يستوقفني غلاف رواية “جْريبا” بلونه البني الفاتح، وشعر المرأة الطويل الذي يمتد على مساحته، وتتوسطه ضفيرة تبدأ من أعلى الغلاف وتمتد إلى نهايته. وإلى جانب هذا التكوين، تظهر كلمات وأرقام غير مألوفة، تستحضر في شكلها الرموز التي ترتبط ببعض ممارسات العلاج الشعبي وصناعة الحروز.

لا يبدو الغلاف مجرد واجهة تحمل عنوان الرواية، بل عتبة بصرية تهيئ القارئ للدخول إلى عالم تتشابك فيه الحكايات الشعبية بالمعتقدات الغيبية. فالشعر الطويل يستدعي صورة المرأة الغامضة، ويكتسب دلالة إضافية عند قراءته في ضوء حضور هايمة، التابعة المرتبطة بغابش في العالم الروائي. أما الكلمات والأرقام، فتفتح مجالًا للتأويل، وتحيل إلى عالم الرموز والممارسات الشعبية التي ستجد حضورها داخل الحكاية.

وتنبع أهمية هذا التكوين من اجتماع عناصره البصرية في خلق مناخ من الغموض، من دون أن يكشف أسرار الرواية أو يحدد للقارئ طريقة واحدة لفهمها. فالغلاف يلمّح إلى طبيعة العالم الذي ينتظره، ويجعله منذ البداية أمام منطقة تتجاور فيها المألوفات اليومية مع ما يحيط بها من أسئلة ومجهول.

وفي قراءتي، لا تنفصل هذه العتبة البصرية عن التجربة السردية؛ إذ تهيئ القارئ نفسيًا لاستقبال حكاية لا تكتفي برصد الواقع، بل تنفذ إلى الموروث الشعبي وما يختزنه من تصورات عن العالم الخفي، لتعيد تشكيله داخل فضاء الرواية.

تفتح رواية “جْريبا” نافذة على الموروث الشعبي العُماني، وما تختزنه الذاكرة الوجدانية من حكايات ومعتقدات وتصورات غيبية تناقلتها الأجيال، حتى غدت جزءًا من الوعي الجمعي. تتناول وفاء المصلحي هذا العالم، بما يضمه من الهبايب والزار والتوابع والمعتقدات الخفية، وتعيد تقديمه في قالب روائي يستكشف أثره في حياة الإنسان وعلاقته بالمجهول.

تتحرك الشخصيات بين الواقع والغيبيات، في سرد يكشف تفاصيل هذا العالم بهدوء وتدرّج، ويبرز كيف تتداخل المعتقدات مع الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية. ومن ذلك شخصية هايمة، التابعة لغابش، التي تكشف عن قرب هذا العالم منه، حين يقول: ومن المشاهد التي تكشف عن براعة هذا التداخل قول غابش:

“أغمض عيني فأرى شيخة تمسك بيدي وتمسح على رأسي، وعندما أفتحهما أرى نفسي بين أحضان هايمة”.

تجمع هذه اللحظة بين صورتين مختلفتين في حياة غابش ويحدث الانتقال بينهما داخل تجربة الشخصية نفسها، من دون تفسير مباشر يحسم طبيعة ما تراه أو تشعر به. وبذلك لا تصبح الغرابة حدثًا منفصلًا عن الحياة، بل تتسلل إلى أكثر لحظاتها حميمية، وتكشف عن اضطراب الحدود بين ما يألفه غابش وما يواجهه في العالم الخفي.

كما تستحضر الرواية حكاية أولاد العجم الذين غرقوا بسبب الدموع، وهي حكاية تتجاوز غرابة الموقف إلى ما يترتب عليه من تبعات؛ إذ تصبح حياة العجوزة وعائلتها محكومة بدَين عليهم أن يدفعوا ثمنه مقابل غرق أولاد العجم. وهكذا يتحول الحدث الغرائبي إلى عبء يمتد أثره إلى مصائر العائلة، ويكشف كيف تتشكل المعتقدات الشعبية حول الدَّين والذنب والعقاب.

وتتجلى قدرة الكاتبة على بناء المشاهد في حكاية الطفل الذي سقط من أعلى النخلة ومات أمام الجميع، ثم يراه غابش متمايلًا نحوه داخل الكهف. يستعيد المشهد مأساة طفل جائع تسلق النخلة طلبًا للتمر، وانتهى خادمًا لدى بو صبر؛ فتتحول الصورة من مشهد يثير الرهبة إلى حكاية تستدعي التعاطف، ويتداخل الماضي بالحاضر في لحظة سردية لافتة.

ومن اللمسات السردية المهمة في نهاية الرواية، تعيد وفاء المصلحي فتح ذاكرة الموروث الشعبي من خلال “غابش”، الذي يستعيد أحداثه وحكاياته، ومنها ما ارتبط بالدار ودم الخفاش، ليرويها لابنه سعيد. وهنا ينتقل الحكي من ذاكرة الأب إلى فضول الابن ورغبته في معرفة المزيد، وكأن الكاتبة تؤكد، بأسلوب غير مباشر، أن الموروث لا ينتهي بانتهاء زمنه، بل يظل عالقًا في الذاكرة، ينتقل عبر الحكاية من جيل إلى آخر، محتفظًا بحضوره في الوجدان الجمعي. فالذاكرة الشفهية تجد في الإصغاء والتدوين وسيلة لاستدامتها، وتمنح الحكايات حياة جديدة تتجاوز أصحابها.

وتبرز متانة البناء السردي في هذا التدرج؛ إذ تنسج وفاء المصلحي إشارات متتابعة تثير فضول القارئ، وتصعد به نحو عوالم الغيب، قبل أن تعيده إلى الواقع الإنساني وتفاصيله. وهكذا تحافظ الرواية على توازنها بين الموروث والخيال، وبين ما تراه الشخصيات وما تعتقده، لتمنح الحكايات الشعبية حياة أخرى داخل العمل الروائي.