أتحدث هنا لا بصفتى كاتبة مسرحية وكاتبة مقال بجريدة «الدستور» فقط، ولكن بصفتى عضوًا فى اللجنة العليا للمهرجان القومى للمسرح المصرى أيضًا، وكنت شريكة فى اتخاذ قرارات التكريم لهذا العام، وأتحمل تمامًا مسئولية هذه الاختيارات، لا من باب الدفاع، ولكن من باب الإيمان العميق بأن ما قمنا به كان منضبطًا وواعيًا وعادلًا.

لقد حاولنا قدر الإمكان أن نستوفى فى اختياراتنا معايير الاستحقاق، والأثر، والعدالة الثقافية، والتنوع الجغرافى والنوعى، وراعينا كذلك أن تشمل التكريمات مجالات التمثيل والإخراج والكتابة والسينوغرافيا، مع مراعاة التوازن بين مسارح الدولة، والمسرح المستقل، ومسرح الثقافة الجماهيرية، والقطاع الخاص. 

وأزعم أن هذه المعايير انعكست بوضوح فى الأسماء التى جرى تكريمها، وقد لاقت بالفعل استحسانًا واسعًا من جموع المسرحيين.

من بين هؤلاء الفنانين كان تكريم الفنان محيى إسماعيل. لم يكن تكريمًا اعتباطيًا ولا مجاملة، بل جاء فى سياق منطقى ومعايير واضحة، فهو فنان له رصيد مسرحى معروف، ومشارك فى تأسيس «مسرح الـ١٠٠ كرسى»، وبلغ من العمر ما يجعل فرص التكريم المتبقية له نادرة، إن لم تكن مستحيلة، فى ظل ندرة المهرجانات السنوية، لكن المفارقة أن الفنان محيى إسماعيل صرّح لاحقًا فى أحد البرامج التليفزيونية بأنه غير راضٍ عن التكريم لأنه «مافيهوش فلوس»، ما أثار غضب المسرحيين، بل وذهب البعض إلى حد مطالبة المهرجان بسحب هذا التكريم منه. وهنا، أجد نفسى مدفوعة للتأمل، لا فى التصريح نفسه، بل فيما يكشفه من فجوة أعمق. ربما يرى البعض فى كلامه عدم تقدير للقيمة المعنوية للتكريم، أو حتى إساءة للمهرجان، وأتفق كثيرًا وأتحفظ على أسلوبه والسياق الذى طرح فيه ذلك.. فتكريم المهرجان القومى للمسرح هو تشريف وتقدير لكل مسرحى، ويقدره كثيرًا المسرحيون المخلصون الذين وهبوا للمسرح عمرهم دون أن ينتظروا منه أى مقابل.. بل وحيواتهم أيضًا، وربما تكون أرواح أساتذتنا وزملائنا التى ذهبت فى حريق مسرح بنى سويف شاهدًا على ذلك. ورغم ذلك أرى أنه أيضًا يضىء على إشكالية حقيقية: هل تكريم فنان أفنى عمره فى المسرح دون مقابل مادى، كافٍ حقًا فى سياق واقع اقتصادى صعب؟ صحيح أن قيمة التكريم معنوية بالأساس، لكنها لا تلغى الواقع الصعب الذى يعيشه كثير من فنانينا، خاصة كبار السن منهم، فى ظل ندرة الفرص وتقلص الإنتاج المسرحى، خاصة من ارتبطوا واقتصر نشاطهم الفنى على المسرح، هذا الفن الفقير الذى لا يضمن فى كثير من الأحيان تقاعدًا كريمًا، ولا عوائد مالية مستقرة. هنا، أنا لا أبرر موقف الفنان محيى إسماعيل، ولكنى أستثمره كفرصة لإثارة سؤال مشروع: هل آن الأوان لأن نعيد النظر فى منظومة التكريم ذاتها؟ ربما أصبح من الضرورى التفكير فى أن يصاحب التكريم نوع من المكافأة المالية الرمزية، لا كمقابل أو أجر، بل كرسالة دعم حقيقية تُراعى السياق الاقتصادى والاجتماعى للفنان المسرحى فى مصر. هذا لا ينتقص من قيمة التكريم، بل يمنحه عمقًا جديدًا يتجاوز الاحتفاء إلى الاعتراف العملى بالمعاناة، وبأن الفن- والمسرح خاصة- لا يزال فى حاجة إلى رعاية حقيقية تتجاوز البعد المعنوى، الذى لا يمكننا التقليل من شأنه أبدًا. فى النهاية أقول: لقد فعلنا ما يليق بالمهرجان القومى للمسرح، وفعل محيى إسماعيل ما يليق به، ولكن هل الصناعة المسرحية ببُعديها المؤسسى والمجتمعى تفعل ما يليق حقًا بفنانى المسرح؟ هذا هو السؤال.