يواصل مهرجان لوكارنو السينمائي (6 – 16 الجاري)، من قلب جبال الألب السويسرية، في اقتراح تجربة مغايرة تعيد السينما إلى جذورها: اللقاء الجماعي مع الشاشة، تحت السماء والنجوم، بلا حواجز بين الحياة وتمظهراتها الفنية. في مدينة منمّقة تقع على ضفاف بحيرة ماجيوري، يتحوّل الصيف إلى موسم سينمائي شديد الخصوبة. هذه التظاهرة السينمائية اكتسبت منذ تأسيسها قبل نحو ثمانية عقود، طابعاً خاصاً، تبتعد عن بهرجة كانّ و”رصانة” برلين وكاريزما البندقية، ليصوغ هويته الخاصة، المنحازة لفنّ الشاشة كحالة جماعية ومجتمعية. طوال 11 يوماً، تتنفّس لوكارنو سينما صباحاً وظهراً ومساءً.

المكان، بتضاريسه الجغرافية وبيئته، جزء من التجربة. من ساحة “بيازا غراندي” التي تتوسّط البلدة، تنبعث روحية المهرجان في عروض مسائية مفتوحة يحضرها كلّ مساء ما يزيد على 8000 مشاهد. شاشة ضخمة ترتفع 26 متراً في الهواء الطلق، تصنع لحظات سينمائية تختلط فيها الصورة بالنجوم، لا هؤلاء الذين يستعرضون أنفسهم على السجّادة الحمراء بل تلك المرصّعة في السماء. انها السينما باعتبارها امتداداً عضوياً بين الفنّ والناس، حتى إن بعض سكّان العمارات المجاورة يتابعون العروض من نوافذ منازلهم.

لوكارنو أكثر من مهرجان أوروبي آخر. موقعه الجغرافي، حيث تلتقي اللغات والثقافات الإيطالية والفرنسية والألمانية تصنع هويته، تمنحه شخصية متعدّدة. هذا الامتزاج لا يُترجَم بشعارات، إنما يتجسّد في اختيارات المهرجان وبرمجته التي تحتفي بتنوع حقيقي. من أرشيف السينما (45 فيلماً بريطانياً من بعد الحرب تُعرض ضمن استعادة)، إلى مواهب فتية من دول لم تعرف بعد صناعة سينمائية متينة، يقدّم المهرجان فسحة لاكتشاف الأصوات الجديدة، مانحاً إياها المساحة التي غالباً ما تُحتَكر في المهرجانات الكبرى للأسماء المعروفة.

 

ملصق مهرجان لوكارنو.

ملصق مهرجان لوكارنو.

 

ليس غريباً والحال هذه أن نجد هذا العام تكريم لشركة الإنتاج اللبنانية “قبوط برودكشنز” لصاحبها المنتج جورج شقير، التي لعبت دوراً محورياً في تحريك المياه الراكدة في السينما اللبنانية، ولا أن يُعرض فيلم عربي في “بيازا غراندي” هو “إركالا – حلم جلجامش” للعراقي محمد الدراجي، في حدث نادر يعكس توجّه المهرجان نحو الانفتاح من دون عرض عضلات وبلا تأجيج لصراعات جندرية وهوياتية. وهذا كله تحت شمس صيف حارقة تصنع شيئاً من الخفّة واللامبالاة التي تميز النشاطات التي تُقام في آب.

في دورته الثامنة والسبعين التي انطلقت أول من أمس، يحمل المهرجان مزيجاً من الأسماء الراسخة والتجارب الناشئة. أبرز محطاتها هذا العام: تكريم المخرج الأميركي من أصل يوناني ألكسندر باين، الممثّلة البريطانية إيما تومسون وزميلتها الإيرانية غولشيفته فاراهاني، مع عرض عدد من أفلام هؤلاء في مباردة تحرص عبرها إدارة المهرجان على الالتفات إلى جديد السينما وقديمها في آن واحد. الدورة الحالية ستشهد أيضاً تكريم نجم أفلام الفنون القتالية جاكي تشان، بعرض فيلمه الشهير “قصة شرطة” (1985)، وذلك من باب الاصرار على استيعاب كلّ أنواع السينما، من أشدّها ابتعاداً عن الأنماط السائدة إلى أكثرها شعبيةً. أما فيلم “شاينينغ” الذي سيطل علينا ضمن تكريم لمصمّمة الأزياء ميلينا كانونيرو، فعلى الأرجح سيكون احدى قمم المهرجان بالنسبة للجمهور الذي لم يشاهد رائعة ستانلي كوبريك على شاشة كبيرة.

من الافتتاح بـ”في أرض آرتو” للأرمنية تامارا ستيبانيان (أقامت ودرست في لبنان وأنجزت فيه أفلاماً وثائقية عدة)، إلى الختام مع “قبلة المرأة العنكبوت” بنسخته الجديدة، تتوزّع البرمجة بين التجارب الأولى والمخرجين الذين سبق أن عرضوا في أكبر المهرجانات، وبين الحكايات المحلية والنظرات العابرة للحدود. من بين أبرز أفلام هذا العام: “حفل عيد الميلاد” لميغيل أنخيل خيمينيز من بطولة ويلَم دافو، و”مكتوب حبّي: النشيد الثاني” لعبد اللطيف كشيش (الذي انقطعت أخباره منذ 2019)، و”دراكولا” لرادو جود، و”وهم ياكوشيما“ لناومي كواسي، إضافةً إلى أعمال يحلو لنا الاعتقاد بأنها استُبعدت من مهرجانات كبرى وها انها تجد في لوكارنو حضناً.

المسابقة الدولية، التي تضم 18 فيلماً تُعرض للمرة الأولى دولياً أو عالمياً (يترأس لجنة تحكيمها المخرج الكمبودي ريثي بان)، تعطي المجال لأصوات جديدة من خارج عواصم السينما الاعتيادية، كي تجد موطئ قدم لها في أوروبا. هذا إلى جانب حضور عربي لافت عبر فيلمين يتناولان التطورات التي حصلت أخيراً في الشرق الأوسط: “مع حسن في غزة” للفلسطيني كمال الجعفري و”حكايات الأرض الجريحة” للعراقي عباس فاضل (يقيم ويعمل في لبنان)، الذي يوثّق العدوان الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان من خلال شهادات أهاليه. أما الأفلام المختارة من مسابقة مهرجان كانّ، فيُعرض منها ثلاثة، من بينها “حادث بسيط” لجعفر بناهي الفائز بـ”سعفة” 2025، ما يعكس حرص لوكارنو على منح جمهوره فرصة ثانية لمشاهدة ما فاته في لقاءات سينمائية أخرى.

“في بلاد آرتو” افتتاحاً
الفيلم عن رحلة سيلين (كاميّ كوتان)، إمرأة فرنسية، إلى أرمينيا، بعد وفاة زوجها الأرمني لاستكمال إجراءات إدارية، فتكتشف بلداً مثقلاً بالحروب والخذلان. من خلال هذه الرحلة، تنبش المخرجة الأرمنية تامارا ستيبانيان أسئلة الهوية والمنفى والانتماء، مستعينةً بخلفيتها الوثائقية لإضفاء حسّ واقعي على سردها. تعكس شخصية آرتو، الزوج الراحل، صورة شعب مهزوم خسر أراضيه. رغم صدق الرؤية، يعاني الفيلم من ضعف في التمثيل وهشاشة درامية تحدّ من تأثيره. المخرجة التي عاشت تجارب المنفى منذ الطفولة، وجدت في السينما بيتها الحقيقي، وها انها تستخدمها لمساءلة الماضي، من دون أي ادعاء بامتلاك أجوبة. رغم عيوبه، يُحسب للفيلم انه يضيء على بلد غائب عن المشهد السينمائي… ونشرات الأخبار!