قبل 77 عامًا، تخيّل جورج أورويل عالمًا تُراقَب فيه الأنفاس، وتُزوَّر فيه الحقائق، وتُصادَر فيه العقول. لم يكن يدري أن الإنسان سيحمل يومًا في جيبه جهازًا يعرف عنه أكثر مما يعرفه أقرب الناس إليه، وأن الحقيقة نفسها ستصبح قابلة للتصنيع بضغطة زر.

ثمة روايات تنتهي عند صفحتها الأخيرة، وثمة روايات تظل تطارد المستقبل، كأنها كُتبت لزمن لم يأتِ بعد. ومن أبرزها رواية «1984» للكاتب البريطاني جورج أورويل، الصادرة في الثامن من حزيران عام 1949، عن دار «سيكر وواربورغ» في لندن.

يومها، كان العالم يخرج من أهوال الحرب العالمية الثانية، لكن أورويل ذهب بخياله أبعد من الحروب والديكتاتوريات التقليدية. فقد رسم عالمًا لا تكتفي فيه السلطة بمصادرة الحرية، بل تصادر الحقيقة نفسها؛ عالمًا لا يكفي فيه أن تطيع الحاكم، بل عليك أن تصدقه، وأن تنكر ما رأته عيناك إذا قرر أن ما رأيته لم يحدث.

في روايته، يعيش الناس تحت سطوة «الأخ الأكبر»، زعيم غامض يراقب الجميع عبر شاشات لا تنطفئ، فيما تتولى «شرطة الأفكار» ملاحقة الشكوك قبل أن تتحول إلى أفعال، وتعمل «وزارة الحقيقة» على تزوير الأخبار وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم السلطة.

أما بطل الرواية، وينستون سميث، فهو موظف في تلك الوزارة، يمحو الوقائع ويستبدلها بأخرى، قبل أن يتمرد على النظام، ليكتشف أن الآلة التي تحكم المجتمع لا تريد إخضاع جسده فحسب، بل تحطيم عقله وإرادته.

هنا تكمن عبقرية أورويل الاستشرافية. فقد أدرك أن أخطر أشكال الاستبداد ليست تلك التي تمنع الإنسان من الكلام، بل التي تستطيع التحكم بما يعرفه ويتذكره ويعتقد أنه الحقيقة.

وها نحن، بعد أكثر من ثلاثة أرباع قرن، نعيش في عالم يثير أوجه شبه مذهلة مع ذلك الخيال الكابوسي.

لم يعد «الأخ الأكبر» بحاجة إلى صور معلّقة على الجدران، بعدما أصبحت أعين المراقبة أصغر حجمًا وأكثر التصاقًا بحياتنا. فالهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الرقمية قادرة على جمع معلومات هائلة عن مواقعنا واهتماماتنا وعاداتنا وعلاقاتنا، فيما تستطيع الخوارزميات تحليل سلوكنا واستنتاج تفضيلاتنا، بل والتنبؤ ببعض خياراتنا.

والمفارقة أن المواطن في رواية أورويل كان يخشى الشاشة المفروضة عليه، بينما نتسابق نحن إلى اقتناء أحدث الشاشات وحملها طوعًا أينما ذهبنا.

لقد أصبحت المراقبة، في بعض صورها، خدمة نستهلكها، لا قيدًا نشعر بوطأته.

لكن التشابه الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق بالمراقبة وحدها، بل بالحقيقة نفسها.

كانت «وزارة الحقيقة» عند أورويل تحتاج إلى آلاف الموظفين لإعادة كتابة الصحف والوثائق ومحو الوقائع غير المرغوبة. أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على صناعة صور لأحداث لم تقع، وأصوات لم ينطق أصحابها بما تقوله، ومقاطع مصورة يصعب أحيانًا تمييزها عن الواقع.

لم يعد تزييف التاريخ وحده ممكنًا، بل بات بالإمكان اختلاق الحاضر نفسه، ثم نشره أمام الملايين خلال دقائق.

والأخطر أن التزييف لا يهدد صدقية الأخبار المصطنعة فحسب، بل يزرع الشك في الأدلة الحقيقية أيضًا. فعندما يصبح كل تسجيل قابلًا للاتهام بأنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي، تصبح الحقيقة نفسها موضع ارتياب.

في عالم أورويل كانت السلطة تفرض كذبة واحدة على الجميع، أما اليوم فقد نغرق في آلاف الروايات المتناقضة، حتى نعجز عن التمييز بين الحقيقة والوهم.

ولم يكن أورويل أقل بصيرة في فهمه لكيفية صناعة القناعات وتوجيه المشاعر. ففي مشهد «دقيقتي الكراهية» الشهير، كانت السلطة تحشد الجماهير أمام الشاشات، وتدفعها إلى صب غضبها على عدو تختاره لها.

ألا يذكّرنا ذلك بموجات الغضب التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي، حين تتحول قضية معقدة إلى حملة اتهامات، أو يُنتزع تصريح من سياقه، أو يصبح شخص ما عدوًا للجمهور خلال ساعات؟

لقد منحت المنصات الرقمية الكراهية والتضليل سرعة انتشار هائلة، بينما تستطيع خوارزميات التوصية أن تضخّم المحتوى المثير للانفعال، وأن تعرض لكل مستخدم ما يتوافق مع اهتماماته وميوله.

وهنا يظهر وجه آخر من أوجه التشابه: كان «الأخ الأكبر» يخاطب الجماهير برسالة واحدة، أما اليوم فتتيح البيانات والذكاء الاصطناعي تصميم رسائل مختلفة لجماعات مختلفة، تخاطب مخاوف كل منها ورغباتها، وتؤثر في تصوراتها للعالم.

ولعل الأخطر أن الإنسان قد يعيش داخل دائرة من المعلومات التي تؤكد قناعاته، فيتوهم أنه يرى الحقيقة كاملة، بينما لا يرى إلا الجزء الذي اختارته له الخوارزميات.

وهكذا نقترب من جوهر تحذير أورويل: لا تحتاج السيطرة على العقول دائمًا إلى منع المعلومات، فقد يكفي التحكم بما يصل منها إلى الناس، وبالطريقة التي تُعرض بها عليهم.

وثمة مفارقة أخرى: في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، تتراجع أحيانًا قدرتنا على التمييز بين الخبر والدعاية، وبين الوقائع والتفسيرات، وبين المعرفة والضجيج. ومع اعتمادنا المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي للإجابة عن أسئلتنا وتلخيص ما يحدث حولنا، يبرز سؤال بالغ الخطورة: من يحدد المعلومات التي تقدمها لنا هذه الأنظمة، وما الذي تختاره أو تُغفله؟

صحيح أن عالمنا ليس نسخة حرفية من رواية «1984»، وأن أدوات النفوذ الرقمي موزعة بين حكومات وشركات ومنصات، لا يحتكرها حزب واحد. لكن هذا الاختلاف لا ينفي التشابه، بل قد يجعله أكثر تعقيدًا، لأن التأثير في الوعي لم يعد يحتاج بالضرورة إلى سلطة مركزية واحدة.

ولا تكفي الإشادة بمنافع التكنولوجيا لتبديد هذه المخاوف؛ فالاختراعات لا تعمل خارج مصالح من يمتلكها ويديرها، وقد تتحول قوتها الهائلة إلى وسيلة للهيمنة بقدر ما يمكن أن تكون أداة للتحرر.

لقد كان «الأخ الأكبر» عند أورويل يراقب الإنسان كي يضمن طاعته. أما اليوم، فقد أصبحت التقنيات قادرة على جمع البيانات وتحليل السلوك وتخصيص الرسائل وصناعة محتوى لا وجود له في الواقع، بما يمنح الجهات التي تستخدمها إمكانات غير مسبوقة للتأثير في الأفراد والمجتمعات.

لم يتنبأ أورويل بالهاتف الذكي أو بالذكاء الاصطناعي، لكنه استشرف ما هو أعمق: أن السيطرة على الحقيقة قد تصبح الطريق الأقصر للسيطرة على الإنسان.

وفي النهاية المأساوية لروايته، لا يُهزم وينستون سميث لأنه صمت أمام السلطة، بل لأنه فقد آخر معاقل حريته الداخلية، وانتهى إلى حب «الأخ الأكبر» الذي كان يقاومه.

بعد سبعة وسبعين عامًا، يعود السؤال الذي زرعه أورويل في وجدان قرائه أكثر إلحاحًا: ماذا كان سيكتب لو رأى عالمًا تستطيع فيه الآلات أن تصنع ما تراه أعيننا، وما تسمعه آذاننا، وما نعتقد أنه الحقيقة؟

ربما لم تتحقق نبوءة «1984» بحذافيرها، لكن ملامح كثيرة من عالمها باتت تسكن واقعنا الرقمي.

لقد كان «الأخ الأكبر» في خيال أورويل يفرض على الإنسان ما ينبغي أن يصدقه. أما الخطر اليوم، فهو أن يتلقى الإنسان عالمًا صُمّم له بعناية، ثم يظن أنه اختار صورته بنفسه.

وربما تكون تلك أخطر صور فقدان الحرية: أن يفقدها الإنسان، وهو لا يزال يعتقد أنه يمارسها.

شارك هذا الموضوع: