كان التزامها بالقانون الدولي الإنساني يفرض قيودا على استخدام هذه القدرات. أما الدعم السياسي والدبلوماسي الدولي، فتبرز أهميته في تعزيز موقف المملكة، وزيادة الضغط على الجماعة والجهات الداعمة لها.
وعليه، فإن محاولة تصوير المملكة بوصفها دولة معزولة تخلى عنها شركاؤها لا تستند إلى قراءة موضوعية للمواقف الدولية، بل يتجاهل وقائع واضحة تناقضه. كما أن الإصرار على ترويج هذه الصورة، رغم ما يدحضها من شواهد، يثير تساؤلا مشروعا عما إذا كنا أمام مجرد سوء تقدير، أم أمام مساعٍ متعمدة لترسيخ انطباع بأن المملكة تفتقر إلى الأصدقاء والحلفاء.
ولا يمكن استبعاد أن تكون وراء هذه السردية أطراف لا يروق لها ما تتمتع به المملكة من مكانة دولية ودور قيادي في المنطقة، وترى في التشكيك في علاقاتها وقدراتها وسيلة للنيل من هذه المكانة.
يقدم تاريخ الدبلوماسية السعودية شواهد على تعقيد حساباتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وتوظيف أدوات مختلفة وفقا لطبيعة التحديات. ففي الثلاثينيات، سعى الملك عبد العزيز لأكثر من سنتين إلى تسوية الخلاف الحدودي مع الإمام يحيى حميد الدين بالمراسلات والمفاوضات، وبعد تعثُّر تلك المساعي، اندلعت الحرب عام 1934، ورجحت فيها الكفة العسكرية للمملكة، ثم انتهت بمعاهدة الطائف
ثالثا.. الجهل بمحددات القرار السعودي
ومن مظاهر الخطاب الإعلامي المصاحب للمواجهات الحالية ما يقدمه بعض المعلقين من نصائح للمملكة بشأن ما ينبغي أن تفعله أو تتجنبه في التعامل مع جماعة الحوثي، ومقترحات بشأن الجهات التي ينبغي أن تتحالف معها أو تبتعد عنها، ومتى تستخدم القوة أو تتجه إلى التفاوض.
وتُطرح هذه النصائح أحيانا بنبرة جازمة، لا تتناسب مع محدودية المعلومات المتاحة لأصحابها ولا مع تعقيد القضايا التي يتناولونها. ولا تكمن المشكلة في إبداء الرأي أو مناقشة الخيارات المتاحة، بل في اختزال القرارات الإستراتيجية المعقدة إلى توصيات مبسطة تتجاهل تعدد المصالح والاعتبارات التي تحكم سياسة الدولة.
والأهم من ذلك أن هذا الخطاب يكشف قصورا في فهم محددات القرار السعودي، وضعفا في الإلمام بتاريخ المملكة وتجربتها في إدارة علاقاتها الخارجية والتعامل مع التهديدات.
فمنذ توحيد المملكة، واجهت بيئة إقليمية ودولية متغيرة وصعبة، وتعاملت باقتدار مع تنافس القوى الكبرى، وأدارت علاقات مع دول وأطراف متعارضة المصالح، واستخدمت أدوات التفاوض والتحالف والردع والقوة العسكرية بحسب مقتضيات كل مرحلة. لذلك لم تلتزم خيارا ثابتا للمواجهة أو التهدئة، بل نوّعت سياساتها وأدواتها وفقا لتغير الظروف ومقتضيات المصلحة الوطنية.
في كتابه “النظام العالمي” (عام 2014)، وصف هنري كيسنجر السياسة الخارجية السعودية بأنها اتسمت بحذر جعل “عدم المباشرة فيها فنًّا قائمًا بذاته” (indirectness into a special art form)، واستخدم أيضا تعبير “الغموض المبدئي” (principled ambiguity) لوصف نهجها في التوفيق بين التزاماتها ومصالحها المختلفة.
ويعكس هذان الوصفان جانبا من تعقيد السياسة السعودية وتعدد الاعتبارات التي تحكم قراراتها، والتي لا تظهر جميعها في مواقفها المعلنة وتحركاتها الدبلوماسية. ومن ثم، فإن التسرع في الحكم على هذه التحركات، وتقديم توصيات بناء على ما يبدو منها، قد يقود إلى استنتاجات خاطئة لا تراعي السياق الأوسع والحسابات الإستراتيجية التي توجه القرار السعودي.
ويقدم تاريخ الدبلوماسية السعودية شواهد على تعقيد حساباتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وتوظيف أدوات مختلفة وفقا لطبيعة التحديات. ففي الثلاثينيات، سعى الملك عبد العزيز لأكثر من سنتين إلى تسوية الخلاف الحدودي مع الإمام يحيى حميد الدين بالمراسلات والمفاوضات، وبعد تعثُّر تلك المساعي، اندلعت الحرب عام 1934، ورجحت فيها الكفة العسكرية للمملكة، ثم انتهت بمعاهدة الطائف.
وفي الخمسينيات والستينيات، واجهت المملكة صعود المد القومي العربي وما رافقه من تهديد للأنظمة الملكية وسقوط بعضها، إلى جانب التدخل العسكري المصري في اليمن، وتعاملت مع هذه التحديات باستخدام أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية متعددة. ثم واجهت تداعيات الثورة الإيرانية عام 1979، وتعاملت مع تقلبات مواقف الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح والرئيس الليبي السابق معمر القذافي.
من هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز السجال الإعلامي والانطباعات الشخصية نحو تحليل أكثر انضباطا، يميز بين الأهداف والقدرات، وبين الوقائع والتكهنات، ويضع القرارات السياسية والعسكرية في سياقها الإستراتيجي الأوسع
وعندما غزا العراق الكويت عام 1990، واجهت المملكة تهديدا عسكريا مباشرا، فبادرت إلى حشد تحالف دولي واسع، ووظفت أدواتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية لتحرير الكويت. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، واجهت العلاقات السعودية الأمريكية أزمة كبيرة رافقتها اتهامات وضغوط سياسية وإعلامية.
وتمكّنت المملكة من إدارة هذه الأزمة والحفاظ على شراكتها الإستراتيجية مع واشنطن، ثم تعزيز التعاون معها في مكافحة الإرهاب، بالتزامن مع مواجهتها هجمات تنظيم القاعدة داخل أراضيها. كما تعاملت مع الاضطرابات والتحولات الإقليمية التي رافقت الربيع العربي منذ عام 2011.
وتعكس هذه التجارب خبرة متراكمة لدى المملكة في إدارة الأزمات، وتنوّع أدواتها بتنوّع التهديدات. وبالطبع، لا يعني النجاح في إدارة أزمات سابقة ضمان النجاح في الأزمات اللاحقة؛ لكنه يؤكد أن تقييم قراراتها الإستراتيجية لا ينبغي أن يقتصر على تقدير التهديد العسكري، بل يتطلب النظر أيضا في المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية، والعلاقات مع القوى الإقليمية والدولية وغيرها من العوامل المؤثرة في صنع القرار.
وهذا ما يغيب عن كثير من المقترحات الجازمة بشأن كيفية تعامل المملكة مع الحوثيين، التي تختزل خياراتها في المواجهة العسكرية أو التسوية السياسية، دون إدراك كافٍ لتعقيدات القرار والاعتبارات التي تحكمه.
خلاصة القول، تكشف هذه السرديات الثلاث عن قصور في فهم السياسة السعودية ومحددات قرارها الخارجي؛ فالأولى تضخّم خطر الحوثيين إلى مستوى التهديد الوجودي، من دون التمييز بين طموحات الجماعة وقدرتها الفعلية على تحقيقها، وينطوي ذلك ضمنا على تقليل من قدرات المملكة وتصوير المملكة وكأنها دولة هشة.
والثانية تصوّر المملكة كأنها محاطة بالخصوم ومعزولة عن أصدقائها وشركائها، متجاهلة المواقف الدولية المساندة لها ومكانتها الإقليمية والدولية. أما الثالثة، فتختزل القرار السعودي في توصيات مبسطة، وتغفل خبرة المملكة في إدارة الأزمات وتعدد المصالح والاعتبارات التي تحكم سياستها.
وعلى اختلاف منطلقات هذه السرديات ودوافع أصحابها، فإنها تفضي إلى نتائج متقاربة، تتمثل في المبالغة في تقدير قوة خصوم المملكة، والتقليل من قدراتها ومكانتها والتشكيك في علاقاتها الدولية.
ومن حيث النتيجة، تتقاطع بعض آثارها مع الخطاب الإعلامي للحوثيين، وتسهم في ترسيخ الصورة التي تسعى الجماعة إلى ترويجها، بصرف النظر عن نوايا أصحابها.
ولا يعني نقد هذه السرديات التقليل من خطورة الاعتداءات الحوثية أو استبعاد أي من الخيارات المتاحة للتعامل معها؛ فالمواجهة العسكرية والتفاوض والتسوية السياسية أدوات تستخدمها الدول وفق ظروفها ومصالحها، ولا يمكن الحكم على جدوى أي منها بمعزل عن طبيعة التهديد والقدرات والقيود والتكاليف والنتائج المتوقعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز السجال الإعلامي والانطباعات الشخصية نحو تحليل أكثر انضباطا، يميز بين الأهداف والقدرات، وبين الوقائع والتكهنات، ويضع القرارات السياسية والعسكرية في سياقها الإستراتيجي الأوسع. فالمطلوب ليس التقليل من خطر الحوثيين أو المبالغة فيه، وإنما تقديره على نحو صحيح، وفهم الخيارات السعودية في ضوء المصالح والاعتبارات التي تحكمها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
