تعرض ماغدا شعبان، لدى Rebirth Beirut Space (بيروت، الجميزة، شارع غورو)، وبالتعاون مع The Gallerist، مجموعة من الأعمال المشغولة بمادة الأكريليك ومواد مختلفة، ذات أحجام متوسطة وكبيرة، وقد اتخذ المعرض عنوان “بيروت أنا عائدة” Beirut I’m back.
كما في معرض، أو معارض سابقة لها، تعود ماغدا شعبان إلى بيروت كموضوع أثير لا يزال يشغلها حتى اللحظة. ليس في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب، إذ لطالما كانت المدينة مصدر إلهامٍ مُفضّل للفنانين والكتّاب، الذين سعوا إلى تصوير حيويتها وتنوعها وجمالها وقبحها. إنها مكانٌ تتمركز فيه قوى الحداثة، وتلتقي فيه الثقافات، وتتشكل فيه الهويات الفردية والجماعية. وللمدن، كموضوعٍ للرسم، تاريخٌ طويلٌ وغني، يمتد عبر حركاتٍ وأساليب فنيةٍ متنوعة. من التمثيل المثالي لها إلى استكشاف البيئة الحضرية الحديثة فيها. لقد وجد الفنانون في المدن مصدر إلهامٍ لا ينضب.

إذا ما نظرنا إلى أعمال ماغدا شعبان، وإلى ذاك الكم من عمارات العاصمة المتشابكة، لقلنا إن الخلفية تتخذ شكلاً يتأرجح بين الدائري تارة والمنبسط تارة أخرى. هذه الكتلة التي تلعب دور الخلفية قد تكون أكثر استقلالية حيناً، أو يرتسم في مقدمتها الموضوع: قامة بشرية، أو قامات أحياناً، أو أشياء أخرى. هذا الأسلوب كنا لحظناه لدى الفنانة في أعمال تنتمي إلى معارض سابقة. في هذه الأعمال يكون ظاهر الداخل هو الفضاء العام المشترك والاجتماعي، ولا يكون كذلك إلا إذا انبثق من اللاشكل، إذ لا نظام يحكمه. بيوت وعمارات تبدو متحركة في لوحة الفنانة، أو لنقل أنها تحمل ذاك العبث المعتمل في نفوس سكانها. ثمة انقطاع في استمرارية المدينة، ومن المفارقات أن الأجزاء يرتبط بعضها بالبعض الآخر، كما إنها، في الوقت نفسه، تُثبّت التمزق. هذه الخلفية، هذا الخارج، هو العالم كمسكن. إن حاوية الداخل الخاص التي هي الواجهات، المرئية بالكاد، هي أيضًا حاوية لخارج يمكن أن يكون مفهومًا.

الخلفية التي تتشكل هي حياة الفضاء، إنها المادة المدمجة الملأى بالحياة من حيث أنها مكان تنفسنا، في بيروت – المدينة التي تتّسع لآلاف الاحتمالات. هذا الخفي الذي من دونه لن يكون المرئي مرئيًا هي المساحة الغامضة التي تجعل وجودنا ممكنًا. ما الذي ينتج لدى التخلي عن فكرة الفضاء نفسها؟ أن تُحرم المباني من ساحاتها الأمامية التي لا نراها في اللوحة، على أن الخطوط الحادةً، التي تلجأ إليها شعبان، تُضفي على المباني إيجابيةً خالصة، من حيث هي مكان أليف تشتاقه الفنانة، كما تقول. فهي تشتاق إلى أرقام بيوته العتيقة، تلك الأرقام الزرقاء، كما نذكر، التي بقيت في أحياء معينة من العاصمة، ولم تطاولها الأيدي العابثة. أرقام لم تعد تلفت انتباهنا، لكنها بقيت شاهدة على زمن كانت بيروت تنعم فيه بنظام شكلي أقلّه، قبل أن تزيله الفوضى. نظام شكلي لم تعرفه مناطق معينة من ضواحي العاصمة التي من الصعب، لمن لا يعيش فيها، معرفة أمكنة بيوتها ومتاهات زواريبها وعشوائياتها، المخيفة أحياناً.

الفوضى لا تزعج شعبان، بل ربما أصبحت، بالنسبة إلها وإلينا، من العاديات. لكنها فوضى مختلفة عن صورة العشوائيات في الضواحي المذكورة، التي لم يزرها بعضنا ولو لمرة واحدة. هي فوضى مختلفة الاحتمالات والأبعاد، التي تحاول السلطات عتدنا التغلّب عليها عبر “مشروع بيروت”- لوحة الفنانة التي نرى فيها رجلاً من الخلف، يعتمر طربوشاً أحمر ويتأبط ما يشبه الصحيفة، لكنه في الواقع مشروعاً ما. مشروع كغيره من المشاريع الكثيرة التي بقيت حبراً على ورق، في بلد يبدو وكأن لا شيء فيه يسير على ما يرام، بالرغم من الأمنيات المتفائلة المنتشرة هنا وهناك، لكنها تصطدم دائماً بجدار صلب بناه نظام فريد من نوعه، في المعنى السلبي، وليس كما يشير إليه التعبير عادة.

هكذا، تصبح المدينة موضوعاً فنياً لدى شعبان، تلك المدينة التي، إذا ما عدنا للتذكير بالتاريخ الفني، كان صوّرها رسامو عصر النهضة المدن كمواقع للسلطة والثروة، وكثيرًا ما صوّرها الانطباعيون كمكان للترفيه والاسترخاء، بلوحات تصور شوارع مزدحمة ومقاهي وحدائق. أما التعبيريون، فقد مثلوها كمكان لليأس والاغتراب، بلوحات تصور شوارع مظلمة ومباني مشؤومة، في حين صوّرها السرياليون كمكان للأحلام والعبث، بلوحات تصور مناظر مدينة خيالية. أما ماغدا شعبان فقد صوّرت “مدينتها الخاصة”، التي قد يجتمع فيها بعض ما ورد ذكره بإحساس صادق، وهي التي تعود إليها على متن طائرة كي ترسم المشهد المرئي من النافذة، بعدما أحاطت المشهد في لوحتها بمواد نافرة، كإطار لمدينة تبدو صغيرة من الكوّة الضيقة، لكنها كبيرة في ذاكرة الفنانة وروحها.
